Friday, July 03, 2026

All the News That's Fit to Print

د.شريف بن محمد الأتربي

«الخطر ليس أن تخطئ الخوارزمية... بل أن نظن أنها لا تخطئ».

تتطور التقنيات بسرعة رهيبة، لا يكاد بشر يستطيع أن يستوعب هذا التطور اللحظي، وكلما زادت سرعة التطور؛ زاد الاعتماد عليها في كافة جوانب الحياة العملية والعلمية والاجتماعية، بل إنها أصبحت تقود البشر في كثير من النواحي، ليس لقوتها فقط؛ ولكن لتراخي وضعف البشر الذي يصل إلى مرحلة الاتكالية الكاملة على الآلة. وحتى ما تطلقه بعض الجهات من أطر ونماذج لأخلاقيات التعامل مع أدوات الذكاء الاصطناعي لا يكاد يمثل حبة في قلب ريح عاتية، ففي كل مرة نطرح سؤالًا على أحد تطبيقات الذكاء الاصطناعي، نفترض ضمنًا أن الإجابة التي بين أيدينا هي الأقرب إلى الحقيقة. بل إن كثيرًا من المستخدمين باتوا يتعاملون مع مخرجات هذه التطبيقات وكأنها أحكام نهائية لا تقبل المراجعة، أو حقائق مجردة من الخطأ والانحياز. ولكن، هل يملك الذكاء الاصطناعي ميزان العدل فعلًا؟ وهل تستطيع الخوارزمية أن تزن الأفكار كما يزنها الإنسان؟ وهل إذا اختلف الناس في قضية دينية، أو فكرية، أو سياسية، أو تاريخية، أو قانونية، يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يقف على المسافة نفسها من جميع الأطراف؟

هذه الأسئلة لم تعد ترفًا فكريًا، بل أصبحت من أهم الأسئلة الأخلاقية التي يواجهها العالم في عصر الذكاء الاصطناعي.

لقد جعل الإسلام العدل أساس العمران، وأمر به حتى مع المخالف، فقال سبحانه وتعالى: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ}.

وقال عز وجل: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى}.

بل إن القرآن لم يكتف بالأمر بالعدل، وإنما تحدث عن «الميزان»، فقال سبحانه: {وَالسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ}.

والميزان هنا ليس أداة لوزن الأشياء فحسب، وإنما رمز لكل ما يحقق الإنصاف، ويمنع الطغيان، ويضمن أن تكون الأحكام قائمة على الحق لا على الهوى.

ومن هنا يبرز السؤال: هل تمتلك الخوارزميات هذا الميزان؟

الإجابة ليست سهلة.

فالذكاء الاصطناعي لا يخرج إلى الواقع ليجمع المعلومات بنفسه، ولا يشاهد الأحداث بعينيه، ولا يسمع جميع الأطراف كما يفعل القاضي قبل إصدار الحكم.

إنه يتعلم مما يكتبه البشر. ويقرأ ما ينشرونه. ويحلل البيانات التي وفرها الإنسان. ثم يعيد تركيبها في صورة إجابة.

وهنا تكمن القضية. فالذكاء الاصطناعي لا يبتكر انحيازاته من فراغ، وإنما قد يعكس –بدرجات متفاوتة– الانحيازات الموجودة في البيانات التي تعلم منها، أو في طريقة تصميمه، أو حتى في الأسئلة التي يطرحها المستخدم.

ولهذا فإن المشكلة ليست دائمًا في الخوارزمية، وإنما قد تبدأ قبلها بسنوات، عند اختيار مصادر المعرفة، أو استبعاد مصادر أخرى، أو تضخيم رأي على حساب رأي آخر.

إنه يشبه الميزان...

إذا كانت إحدى كفتيه أثقل منذ البداية، فلن تكون النتيجة عادلة مهما كانت دقة الجهاز.

