الثلاثاء, تشرين1/أكتوير 06, 2026

All the News That's Fit to Print

جانبي فروقة

في عام 1930م ووسط الكساد الكبير كتب جون ماينارد كينز أشهر اقتصاديي القرن العشرين نبوءة جريئة مفادها «أنه بعد مئة عام سيعمل أحفادنا خمس عشرة ساعة في الأسبوع فقط وستكون أكبر مشكلاتهم كيف يملؤون فراغهم» ونحن الآن على بُعد أربع سنوات من الموعد الذي حدده نجد أن الإنتاجية تضاعفت كما توقّع وأكثر.

ومع ذلك انظر إلى أسبوعك؛ هناك بريد يبدأ قبل الفطور واجتماعات تمتد إلى المساء، وإجازة نهاية أسبوع لا تخلو من رسائل عاجلة وكينز لم يخطئ في الحساب بل أخطأ في فهمنا نحن واليوم يصلنا وعده نفسه في صورة جديدة اسمها الذكاء الاصطناعي (أو السوبر كما اطلق عليه الرئيس ترامب مؤخراً).

تخيّل صباحك فيه فنجان القهوة لم يبرد بعد لكن مساعدك الذكي سبقك إلى بريدك فقرأ أربعين رسالة واختار منها خمساً تستحق انتباهك وقارن أسعار تذكرة السفر التي أجّلت حجزها وجهّز لك ثلاث نقاط لاجتماع العاشرة وهو لم يضع في حسابك دولارا واحداً لكنه أعاد إليك الشيء الوحيد الذي لا يُشترى مرتين وهو الوقت.

تعلّمنا طويلاً أن نقيس الثراء بالدخل والمدخرات وأسعار الأسهم والعقارات فماذا لو صار الإنسان يشعر بأنه أغنى لا لأنه يملك مالاً أكثر بل لأنه يملك ساعات أكثر لنفسه؟ والسؤال الذي يتبادر إلى الأذهان الآن لماذا أخطأ كينز؟ والجواب ببساطة لأننا لم نشترِ بالإنتاجية وقتاً، بل اشترينا بها أشياء أخرى بيوتاً أكبر وهواتف أحدث وطموحات لا تنتهي.

والمفارقة تتكرر مع كل اختراع تقريباً وقد أشارت إلى ذلك المؤرخة الأميركية روث شوارتز كوان في كتابها «مزيد من العمل للأم» أن الغسالة والمكنسة الكهربائية لم تقلّصا وقت العمل المنزلي بالقدر الذي وعدتا به، لأن معايير النظافة نفسها ارتفعت. صرنا نغسل أكثر لأن الغسل صار أسهل.

تحدثنا الأرقام اليوم بلغة أكثر صراحة فكل الأدوات السابقة اختصرت وقت التنفيذ أما الذكاء الاصطناعي فبدأ يختصر وقت التفكير الروتيني نفسه في البحث والمقارنة والقراءة والتلخيص.

