الطالب الخبير.. لماذا لا يكون للطلبة رتب كما للمعلمين؟ - د.شريف بن محمد الأتربي
د.شريف بن محمد الأتربي
أقرّ نظام التعليم في السنوات الأخيرة مسارًا واضحًا للرتب الوظيفية للمعلمين، يبدأ بمعلم ممارس ويمتد إلى الرتب الأعلى، مرورًا برتبة «معلم خبير». والفكرة الأهم في هذا المسار ليست الاسم الذي يحمله المعلم، وإنما وجود طريق مهني واضح يستطيع من خلاله أن يرى تطوره، ويعرف ما الذي يحتاج إليه للانتقال إلى مستوى أعلى، ويجد في التقدم المهني اعترافًا بجهده وخبرته.
وهنا يبرز سؤال يستحق التفكير: إذا كان للمعلم مسار مهني واضح للنمو والتطور، فلماذا لا يكون للطالب أيضًا مسار واضح يرى من خلاله نموه وتميزه؟
لا أقصد أن ننسخ نظام رتب المعلمين ونضعه على الطلبة، ولا أن نحول المدرسة إلى سباق جديد بينهم. الفكرة أوسع من ذلك: أن ننتقل من النظر إلى الطالب باعتباره حاصلًا على درجة في اختبار، إلى النظر إليه باعتباره إنسانًا يمر برحلة تعلم ونمو يمكن رصدها والاعتراف بها وتحفيزها.
الدافعية لا تُبنى بالدرجات وحدها
جرّبت المدرسة على مدى عقود أدوات متعددة لتحفيز الطالب، وظلت الدرجة واحدة من أكثر الأدوات حضورًا. ولا شك أن الدرجات مهمة، فهي تخبرنا عن مستوى معين من التحصيل، وتساعد في متابعة تقدم الطالب واتخاذ القرارات التعليمية المناسبة. لكنها، في الوقت نفسه، لا تستطيع وحدها أن تحكي قصة التعلم كاملة.
فالاختبار يقيس أداء الطالب في لحظة محددة، بينما التعلم الحقيقي يتشكل عبر الزمن. وقد يحصل طالبان على الدرجة نفسها، بينما يختلفان في المثابرة، والبحث، والقدرة على حل المشكلات، والتعاون، والمبادرة، والإبداع، ومساعدة الآخرين.
وقد يكون هناك طالب آخر غير متصدر في الاختبارات، لكنه يمتلك قدرة استثنائية في البحث، أو التقنية، أو القيادة، أو العمل الجماعي. فهل يعني ذلك أنه أقل تميزًا؟ أم أن المشكلة تكمن أحيانًا في ضيق الأدوات التي نستخدمها للتعرف إلى التميز؟
هنا يمكن أن تؤدي «الرتبة» وظيفة مختلفة عن الدرجة.
فالدرجة تجيب عن سؤال: ماذا حقق الطالب في التقييم؟ أما الرتبة فتجيب عن سؤال آخر: أين وصل الطالب في رحلة نموه؟
والفرق بين السؤالين كبير.
كيف يمكن أن يبدو المسار؟
يمكن تصور مسار طلابي مستوحى من فلسفة رتب المعلمين، لا من تفاصيلها. يبدأ الطالب مثلًا بمرحلة «مجتهد»، ثم ينتقل إلى «متميز»، ثم «خبير»، مع إمكانية تطوير المستويات والمسميات وفق المرحلة التعليمية وطبيعة النظام.
لكن أسماء الرتب ليست هي القضية الأساسية.
القضية هي أن يعرف الطالب ما الذي ينبغي أن يفعله كي ينتقل من مستوى إلى آخر.
لذلك لا ينبغي أن تُبنى الرتبة على معدل الدرجات وحده، بل على مجموعة من المؤشرات المتوازنة، مثل:
* الأداء الأكاديمي واستمرارية التعلم.
* البحث والاستقصاء والعرض وحل المشكلات.
* المهارات العملية والرقمية.
* السلوك والمسؤولية والانضباط.
* المشاركة في الأنشطة والمبادرات.
* التعاون ومساعدة الزملاء.
* الإبداع والابتكار.
* القدرة على تحمل المسؤولية والقيادة.
بهذا الشكل، يجد كل طالب بابًا يدخل منه إلى التميز.
فالطالب الذي لا يكون الأول في الاختبار قد يكون متميزًا في البحث، أو الابتكار، أو القيادة، أو العمل الجماعي. والطالب الذي يتفوق أكاديميًا يمكن أن يكتشف أن التميز الحقيقي لا يتوقف عند درجاته، وإنما يتطلب منه أن يوظف ما تعلمه ويترك أثرًا في محيطه.
وهنا تصبح المنافسة أوسع من سباق الدرجات التقليدي.
الرتبة ليست ترتيبًا بين الطلبة
هذه هي النقطة الأكثر حساسية في الفكرة.
إذا تحولت الرتب إلى وسيلة لترتيب الطلاب من الأول إلى الأخير، فسوف نعيد إنتاج المشكلة نفسها التي نحاول معالجتها. أما إذا كانت الرتبة تعبر عن مستوى نمو الطالب وفق معايير معلنة، فإنها تصبح أداة مختلفة تمامًا.