ومن هنا نفهم لماذا جعل الإسلام التثبت أول الطريق إلى العدل. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا}. فالتبين ليس مجرد التحقق من صحة الخبر، بل هو منهج كامل في جمع المعلومات قبل إصدار الأحكام. وهذا ما يحتاجه مستخدم الذكاء الاصطناعي اليوم.

فالخوارزمية قد تقدم إجابة صحيحة من حيث المعلومات المتاحة لها، لكنها ليست بالضرورة الإجابة الكاملة. وقد تعرض رأيًا مشهورًا، لكنه ليس الرأي الوحيد. وقد تلخص قضية معقدة في سطور قليلة، بينما يغيب عنها سياق تاريخي أو قانوني أو ثقافي يغير فهم المسألة بالكامل. ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن يخطئ الذكاء الاصطناعي... بل أن يتوقف الإنسان عن التفكير.

لقد منح الله الإنسان عقلًا ليميز، وقلبًا ليزن، وضميرًا ليحاسب نفسه، ولم يمنحه هذه النعم ليعطلها أمام شاشة إلكترونية. ولذلك فإن الذكاء الاصطناعي لا يعفي الإنسان من مسؤوليته، بل يزيدها.

فكلما ازدادت قدرة الآلة على إنتاج المعلومات، ازدادت حاجة الإنسان إلى الحكمة في اختيارها، ونقدها، ومقارنتها، وفهم سياقها.

إن الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يجمع ملايين الوثائق في ثوانٍ، لكنه لا يستطيع أن يتحمل مسؤولية الظلم إذا بُني قرار خاطئ على تلك الوثائق.

ويستطيع أن يقارن آلاف الآراء، لكنه لا يملك ضميرًا يفرق بين الإنصاف والهوى. ويستطيع أن يقترح حلولًا، لكنه لا يتحمل تبعاتها أمام الله أو أمام التاريخ.

فالعدل ليس عملية حسابية. وليس معادلة رياضية. وليس متوسطًا إحصائيًا بين الآراء. العدل قيمة أخلاقية قبل أن يكون نتيجة رقمية. ولهذا فإن ميزان العدل الحقيقي لا يوجد داخل الخوارزمية، وإنما داخل الإنسان الذي يصممها، ويغذيها بالبيانات، ويستخدم نتائجها، ويتحمل مسؤولية قراراته.

ومن هنا، فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه في عصر الذكاء الاصطناعي ليس: هل الذكاء الاصطناعي عادل؟ بل: هل نحن عادلون في البيانات التي نقدمها له، وفي الطريقة التي نبني بها خوارزمياته، وفي القرارات التي نتخذها اعتمادًا على مخرجاته؟

إن المستقبل لن يكون سباقًا بين البشر والآلات، بل سيكون سباقًا بين من يمتلك المعرفة، ومن يمتلك المعرفة والأخلاق معًا.

فالذكاء قد يصنع قوة. أما العدل... فهو وحده الذي يصنع الحضارة. ولذلك فإن البشرية لا تحتاج إلى ذكاء اصطناعي أكثر تطورًا بقدر حاجتها إلى إنسان أكثر عدلًا.

ويبقى قول الله تعالى هو الميزان الذي لا يختل: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ}.

فإذا كان العدل أمرًا إلهيًا موجَّهًا إلى الإنسان، فإن مسؤولية تحقيقه في عصر الذكاء الاصطناعي ستظل مسؤولية الإنسان أيضًا، لأن الخوارزمية لا تعرف العدل، وإنما تنفذ ما نتعلمها إياه، وما نغذيها به، وما نختاره نحن من قيم.

فالآلة قد تكون ذكية... لكنها لن تكون عادلة إلا بقدر ما يكون الإنسان الذي يقف خلفها عادلًا.

آراء الكتاب

  • الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ

    محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...

  • حراسة الرمز - سعد الدوسري

    سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...

  • الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض

    د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...

  • بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد

    يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...

  • دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي

    ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...

  • التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد

    لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...