في أغسطس الماضي نشر مكتب الإحصاء الأميركي نتائج مسح أُجري في مارس 2026 تبيّن فيه أن نحو 55 % من العاملين الأميركيين استخدموا الذكاء الاصطناعي في عملهم وأن قرابة ثلث هؤلاء قالوا إنه اختصر عليهم ساعة أو ساعتين خلال أسبوع واحد لكن المسح نفسه يحمل تفصيلة صغيرة لافتة وهي أن 10 % قالوا إنه لم يوفّر لهم شيئاً و3 % قالوا إنه أضاف إلى وقت عملهم وتقدّر أبحاث بنك الاحتياطي الفيدرالي في سانت لويس أن مستخدمي الذكاء الاصطناعي التوليدي وفّروا في المتوسط 5.4 % من ساعات عملهم أي نحو ساعتين وربع في أسبوع من أربعين ساعة أما الدليل الأقوى فجاء من تجربة ميدانية عشوائية أجرتها مايكروسوفت مع 66 شركة كبرى وأكثر من سبعة آلاف موظف حيث إن الذين استخدموا المساعد الذكي بانتظام قضوا 3.6 ساعات أقل أسبوعياً في البريد الإلكتروني أي أقل بنحو الثلث كما تقلّص عملهم على البريد خارج الدوام والأجمل أنهم صاروا يجمعون رسائلهم في كتل زمنية فانفتحت أمامهم ساعات تركيز متصل لم تكن موجودة من قبل وهذه التفصيلة تحديداً تستحق التوقف لأنها تعني أن الساعة الموفَّرة لم تذهب كلها إلى الشركة بل عاد بعضها إلى البيت وكل هذا ما زال في مرحلة «المساعد» الذي يجيب حين تسأله أما المرحلة التي بدأت تتشكل هذا العام فهي مرحلة «الوكيل» «Agentic AI» وهو نظام لا ينتظر سؤالك بل يتسلّم المهمة كاملة فيبحث ويقارن ويحجز ويتابع الرسائل ثم يعود إليك بالنتيجة والفرق بينهما يشبه الفرق بين خريطة تدلّك على الطريق وسائق يوصلك إلى الباب وكلما اتسعت المهام التي نستطيع تفويضها كبر حجم الوقت الذي يعود إلينا، وكبر معه السؤال عمّن سيأخذه. لكن علينا أن نكون صادقين ففي عام 1955 صاغ المؤرخ البريطاني سيريل نورثكوت باركنسون قانونه الشهير: العمل يتمدد ليملأ الوقت المتاح لإنجازه ويصف تقرير «مؤشر اتجاهات العمل» الصادر عن مايكروسوفت ما يسميه «يوم العمل اللانهائي» حيث إن الموظف يُقاطَع كل دقيقتين في المتوسط أي 275 مرة يومياً بين اجتماع ورسالة وإشعار ويستقبل أكثر من مئة بريد إلكتروني في اليوم ويلخص التقرير المشهد بعبارة موجعة وهي أن يوم العمل الحديث لم تعد له بداية واضحة ولا نهاية وفي استطلاع أجراه معهد أبحاث «أب وورك» عام 2024 قال 77 % من الموظفين إن أدوات الذكاء الاصطناعي زادت أعباءهم بدل أن تخففها بين وقت إضافي لمراجعة ما تنتجه الآلة ومطالبات بإنجاز المزيد لن الإدارة افترضت أن الآلة وفّرت الوقت وكانت خلاصة المعهد أن إدخال تقنية جديدة في نماذج عمل قديمة لا يحقق القيمة المنتظرة منها وحتى الأرقام المتفائلة تخفي فاتورة جانبية ففي استطلاع لجمعية إدارة الموارد البشرية الأميركية (SHRM) هذا العام قال مستخدمو الذكاء الاصطناعي إنهم يوفّرون نحو ست ساعات أسبوعياً لكنهم يقضون قرابة أربع ساعات في تصحيح ما تنتجه الآلة ومراجعته أي أن الصافي ساعتان فقط لا ست.

وهنا يمكننا أن نقترح طريقة بسيطة لفهم ما يحدث باعتبار وجود ثلاثة مصائر للساعة المحرَّرة أولها: الساعة المبتلَعة وهي تختفي في اجتماع إضافي أو توقعات أعلى أو تمرير لا ينتهي على شاشة الهاتف وهي ساعة وُفّرت على الورق ولم تصل إليك أبداً وحتى ألكسندر بيك الاقتصادي في فدرالي سانت لويس يرجّح أن قدرة الموظفين على استخدام الوقت الموفَّر لالتقاط أنفاسهم ستكون مؤقتة والثانية هي الساعة المستثمَرة حيث تذهب إلى عمل أعمق وأذكى فالمحاسب الذي توقف عن إدخال البيانات وبدأ يحلل أسباب تراجع الأداء والطالب الذي ترك للآلة ترتيب المراجع استطاع أن يتفرّغ للقراءة الحقيقية والثالثة الساعة المعاشة حيث تعود إلى الحياة نفسها فهناك أبٌ يغلق حاسوبه قبل ساعة من المعتاد ليلحق بعشاء أطفاله وصاحب مشروع صغير لم يعد أسير الفواتير حتى منتصف الليل. إن قيمة الذكاء الاصطناعي الحقيقية ستتحدد بالنسبة بين هذه الساعات الثلاث لا بعدد الساعات الموفَّرة وحده.