الرتبة لا تقول للطالب:
«أنت أفضل من زميلك».
بل تقول له:
«هذا هو المستوى الذي وصلت إليه، وهذه هي الخطوة التالية التي تستطيع الوصول إليها».
وبذلك يصبح التنافس تنافسًا مع الذات، بقدر ما هو تنافس إيجابي مع الآخرين.
كما يجب ألا تكون الرتبة حكمًا نهائيًا على الطالب. فالطالب الذي لم يصل اليوم إلى مستوى «متميز» يجب أن يعرف أن الطريق أمامه مفتوح، وأن بإمكانه التقدم متى تحسن أداؤه وطوّر مهاراته.
فالرتبة الناجحة هي التي تفتح بابًا جديدًا، لا التي تغلق بابًا في وجه الطالب.
من الرتبة إلى المسؤولية
هنا يمكن أن تصبح الفكرة أكثر أهمية.
فالطالب الذي يصل إلى مستوى متقدم لا ينبغي أن يحصل فقط على شهادة أو شارة، وإنما يمكن أن ترتبط رتبته بمسؤوليات وأدوار حقيقية تتناسب مع مستوى نضجه.
قد يقود فريقًا، أو يساعد زميلًا، أو يشارك في مجلس طلابي، أو يقود مبادرة، أو يمثل المدرسة في نشاط أو مسابقة، أو يعمل «قائد أقران» يساعد الطلاب الأصغر منه.
وهنا يجب التمييز بين الرتبة والدور.
فالرتبة تعكس مستوى التطور والإنجاز، أما الدور فهو مسؤولية تمنح للطالب بناءً على استعداده وقدرته.
وهذا التفريق مهم؛ لأن الهدف ليس صناعة طبقة من «الطلاب الأفضل»، وإنما بناء طلاب أكثر قدرة على تحمل المسؤولية.
وبذلك تصبح المدرسة مكانًا يتعلم فيه الطالب القيادة عمليًا، لا من خلال درس نظري عن القيادة، وإنما من خلال ممارستها.
نماذج عالمية.. الفكرة لها سوابق متعددة
ليست فكرة الاعتراف بمستويات الطالب وأدواره القيادية جديدة تمامًا، وإن كانت الصيغة المقترحة هنا تختلف عن النماذج القائمة.
في عدد من المدارس البريطانية ومدارس الكومنولث، توجد أنظمة «البيوت المدرسية» (House System)، حيث ينتمي الطلاب إلى بيوت تتنافس في مجالات مختلفة، كما توجد أدوار قيادية مثل الـPrefect ورئيس المدرسة أو قائد البيت. وتوضح نماذج مدرسية معاصرة أن هذه الأدوار قد تشمل إدارة مجالس الطلاب، وتنظيم المبادرات، وتمثيل المدرسة، والعمل مع الطلاب الأصغر سنًا.
هذه التجارب لا تمثل «رتبًا طلابية» بالمعنى المقترح هنا، لكنها تقدم فكرة مهمة: يمكن للمدرسة أن تمنح الطالب مسارًا متدرجًا من المشاركة إلى المسؤولية والقيادة.
وفي الحركة الكشفية، يظهر نموذج آخر أكثر قربًا من فكرة التدرج؛ إذ ينتقل المشاركون عبر مستويات وشارات إنجاز مرتبطة باكتساب مهارات واستيفاء متطلبات محددة. وهو نموذج مختلف عن التعليم المدرسي، لكنه يقدم درسًا مهمًا: عندما يرى المتعلم تقدمه في صورة مراحل واضحة، يصبح الإنجاز جزءًا من هويته الشخصية.
وفي الصين، توجد منذ عقود منظومة رسمية لتكريم الطلاب المتميزين تحت مسميات مثل «الطالب الثلاثي الجيد»، وتجمع المعايير بين جوانب متعددة من شخصية الطالب، وليس التحصيل الدراسي وحده؛ وتشمل جوانب تتصل بالتعلم، والسلوك، والصحة، والمشاركة.
أما في البيئة الرقمية، فقد أصبحت المستويات والنقاط والشارات والدوريات جزءًا من تصميم كثير من تجارب التعلم والتلعيب. وتستخدم منصات مثل Duolingo عناصر من هذا النوع، بما في ذلك النقاط والمستويات والدوريات، بهدف جعل التقدم مرئيًا وتعزيز المشاركة والاستمرار. وتتناول دراسات حديثة هذه العناصر بوصفها أدوات للتغذية الراجعة والتحفيز، مع التأكيد في الوقت نفسه على أن أثر المكافآت ليس واحدًا لدى جميع المتعلمين.
إذن، نحن لا نتحدث عن فكرة غريبة عن عالم التعليم، وإنما عن فلسفة موجودة بأشكال متعددة، يمكن إعادة تصميمها لتناسب البيئة المدرسية.
التحدي الأكبر: العدالة لكن جمال الفكرة لا يكفي.
