Thursday, July 23, 2026

All the News That's Fit to Print

إن كثيرًا من الممنوعات التي تندرج تحت خلاف الرأي هي أولى بأن تكون في المباحات رفقًا بالناس، ووقوفاً عند حدود الله، وتمشيًا مع مصالح المسلمين العامة، وتدرج في باب «فتح الذرائع» وهو باب أوسع من قاعدة «الضرورات تبيح المحظورات» لأن الحاجة فيه أيضًا تستدعي إباحة الممنوع وليست الضرورة فحسب..

بعيدًا عن خلاف الأئمة في اعتبار هذه القاعدة أو رفضها، وبعيدًا أيضًا عن مناقشة من يرفع عقيرته ويرغي ويزبد لإنكار ما وقع من خلاف وما ثبت من تباين بين أئمة الإسلام رحمهم الله في اعتبارها، نعرج قليلاً لنناقش هؤلاء في تطبيق ما يرون أنهم آخذون به من رأي، وتنبيههم إلى الخطأ الذي يرتكبونه بعذر "سد الذرائع" وأفضى بهم إلى الغلو فيما استقام به الأوائل وتضييق ما وسعوه، وغضهم الطرف عن ما قابلها مما فيه مصادمة لمرادهم وإعاقة لمنهجهم القائم على الأخذ بالأشدّ تمشيًّا مع حدّة المزاج، والنظر إلى بعض جزئيات الشريعة دون بعضها.

في قاعدة سد الذرائع وجدوا ما يتكئون عليه في فرض الوصاية الفقهية على المجتمعات الإسلامية، وستر ما يخفونه من خلل علمي عَجَزَ عن فهم ما دوّنه أسلافهم من أصول وقواعد، فلم يفرقوا بين ما فرق الأئمة فيه من (ذرائع يقينية، وذرائع ظنية محتملة وراجحة، وذرائع ليست إلا وساوس بعيدة عن هذا الباب) فالذرائع اليقينية لا خلاف فيها بين الأئمة؛ لأنها من باب المنصوص عليه، فما كان ذريعة مفضية إلى محرم فقد حرمه الله ورسوله ولم يتركه لعالم ولا لفقيهٍ، ومنه قوله تعالى (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوًا بغير علم) فسبُّ آلهة الشرك من باب الجائز – ولا يحتاج إليه - لكن لما عُلم أن عابديها فيهم من القبح والجهل ما يجعل ردة فعلهم سبًّا وشتمًا لله تعالى نهى الله المؤمنين عن سبهم سدّا ومنعًا لحدوث الإساءة منهم، فهذا من الذرائع المنصوص على تحريمها، ولا يصلح الاستدلال بها لإطلاق تحريم المباحات كلما لم يرق لنا مباح! أو كلما رأينا مباحًا يهدم ما نؤصله ونقرره أدرجناه في "سد الذرائع" فهذا قطعًا لم يقل به عاقل فضلاً عن عالم!

وأما ما كان من الذرائع الظنية المحتملة للإفضاء إلى محرم فهذا الذي وقع فيه النزاع في اعتباره من عدمه، والأمر لا يعدو عن كونه خلافًا سائغًا لا يتهم فيه مُخالف بالتمييع ولا بالانحراف، ولا يشكك بسببه في عالم رأى رأيًا وأنزله على واقعه كما وصل إليه اجتهاده، لكنهم يطلقون التحريم على أمر مباح لكونه خالف ما يؤصلون له ويقررونه، ثم يشنون حربًا لا هوادة فيها على كل من خالفهم ولم ير رأيهم، ويتصدى أتباعهم بكل أنواع الشتائم والأوصاف يطلقونها على مخالفيهم حتى لا يتجرأ أحد على طرح رأيه، وكل ذلك في أمر هو مباح غير أنهم رفعوه منزلة المحرم اتكاءً على هذا القاعدة.

أما ما كان من الوساوس والأهواء التي لا يعتبرها عاقل ذريعة أصلاً فهو قسم ثالث يذكر للتنبيه منه والتحذير من الوقوع فيه، ومع ذلك فإن من فقهاء زماننا من يعمم فيه المنع ويطلق فيها التحريم ويتهم فيه من يخالفه ويضيق فيه الرأي اقتصارًا على رأيه، وليس في الأمر نصٌّ ولا آية ولا حديث إنما هو الرأي المحض! وكأن الله أوسد إليه التحليل والتحريم غير متأمل قول الله جل في علاه (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله) وقوله (ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام) ليعلمنا الله بذلك أنه لا مجال لأحد أن يقول (هذا حلال وهذا حرام ) تحت أي قاعدة.

إن كثيرًا من فقهاء الزمان قد شغف بهذه القاعدة في كثير من وقائع المجتمع لاسيما ما يتعلق بأحكام النساء، أو في بعض تصرفات الشباب، أو ما يستجد من اختراعات ونحوها، فيسارع إلى استخدام هذه القاعدة، دون بحث ولا روية، فإذا بفتوى التحريم تجوب الأرض وكأنه شيء مسلّم به اعتمادًا منه على جهل الكثير من الناس بتفاصيل ما يقعّده، وسكوت كثير ممن يعلم عن ما يخفونه.

ولا نجد من هؤلاء من ينفض الغبار عن الشق الآخر من القاعدة، وهو قاعدة "فتح الذرائع" وهو على العكس منها تماماً والأقرب إلى الأخذ بكثير من النصوص والأدلة، ففي شرح الموطأ(6/28) قال ابن العربي "اعتبار الحاجة في تجويز الممنوع كاعتبار الضرورة في تحليل المحرم" وفيه إشارة إلى هذا الباب المغلق، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية الفتاوى (22/298) " وما كان منهيًا عنه لسد الذريعة فإنه يفعل لأجل المصلحة" .

وأمثلة ذلك كثيرة في الكتاب والسنة غير أن أمر التشديد محبب إلى نفوس الكثير لذلك لا تجد لهذه القاعدة ذكرًا بينهم، وكثير من المستجدات والوقائع العصرية التي أدخلوها في "الحرام" من باب سد الذرائع هي أولى أن تبقى على أصلها في الإباحة، بل إن كثيرًا من الممنوعات التي تندرج تحت خلاف الرأي هي أولى بأن تكون في المباحات رفقًا بالناس، ووقوفاً عند حدود الله، وتمشيًا مع مصالح المسلمين العامة، وتدرج في باب "فتح الذرائع" وهو باب أوسع من قاعدة "الضرورات تبيح المحظورات" لأن الحاجة فيه أيضًا تستدعي إباحة الممنوع وليست الضرورة فحسب، لكنه باب أغفلته كثير من العقول الناظرة فيما أصّله الأولون وقعّده المتقدمون، ولعل الأمر فيه تخوّف من همز ولمز وتبديع وتفسيق فيضطر كثير من الفقهاء لمجاراة محيطهم و(المحافظة على جماهيرهم) وإخفاء كثير مما تنظره أعينهم وتقرؤه ألسنتهم، فيقعون بذلك بقصد أو بغير قصد في إخفاء وكتم العلم مشابهة بمن قص الله علينا شأنهم في كتابه.

آراء الكتاب

  • الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ

    محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...

  • حراسة الرمز - سعد الدوسري

    سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...

  • الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض

    د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...

  • بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد

    يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...

  • دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي

    ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...

  • التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد

    لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...