الأربعاء, تشرين1/أكتوير 28, 2026

All the News That's Fit to Print

د. شاهر النهاري

أجيالٌ يجد فيها كبارُ السعوديين أنفسهم يروون لأحفادهم حكاية ولادةٍ بسيطةٍ وعميقةٍ في آنٍ واحد؛ ولادةٌ تمت في بيتٍ صغير، أو خيمةٍ، أو قريةٍ بعيدة، في زمنٍ كان الوطن فيه يكتب بدايات قصته الكبرى، بينما يختصر التاريخ تلك الولادات في رقمٍ واحد: 1/7. الذي يدهش الأعين الصغيرة، ويجعلها حائرة، وربما شغوفة بأن تعيش تلك المفارقات!

قبل أن تتطور الخدمات الصحية، وقبل أن تُلزم الأحوال المدنية الناس بالحصول على شهادة ميلاد تحمل رقم هوية في وقت مبكر، كانت ولادة الإنسان السعودي تبدأ في مكانٍ متواضع؛ غرفةٍ صغيرة، أو خيمةٍ تشدها الرياح، أو قريةٍ لا تعرف الساعة ولا الدفتر ولا الطبيب.

كانت الأم تعرف متى جاء طفلها، والأب يعرف السنة وربما الفصل، والجدة تدلل على القصة من خلال مناسبةٍ أو ضيفٍ أو حادثةٍ عابرة، فكأن الذاكرة تمثل السجل الأول للوطن، تحفظه بصدقٍ قد يقفز على الأرقام.

لكن الدولة العظيمة، وهي تنهض وتبني، أصبحت تحتاج إلى ما هو أبعد من خيوط الذاكرة: كانت تحتاج إلى يومٍ وشهرٍ وساعةٍ ودقيقة.

وعلى مراحل متعاقبة بدأت محاولات حصر النفوس منذ 1343هـ، حيث عمل بنظام التابعية عام 1345هـ، وتطور الأمر مع دائرة النفوس عام 1358هـ، وصولًا إلى نظام الجنسية عام 1374هـ بأبواب تتفتح، وحلول تحاول تخطي صعوبات السجل القديم، وصنع القادم. ثم تشكلت المديرية العامة للجوازات والجنسية عام 1380هـ، قبل أن تفصل أعمال الأحوال المدنية عنها عام 1402هـ.

هذه الأنظمة لم تكن أوراقًا فقط، بل كانت خطواتٍ تنظيمية في بناء دولةٍ تعرف أن المستقبل يحتاج إلى دقةٍ لا تترك شيئًا للصدفة.

وهنا ظهرت المشكلة: بأن كثيرا من الناس لا يعرفون يوم ميلادهم ولا شهره.

«في سنة كذا».

«أي شهر؟»

«لا أدري».

«أي يوم؟»

«لا أدري».

كانت الذاكرة تعرف، لكنها لا تعرف بالطريقة التي تحتاجها الدولة، والذاكرة تحفظ الدفء، لكنها قد تقف عاجزة أمام الأرقام.

لهذا جاء الحل الأمثل حينها: منتصف السنة الهجرية، الأول من رجب، تاريخٌ توافقيٌّ افتراضيٌّ لكل من لا يعرف يومه الحقيقي.

وتؤكد الأحوال المدنية أن الأمر لم يكن خطأ موظف، بل حلًا توثيقيًا عمليًا يرتبط بالتقدم للوظائف واستحقاق الخدمات، وبلوغ مرحلة التقاعد، وكل ما يحتاج إلى تحديد العمر بدقة.

وهكذا نشأت المفارقة الجميلة:

أجيال كاملة غدت تشترك في يوم الميلاد نفسه، وإن اختلفت سنواتها.

موظف وُلد في الشتاء، لكنه في سجله من مواليد بداية رجب.

وآخر جاء في آخر العام، بينما تقول أوراقه إنه ولد في بداية منتصفه، وكأن الزمن كان يبتسم لهم، فيجمعهم في يومٍ احتفال واحد رغم اختلاف حكاياتهم.

وقد دخل التسنين الطبي ليحل جزءًا من المشكلة حين فقد سنة الميلاد بالقياسات الطبية، لكنه لم يكن دقيقًا، ولم يكن قادرًا على تحديد الشهر واليوم بدقة.