فأي نظام للرتب الطلابية يمكن أن يتحول من أداة للتحفيز إلى أداة للضغط إذا صُمم بطريقة خاطئة.
لذلك يجب أن تكون المعايير واضحة ومعلنة، وأن تراعي اختلاف أعمار الطلاب وقدراتهم واحتياجاتهم، وألا تتحول الرتبة إلى وسيلة لمقارنة غير عادلة بين طلاب يعيشون ظروفًا مختلفة.
كما ينبغي ألا يعتمد الحكم على الطالب على رأي شخص واحد، بل يمكن أن يستند إلى ملف إنجاز، ومشروعات، وأداء أكاديمي، ومشاركة، وملاحظات المعلم، وتقييم ذاتي، وربما تقييم الأقران وفق ضوابط واضحة.
والأهم أن تكون الرتبة قابلة للتغير.
فالمدرسة التي تؤمن بالنمو لا يمكن أن تحكم على الطالب مرة واحدة ثم تثبت الحكم عليه إلى الأبد.
الطالب الذي كان «مجتهدًا» يمكن أن يصبح «متميزًا»، والمتميز يمكن أن يصبح «خبيرًا»، والخبرة نفسها ليست نهاية الطريق، وإنما مسؤولية جديدة.
من رتبة في الفصل إلى قائد في الغد
الأثر الأعمق للفكرة لا يظهر في الدرجات فقط.
حين يتولى الطالب مسؤولية قيادة فريق، أو مساعدة زميل، أو تنظيم مبادرة، أو تمثيل زملائه، فإنه يمارس مهارات لا توفرها له ورقة الاختبار: التواصل، والتفاوض، والتعاون، واتخاذ القرار، وتحمل المسؤولية، ومتابعة الآخرين.
وهذه ليست فكرة نظرية بالكامل؛ فبعض المدارس البريطانية، مثلًا، تطبق بالفعل هياكل متدرجة للقيادة الطلابية، تبدأ بأدوار قيادية أصغر وتمتد إلى رؤساء الطلاب وقادة البيوت والمجالات المختلفة، مع تدريب ومسؤوليات محددة.
لكن هناك أثرًا آخر يستحق التأمل: إمكانية أن تكون هذه التجربة مدخلًا مبكرًا لاكتشاف شغف بعض الطلاب بالتعليم.
فالطالب الذي يساعد زميلًا على فهم فكرة، أو يقود مجموعة تعلم، أو يشرح مهارة لطلاب أصغر منه، يمارس بصورة مبكرة بعض أهم مهارات المعلم: التبسيط، والصبر، والتوجيه، ومتابعة تقدم الآخرين.
وقد يكتشف بعض هؤلاء أن متعة التعلم بالنسبة لهم لا تكتمل إلا عندما يساعدون الآخرين على التعلم.
ومن هنا يمكن أن تبدأ قصة مختلفة: طالب تعلّم القيادة داخل المدرسة، ثم اكتشف أن لديه شغفًا بالتعليم، فاختار لاحقًا أن يصبح معلمًا.
ليس لأن المدرسة قررت مستقبله، وإنما لأنها أتاحت له أن يكتشف نفسه مبكرًا.
الطالب الخبير.. فلسفة قبل أن يكون رتبة
في النهاية، ليست القضية في أن نضيف لقبًا جديدًا إلى قائمة الألقاب المدرسية، ولا أن نحول المدارس إلى مؤسسات تصنف الأطفال.
القضية في سؤال أبسط وأعمق:
إذا كنا نريد من الطالب أن يكون متعلمًا مدى الحياة، فلماذا لا نعطيه مسارًا يرى من خلاله كيف يتقدم في رحلة التعلم؟
نحن لا نحتاج إلى مدرسة تقول للطالب فقط:
«كم حصلت؟»
نحتاج إلى مدرسة تستطيع أن تسأله أيضًا:
«ماذا تعلمت؟ ماذا أتقنت؟ ماذا قدمت؟ كيف تطورت؟ وما المسؤولية التي أصبحت مستعدًا لحملها؟»
عندها تصبح الرتبة سجلًا لرحلة النمو، لا ترتيبًا بين البشر؛ ويصبح التميز أوسع من الدرجة، والمنافسة أعمق من المركز، والإنجاز مرتبطًا بالمسؤولية.
وربما يكون «الطالب الخبير» ليس نهاية المسار، بل بداية قصة أكبر:
طالب تعلّم أن التميز ليس أن يكون أفضل من الآخرين، وإنما أن يصبح أفضل مما كان عليه بالأمس، وأن يستخدم ما تعلمه ليجعل من حوله أفضل أيضًا.
آراء الكتاب
-
الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ
- 857
- 2016-02-09 17:29:26
محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...
-
حراسة الرمز - سعد الدوسري
- 965
- 2016-02-09 17:29:27
سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...
-
الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض
- 854
- 2016-02-09 17:29:30
د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...
-
بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد
- 828
- 2016-02-09 17:29:32
يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...
-
دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي
- 832
- 2016-02-09 17:29:35
ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...
-
التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد
- 1051
- 2016-02-09 17:32:18
لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...