لم يخطط أحد للحربين السابقتين - د.عبدالله بن موسى الطاير
د.عبدالله بن موسى الطاير
أكثر الحقائق إثارة للذعر أن أحدا لم يخطط أو يقرر إشعال حرب عالمية أولى أو ثانية، ولم تكن أي حكومة أوروبية في منتصف عام 1914م تريد حربا تشمل القارة كلها. فقد أرادت النمسا معاقبة صربيا في نزاع محدود، وأرادت القوى الأوروبية الأخرى إظهار الحزم وتحقيق مكاسب جيوسياسية سريعة قبل نهاية ذلك الصيف. لقد ظن الفاعلون الذين أمروا بتعبئة الجيوش أنهم يديرون الأزمة، بينما كانوا يطلقون المارد من عقاله.
الحرب العالمية الثانية تهادت بصورة أبطأ، لكنها وصلت إلى النهاية ذاتها، بألم أكبر ودمار أوسع، فقد أراد هتلر الهيمنة على أوروبا الشرقية، وأرد رئيس وزراء المملكة المتحدة إذ ذاك نيفيل تشامبرلين السلام، واعتقد أن كل تنازل يقدمه يشتري به المزيد منه ، أما ستالين فأراد كسب الوقت، وسعى موسوليني إلى تحقيق مجد بثمن بخس. لم يكن أي منهم يخطط للحرب العالمية الثانية، فكل منهم كان يطارد هدفا محددا بدا له منطقيا ومقبولا، لكن مجموع تلك الأهداف أنتج الحرب العالمية الأولى.
لا أريد القفز إلى مقارنات وخلاصات غير مريحة، لكن الانزلاق إلى حروب عالمية لا يحدث بقرار سياسي أو عسكري واضح، بل تصل الدول إلى مصير مشؤوم بخطوة تجر وراءها أخرى. ذلك أن تفاعل أطراف متعددة، يعتقد كل منها أنه يسيطر على قراراه وخطواته، بمعزل عن سلوك الآخرين، ينشأ عنه واقع جديد لم يكن مستهدفا.
ومرة أخرى لا أريد التساؤل عما إذا كان أحد من الفاعلين المعاصرين يخطط لحرب عالمية ثالثة، وإنما عما إذا كانت الظروف التي تحوّل النزعات المسلحة المعزولة جغرافيا إلى كارثة عالمية تتجمع من جديد، وما إذا كان العالم للمرة الثالثة يسير إلى نتيجة لم يقصدها أحد؟ أنا وغيري من المراقبين معنيون بالآليات المحركة للأزمات، وليس بنيات أصحابها.
في عام 1914م، ثم في ثلاثينيات القرن العشرين، رفضت دول صاعدة أو ناقمة ترتيبات دولية لم تعترف بمصالحها، واليوم تحاول روسيا تغيير النظام الذي نشأ بعد عام 1991م، وتبني الصين قدراتها العسكرية بما يمكنها من فرض تسوية جديدة في تايوان، فيما تختبر إيران وكوريا الشمالية حدود القوة والردع في محيطيهما، وتطلق إسرائيل لعدوانها العنان في قضم أراضي الفلسطينيين والجيران، وكما حدث في الأزمان السابقة، يكثر الحديث عن السلام بالتزامن مع الاستعداد للحرب.
ومن جانب آخر، تتقارب القوى الناقمة على النظام الدولي، وتزداد الدول المارقة همجية، وتشرعن في اتفاقيات دولية طموحات اللاعبين خارج إطار الدولة. روسيا والصين تجري مناورات بحرية مشتركة، ويقال إن إيران وكوريا الشمالية تمد الجبهة الروسية بالطائرات المسيّرة والذخائر، كما يجتمع حلف الناتو خلف أوكرانيا.
إنه تقارب مصالح بين دول لا يجمعها الكثير سوى الاعتراض على النظام الدولي القائم، وهذا لا يبعث الطمأنينة بحد ذاته، فالمحاور التي تشكلت قبل الحربين العالميتين لم تكن بين أطراف متجانسة، بل زواج مصلحة بين شركاء لا يثقون في بعضهم البعض، فالتحالفات لا تحتاج إلى المودة كي تصبح خطرة، وإنما يكفيها أن تجتمع على عدو مشترك.
نتج خطر عام 1914م عن أزمات متداخلة جعلت شرارة في البلقان تستدعي قوى لديها التزامات وتحالفات. والخطر الحقيقي اليوم لا يكمن في أن يستيقظ زعيم ما ويقرر بدء حرب عالمية ثالثة، بل في أن تتزامن أزمات إقليمية عدة، في روسيا وأوكرانيا وتايوان والشرق الأوسط والكوريتين، في اللحظة التي يفتقر فيها النظام العالمي إلى الموارد والقدرة السياسية اللازمة لاحتواء أي من تلك النزاعات ومنع اتصالها. فالمؤسسات التي أنشئت بعد الحرب العالمية الثانية، ممثلة في الأمم المتحدة ومجلس الأمن، بهدف منع تكرار ما حدث، تفقد فاعليتها، كما فقدت عصبة الأمم قدرتها من قبل.
لا أستطيع تجنب طرح سؤال يدور في ذهني عما إذا كان عالمنا الجميل رغم ما فيه من مشاكل يتجه إلى حرب كبرى جديدة؟ الآليات اللازمة لذلك موجودة، وتتمثل في قوى تريد تعديل النظام الدولي، وتحالفات انتهازية تتشكل وتتعاون، وبؤر صراع تتكاثر، وفي المقابل تتراجع وسائل الردع والاحتواء. ربما لا يجعل وجود هذه الآليات من الكارثة قدرا محتوما، فهناك فارق أساس يميز زمننا عن عامي 1914م و1938م، فنحن نملك اليوم ذاكرة التجربتين المرعبة، ونملك أسلحة دمار شامل يمكن أن تبيد البشرية، وهذا وحده قوة رادعة لكنها ذات حدين.
استقراء التاريخ يؤكد أن الأهداف المحدودة والمنعزلة قد تقود إلى حروب لا حدود لها، وأن الانزلاق نحو حرب عالمية يبدأ بألف سبب صغير، وهذه المعرفة هي ميزة حقيقية نملكها اليوم. لم تكن مأساة الذين ساروا نائمين نحو الحرب أنهم اختاروا الهاوية، بل أنهم لم يصدقوا، يوما، أنهم كانوا يتجهون إليها. أما نحن فلا نملك هذا العذر. فهل تجعلنا معرفة الماضي أكثر حكمة، أم تجعلنا أكثر إحاطة بما حدث بينما نكرر الخطوات نفسها؟
آراء الكتاب
-
الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ
- 809
- 2016-02-09 17:29:26
محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...
-
حراسة الرمز - سعد الدوسري
- 918
- 2016-02-09 17:29:27
سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...
-
الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض
- 796
- 2016-02-09 17:29:30
د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...
-
بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد
- 776
- 2016-02-09 17:29:32
يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...
-
دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي
- 781
- 2016-02-09 17:29:35
ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...
-
التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد
- 988
- 2016-02-09 17:32:18
لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...