على مدى عقدين بُني جزء ضخم من الاقتصاد الرقمي على فكرة واحدة وهي احتجاز وقتك فكل دقيقة إضافية أمام الشاشة تعني إعلاناً جديداً وبيانات أكثر وفرصة شراء أكبر وقد سمّينا ذلك «اقتصاد الانتباه» لكننا ربما ندخل مرحلة معاكسة قد تنجح فيها الشركة التي تقول لك: لن آخذ وقتك، بل سأعيده إليك وقد يتغير سؤال المستهلك نفسه من «كم سعر الاشتراك؟» إلى «كم ساعة سيعيدها إليّ هذا الاشتراك كل شهر؟» وهنا يولد مفهوم أتوقع أن نسمعه كثيراً وهو «العائد على الوقت» وهو شقيق العائد على الاستثمار الذي لم نتعلّم بعد كيف نحسبه. كل ما تفعله الآلة نيابة عنك يُحسب بوحدة صغيرة اسمها «التوكن» وهي أجزاء الكلمات التي يقرأها النموذج ويكتبها وعلى أساسها تدفع الشركات فاتورة الذكاء السوبر وهنا تولد معادلة لم تعرفها البشرية من قبل بين آلة تحرق التوكنات لتعيد إليك الساعات وسعر التوكن يهبط عاماً بعد عام أما ساعتك فلا يهبط سعرها أبداً وربما يصبح السؤال الاقتصادي الأهم في السنوات المقبلة: كم توكناً تساوي ساعة من حياتك؟

في دراسة نشرتها دورية PNAS العلمية شملت أكثر من ستة آلاف شخص في الولايات المتحدة وكندا والدنمارك وهولندا وجدت الباحثة آشلي ويلانز من جامعة هارفارد وزملاؤها أن من ينفقون المال لشراء الوقت يشعرون برضا أعلى عن حياتهم وفي تجربة ميدانية منح الباحثون مشاركين أربعين دولاراً لإنفاقها مرة على شيء يوفر الوقت ومرة على شيء مادي فكانوا أسعد في الحالة الأولى وتلخص زميلتها إليزابيث دن الفكرة بأن علينا أحياناً أن ندفع لنشتري خروجنا من التجارب المزعجة وهذا بالضبط ما يعد به الذكاء الاصطناعي وهو أن يشتري لنا خروجاً من الأعمال التي لا نحبها بثمن أرخص من أي وقت مضى ومع ذلك تظل مقاييسنا الاقتصادية عمياء عن هذا كله فساعة مع عائلتك لا تظهر في الناتج المحلي الإجمالي ونوم كافٍ لا يدخل أي ميزانية لكن كليهما ينعكس على صحتك وتركيزك وإنتاجيتك في اليوم التالي.

قد لا تكون المعركة الحقيقية المقبلة بين الإنسان والآلة بل بين نوعين من التكنولوجيا: نوع يقول لك «ابقَ أكثر» وآخر يقول «انتهيت، يمكنك أن تذهب» والخطر أن نقع في مفارقة كينز من جديد فنملك أدوات توفّر الوقت أكثر من أي جيل سبقنا ثم نشعر رغم ذلك بأننا لا نملك وقتاً ولهذا لن تكون حماية الوقت مسؤولية التقنية وحدها بل قرار شركات تقيس موظفيها بالنتائج لا بساعات الحضور وقرار أفراد يعرفون أن قول «لا» لاجتماع غير ضروري هو أيضاً شكل من أشكال الإنتاجية. المال نخسره ثم نكسبه من جديد والوظيفة نفقدها ونجد غيرها، والمشروع يفشل فنبدأ آخر لكن الساعة التي مرت هذا الصباح لا يستطيع أحد أن يعيدها، لذلك ربما لا يكون السؤال الأهم: ماذا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يفعل؟ بل: ماذا سنفعل نحن بالوقت الذي سيعيده إلينا؟

فإذا أعاد الذكاء السوبر لكل واحد منا ساعتين أو أكثر كل يوم، هل سنحوّلهما إلى ساعتين إضافيتين من العمل؟ أم إلى ساعتين إضافيتين من الحياة؟

** **

Email: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

آراء الكتاب

  • الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ

    محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...

  • حراسة الرمز - سعد الدوسري

    سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...

  • الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض

    د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...

  • بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد

    يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...

  • دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي

    ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...

  • التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد

    لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...