Sunday, July 19, 2026

All the News That's Fit to Print

جانبي فروقة

تركت لنا كل حضارة آثارها من معابد وقصور شاهدا عليها ولكنها تركت أيضا شيئا أكثر بقاء وهو طقوسها ولو تجولت اليوم بين الشعوب لرأيت أناسًا في اليابان يقضون ساعة كاملة في إعداد كوب شاي وآخرين في الأرجنتين يتناوبون على شرب كأس واحدة من المتة وعائلات في روسيا تجلس صامتة قبل السفر وملايين في الهند يلقون الألوان على بعضهم بعضًا وقبائل في إفريقيا ترقص حتى الفجر وسكانًا في مدغشقر يفتحون قبور أجدادهم ليحتفلوا بذكراهم وعربًا يبدأون لقاءاتهم بفنجان قهوة قبل أن يتبادلوا الكلمات ورغم أن هذه الأفعال لا تحقق منفعة مادية مباشرة إلا أنها تعتبر أعظم اختراع عرفته البشرية فقد اخترع الإنسان النار ثم العجلة ثم الكتابة ثم الحاسوب ثم الذكاء الاصطناعي لكن قبل كل ذلك اخترع شيئًا أقل ضجيجًا وأكثر أثرًا وهي الطقوس وفي كتابه الجديد (حين يحين موعد الاجتماع: كيف صنعت الطقوسُ عالمنا وكيف يمكن أن تنقذ مستقبلنا) A Time to Gather: How Ritual Created the World-and How It Can Save Us يذهب الكاتب الأمريكي بروس فايلر إلى فكرة جريئة إذ يرى أن الحضارة لم تبتكر الطقوس بل إن الطقوس هي التي ابتكرت الحضارة فالإنسان لم يبنِ المدن أولًا ثم تعلم كيف يجتمع بل اجتمع أولًا حول طقس ومن الاجتماع وُلدت المدينة ففي اليابان لا تُعد مراسم الشاي مجرد عادة لتناول مشروب بل طقسًا يحتفي بالهدوء وحضور اللحظة فالجلسة تمتد عمدًا لا لأن الشاي يحتاج إلى الوقت بل لأن الإنسان يحتاج إلى أن يتوقف قليلًا وهناك يصبح البطء ليس نقيضًا للإنتاج بل طريقًا إلى الحكمة وفي روسيا يمارس ملايين الناس عادة تبدو أكثر غرابة فقبل مغادرة المنزل في رحلة طويلة يجلس جميع أفراد الأسرة دقيقة صامتين بدون أي حديث أو حركة ثم ينهض الجميع ويغادرون قد تبدو عادة بسيطة لكنها تمنح العقل فرصة أخيرة لمراجعة ما نسيه وتمنح القلب لحظة وداع هادئة قبل أن يبدأ طريقًا جديدًا أما في الهند فبين مهرجاني هولي وديوالي تختفي الحدود التي رسمها المجتمع طوال العام وتعتبر هذه المناسبات مناسبة دينية وثقافية تجسد قيم الأسرة والتكافل يتبادل الناس الحلوى والألوان ويضحكون ويلهون حتى تكاد الفوارق الطبقية والاجتماعية تذوب تحت غبار الأصباغ وفي إسبانيا وخلال مهرجان لا توماتينا يتبادل آلاف المشاركين قذف الطماطم الناضجة في احتفال لا يشبه أي مهرجان آخر في العالم حيث انطلقت هذه الفعالية من شجار عفوي فأربعينيات القرن الماضي قبل أن تتحول إلى تقليد سنوي يجذب زوارًا من مختلف الجنسيات واليوم أصبح المهرجان رمزًا للبهجة وروح المشاركة ودليلًا على كيف يمكن لفكرة بسيطة أن تتحول إلى حدث عالمي يحتفي بالحياة والمرح وقد وصف عالم الأنثروبولوجيا فيكتور تيرنر مثل هذه اللحظات بمفهوم Communitas أي تلك الحالة الإنسانية النادرة التي يشعر فيها الجميع بأنهم متساوون قبل أن يعودوا إلى أدوارهم الاجتماعية المعتادة وفي الأرجنتين ومشاركة كأس المتة التي تقول إن الوقت المشترك أثمن من الشراب نفسه يأتي الأسادو وهو حفلة الشواء الأرجنتينية الشهيرة حيث لا يُعد الأسادو مجرد حفلة شواء بل طقسًا اجتماعيًا يجمع العائلة والأصدقاء حول النار لساعات طويلة تُشوى اللحوم ببطء على الفحم أو الحطب بينما تمتزج الأحاديث والضحكات بروائح الشواء في أجواء تعكس قيم الكرم والتواصل وكأن الإنسان بعد آلاف السنين ما زال يعود إلى أول نار اجتمع حولها أسلافه وطبعا هذا الطقس نراه أيضا في المجتمع الأمريكي والعربي حيث أن حفلات الشواء طقس أصيل من الطقوس الاجتماعية التي تجمع الأصدقاء والعائلة أما في مدغشقر تحافظ بعض المجتمعات على طقس «فاماديهانا» حيث تُفتح المقابر العائلية كل عدة سنوات وتُلف رفات الأسلاف بأكفان جديدة قبل حملها وسط الموسيقى والرقص ثم إعادتها إلى مثواها وقد يبدو المشهد غريبًا للغرباء ولا ينظر ألى هذا الطقس على أنه تدنيس لحرمة الموتي بل على العكس فهو يجسد لدى المشاركين رابطةً عميقة مع الأجداد وإيمانًا بأن الذكرى لا تنتهي بوفاة الإنسان.