حل حاول تمرير مشكلة ولادة 1-7، لكنها ظلت تمتد حتى يوم التقاعد، إذ يتقاعد كثيرون في اليوم نفسه الذي وُلدوا فيه على الورق.

لكن السعودية لم تبقَ هناك.

تقدمت، وقننت، وطورت أجهزتها إلكترونيًا، وربطت المدن والقرى، والمستشفيات والمستوصفات بالأحوال المدنية.

ومن ذلك الحراك، صدر نظام الأحوال المدنية عام 1407هـ، وأُلغي ما قبله، وتوقف إصدار حفيظة النفوس عام 1408هـ، وبدأ العمل بدفتر العائلة، فاتحًا الباب للوطن السعودي بالانتقالٍ الكبير نحو دولةٍ رقميةٍ حريصة، تعرف أن المستقبل لا يُدار بالورق وحده.

لقد أصبح المستشفى هو المكان الطبيعي للولادة، وشهادة الميلاد وثيقة أساسية تحفظ كل حقوق الفرد، بتكامل الهوية الوطنية والسجلات الإلكترونية.

لم تعد الولادة قصةً تحفظها الأم فقط، بل أصبحت واقعةً رقميةً دقيقةً تسجلها الدولة: يومًا وشهرًا وسنةً وساعةً ودقيقة، لتنقل الولادة من دفء الذاكرة إلى دقة الشاشة وحرزها.

ومن حينها توقف تدوين «الواحد سبعة»، ليصبح طرفةً جميلةً من عبق الماضي.

إنها حكاية أمةٍ سعوديةٍ ترقت وأتقنت، دون أن تقطع خيطها مع ماضيها.

انتقلت من الخيمة إلى المستشفى، ومن الذاكرة إلى الوثيقة، ومن الورقة المختومة إلى السجل الإلكتروني، ومن معرفة السنة إلى معرفة الدقيقة، وهذا هو معنى أن تتطور أمة دون أن تخجل من ماضيها، أو تفقد ملامحها الأولى.

ورغم أن أجيال الواحد سبعة ما زالوا بيننا بكثرة، إلا إن هذا التاريخ سيصبح خلال العقود القادمة أثرًا تاريخيًا يزار في الذاكرة، ويعيش في المتاحف والمكتبات والبحوث.

وسيحكيه الآباء لأبنائهم بفخر، لا باعتباره نقصًا، بل باعتباره شاهدًا على مرحلة رحلةٍ عظيمةٍ من البساطة إلى الدقة.

سيستغرب أبناء المستقبل أن إنسانًا عاش ثمانين عامًا لا يعرف يوم ميلاده.

وسيقال لهم: كان ذلك في زمنٍ هجريٍّ مختلف، قبل السفر والانفتاح، وقبل أن تتشابك حياة الناس ومصالحهم مع شعوب العالم.

كان «الواحد سبعة» حلًا لمشكلةٍ في السجلات، ثم تحول إلى ذاكرةً لجيل الطيبين، فكان على مرحلةٍ أسست الكثير، وأنتجت خيرًا عميمًا زاد الوطن رفعةً وتميزًا، ثم أصبح صفحةً تُقرأ في تاريخ الأحوال المدنية السعودية، صفحة تقول إن الأمم العظيمة لا تقفز، بل تصعد درجةً درجة.

ونصيحة لأبناء جيل اليوم: صدقوني، أجيال 1-7 ليسوا قادمين من الفضاء، ولا مثيرين لغبار الماضي، بل هم جمالية زمنٍ عظيمٍ أرسى قواعد الحاضر والمستقبل، جذع عظيم تحمل وحمل براعمكم وورودكم،

وقد سلّموكم شعلة حب الوطن... فاحفظوها وحافظوا عليها.

وتذكروا بأن في الشعلة بريق نورهم، وفي نورهم بداياتكم وعزكم.

آراء الكتاب

  • الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ

    محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...

  • حراسة الرمز - سعد الدوسري

    سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...

  • الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض

    د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...

  • بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد

    يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...

  • دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي

    ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...

  • التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد

    لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...