أما في العالم العربي فالقهوة العربية ليست مجرد شراب بل إعلان عن الكرم والثقة وموائد رمضان ليست لإشباع الجوع فقط بل لإحياء معنى المشاركة والعيد والعزاء والمجالس والمصافحة ليست تفاصيل اجتماعية بل مؤسسات غير مكتوبة حافظت على تماسك المجتمع عبر قرون. إن جوهر الطقوس هو التواصل بين أفراد المجتمع وولم يتواصل البشر في تاريخهم كما يتواصلون اليوم بفضل التكنولوجيا والسوشيال ميديا ومع ذلك لم يشعر كثير منهم بهذا القدر من الوحدة فنحن لدينا آلاف الأصدقاء على المنصات الرقمية لكن عدد الأشخاص الذين نجلس معهم حول مائدة واحدة يتناقص ولدينا ملايين الصور لكن الذكريات المشتركة أصبحت أقل ويشير بروس فايلر إلى أن المجتمعات الحديثة فقدت كثيرًا من طقوسها التقليدية ومعها فقدت شيئًا من قدرتها على الاجتماع ويتفق معه من زاوية مختلفة عالم الأنثروبولوجيا البريطاني روبن دنبار الذي يرى أن الطقوس الجماعية ساعدت المجتمعات البشرية على الحفاظ على الثقة والتماسك كلما ازداد عدد أفرادها كما يوضح أحد المؤرخين أن قدرة الإنسان على التعاون مع غرباء كثر لم تقم على القوة وحدها بل على القصص والرموز المشتركة وكانت الطقوس الوسيلة التي حولت تلك الرموز إلى واقع معاش فالطقوس ليست بقايا من الماضي بل هي لغة يتحدث بها كل عصر بطريقته فقبل خمسين ألف عام جلس الإنسان حول النار لأول مرة لم يكن يعلم أنه لا يكتشف وسيلة للتدفئة والطبخ فحسب بل يكتشف أول تقنية اجتماعية جمعت البشر حول معنى واحد واليوم نجلس حول شاشات مضيئة ولكننا بعيدين جدا عن بعضنا وغير مجتمعين. ربما تستطيع الخوارزميات أن تكتب القصائد وتشخص الأمراض وتقود السيارات، لكنها لن تستطيع أن تمنح طفلًا دفء مجلس عائلي أو تعيد صديقين إلى طاولة واحدة أو تجعل فنجان قهوة يتحول بعد ثلاثين عامًا إلى أجمل ذكرى في العمر فالإنسان لا يعيش بالخبز وحده ولا بالبيانات وحدها بل بالطقوس التي تمنح أيامه معنى وعلاقاته روحًا وحياته ذاكرة ولعل التحدي الأكبر في عصر الذكاء الاصطناعي هو أن نبتكر طقوسًا جديدة لا تعادي التقنية بل تعيد ترتيب مكانها ويمكننا أن نطلق عليها طقوس السيادة الرقمية وتقسم إلى قسمين طقوس تحدث خارج الشاشة مثل «سلة الهواتف» التي توضع فيها الأجهزة عند باب المجلس كما كانت تُخلع النعال قديمًا عند العتبة أو «مائدة الغريب» التي يُدعى إليها كل شهر جار أو زميل من خارج دائرتنا لأن الخوارميات تحبسنا مع من يشبهوننا وهذا الطقس يفتح الباب لمن لا يشبهنا أو «ساعة الملل» الأسبوعية بلا هاتف ولا مهمة فالملل كان عبر التاريخ مصنع الأفكار والخوارزميات صُممت تحديدًا لقتله وطقوس أخرى تحدث داخل الشاشة نفسها فالنار لم تكن عدوًا حين تحلّق حولها الأسلاف بل كانت الوسيط «مشاهدة متزامنة» لفيلم واحد تشغّله عائلة تفرقت بين الرياض ولندن وتورنتو في اللحظة ذاتها لأن التزامن هو جوهر الاجتماع وليس المكان فقط و»أرشيف الأسبوع» حيث يرسل كل فرد صورة واحدة من أسبوعه مع سطر يشرحها فتتحول مجموعة العائلة من ضجيج إشعارات إلى سجل يُقرأ بعد عشر سنوات كألبوم و»حذف احتفالي» آخر كل عام تُغربل فيه آلاف الصور لتبقى عشر تستحق البقاء كما كان الفلاح يغربل قمحه لنعلم أطفالنا أن الذاكرة اختيار لا تراكم بل حتى الذكاء الاصطناعي يمكن أن يُستأنس فيجتمع أهل البيت مساء الخميس حول شاشة واحدة يسألونه سؤالًا كبيرًا ثم يتحاورون حول جوابه فتلعب الآلة دور الحكواتي ويبقى المجلس بشريًا.

** **

- كاتب أمريكي

آراء الكتاب

  • الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ

    محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...

  • حراسة الرمز - سعد الدوسري

    سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...

  • الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض

    د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...

  • بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد

    يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...

  • دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي

    ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...

  • التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد

    لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...