العمر.. رأس المال الجديد - جانبي فروقة
جانبي فروقة
في مكتبٍ صغير للموارد البشرية يوقِّع رجلٌ في الخامسة والستين على ورقة تقاعده ويتسلَّم درعًا تذكاريًا وباقة زهور ثم يخرج إلى الشارع ويكتشف مفارقةً محرجة وهي أنه لا يشعر أن العمر قد انتهى فعقله في أفضل حالاته وخبرته في ذروتها وجسده يحتمل عشرين عامًا أخرى من العمل.. والشيء الوحيد الذي انتهى هو رقمٌ في نظامٍ صمّمه بشرٌ ماتوا قبل أن يُخترع أول جهاز رنين مغناطيسي علق الفيلسوف والكاتب الروماني سينيكا (من أبرز فلاسفة الرواقية Stoicism) قبل نحو ألفي عام قبل ألفي عام «إن حياتنا ليست قصيرة، بل نحن مسرفون فيها» لكنه لم يتخيّل أن يصبح الإسراف مؤسسيًا بحيث أن يهدر النظامُ سنوات الناس بالنيابة عنهم.
تعلّم الإنسان أن يراكم المال والأرض والمعرفة والنفوذ وظل عاجزًا عن ادخار الشيء الوحيد الذي ينفقه بلا توقف ألا وهو الوقت وللمرة الأولى بدأت هذه المعادلة تهتزّ ففي مقالٍ لافت بعنوان «الساعتان - The Two Clocks» يطرح الكاتب دكتور ج. (Dr. J) فكرةً بسيطة ومقلقة وهي أن هناك ساعتين تدقّان في الوقت نفسه الأولى تقيس تدهور الجسد بيولوجيًا والثانية تقيس تقدّم التكنولوجيا والمشكلة أنهما لم تعودا تسيران بالسرعة نفسها فنحن نكبر عامًا كل عام بينما تقطع التكنولوجيا في العام الواحد مسافةً كانت تحتاج إلى عقد والفكرة صحيحة لكنني أعتقد أن هناك ساعةً ثالثة تستدعي قلقًا أكبر وهي ساعة المجتمع فإذا كان الجسد يتغيّر ببطء والتكنولوجيا تتقدّم بسرعة فإن قوانين التقاعد والتأمين والعمل والميراث والتعليم والرعاية الصحية تتحرك غالبًا أبطأ منهما معًا وهنا لا في المختبر تبدأ القصة الحقيقية فنحن لسنا قريبين من هزيمة الشيخوخة ويجب الحذر من المبالغات التي تحوّل المختبر إلى فيلم خيال علمي لكن العلم غيّر فعلًا طريقة فهمه للمسألة ففي دراسةٍ مرجعية نشرتها مجلة الخلية (Cell) عام 2023 حدّد عالم الكيمياء الحيوية الإسباني كارلوس لوبيز-أوتين (Carlos Lopez-Otin ) وزملاؤه اثنتي عشرة سمة بيولوجية للشيخوخة من عدم استقرار الجينوم واختلال الميتوكوندريا (وهي أجزاء صغيرة موجودة داخل معظم خلايا الجسم وتُسمّى غالبًا محطات توليد الطاقة في الخلية) إلى شيخوخة الخلايا والالتهاب المزمن واستنزاف الخلايا الجذعية. لا يوجد إذًا زر سحري يعيد الإنسان إلى الثلاثين لكن الشيخوخة توقفت عن كونها رقمًا نكتبه على قالب عيد الميلاد وصارت مجموعة عمليات يمكن دراستها وربما إبطاؤها واحدةً تلو الأخرى وهذا يقودنا إلى ضرورة فهم الفرق الأهم بين طول العمر Lifespan والعمر الصحي Healthspan واللافت أن الأدب الإنجليزي سبق الطب بقرون في تخيّل هذا الفارق بين أن نعيش طويلًا وأن نبقى أصحّاء ونحن نعيش ففي رحلات غاليفر ابتكر جوناثان سويفت شعب السترلدبرغ (Struldbruggs) وهم أناس مُنحوا الخلود لكن من دون أن يُمنحوا الشباب أو الصحة، حيث لم يكن الخلود بالنسبة إليهم هدية، بل عقوبة قاسية من أجساد تواصل الشيخوخة وأمراض تتراكم وحياة تمتد بلا نهاية فيما تتراجع القدرة على الاستمتاع بها وعلى الطرف الآخر تمامًا يقف دوريان غراي (للكاتب أوسكار وايلد) الذي ظل محتفظًا بشبابهحيويته بينما كان الزمن يمر من حوله وبين هاتين الصورتين الأدبيتين تتلخص إحدى أهم أسئلة علم الشيخوخة اليوم وهو هل سننجح فقط في إضافة سنوات إلى أعمارنا وكم سنة نستطيع أن نعيشها ونحن قادرون فعلًا على الحياة؟ وليس مصادفة أن بعض الاقتصاديين والباحثين المعاصرين يستعيرون اسمي سترلدبرغ Struldbrugg وDorian Gray دوريان غري لوصف هذين المستقبلين المحتملين للإنسان فاليوم قد تكون الإضافة الأكبر للذكاء الاصطناعي في أبحاث الشيخوخة هي تسريع التجربة نفسها وهنا تغيرت المعادلة فبدل أن يمضي الباحثون سنوات في فرز المرضى وتحليل آلاف الصور والسجلات والمؤشرات الحيوية تستطيع الخوارزميات القيام بجزء كبير من هذا العمل بسرعة، وتحديد المرضى الأكثر ملاءمة لكل تجربة ففي دراسة نُشرت عام 2025 حول مرض ألزهايمر استخدم الباحثون نماذج ذكاء اصطناعي لإعادة تحليل بيانات تجربة دوائية سابقة لم تحقق نجاحًا واضحًا لكن الخوارزميات كشفت أن فئة محددة من المرضى استجابت للعلاج بصورة أفضل مع تباطؤ في التدهور الإدراكي بنحو 46 % وهذا لا يعني أن الذكاء الاصطناعي عالج ألزهايمر ولا أن الدواء أصبح علاجًا مؤكّدًا لكنه يكشف تحولًا مهمًا في الطب فبدل أن نبحث فقط عن دواء جديد أصبح بإمكاننا أن نسأل سؤالًا أدق وهو أي علاج يناسب أي مريض وفي أي مرحلة من المرض؟ وهنا قد تكون قوة الذكاء الاصطناعي الحقيقية ليس في منحنا الخلود، بل في اختصار سنوات من التجربة والخطأ والعثور الأسرع على الطريق الصحيح فالذكاء الاصطناعي لم يعد يكتفي بقراءة عقارب الساعة، بل بدأ يساعدنا على تحريكها بسرعة أكبر.
قد يبدو غريبًا أن نضع سعرًا لسنة إضافية من الحياة لكن هذا ما يفعله الاقتصاديون لتقييم السياسات الصحية، في دراسةٍ نشرت بمجلة نيتشر إيجينغ (Nature Aging) قدّر الاقتصادي أندرو سكوت مع مارتن إليسون وعالم الوراثة ديفيد سنكلير القدرة على إبطاء الشيخوخة بما يضيف سنةً واحدة إلى متوسط العمر المتوقع تبلغ قيمته نحو 38 تريليون دولار والأهم من الرقم أن نموذجهم وجد أن ضغط سنوات المرض وتحسين الصحة أكثر قيمة من مجرد إضافة سنوات إلى العمر وبعبارة أخرى إن السنوات الفارغة رخيصة والسنوات الصحية غالية وهنا يظهر شكلٌ جديد من رأس المال يمكننا أن نطلق عليه اسم «رأس مال الزمن - Time Capital» فنحن نعرف رأس المال المالي والبشري والاجتماعي لكن ماذا لو أصبح الإنسان قادرًا بالطب والتكنولوجيا على زيادة رصيده من السنوات الصحية المنتجة؟ عندها لن يكون أغنى إنسان مَن يملك الحساب المصرفي الأكبر بل مَن يملك الرصيد الأكبر من الوقت الصحي.
إن المشكلة الحقيقية أن الزمن غير موزع بعدالة فقد حلّل الاقتصادي راج تشيتي وزملاؤه نحو 1.4 مليار سجلٍ ضريبي في الولايات المتحدة وربطوها ببيانات الوفيات وفي دراستهم المنشورة في مجلة الجمعية الطبية الأمريكية (JAMA) عام 2016 بلغ الفارق في متوسط العمر المتوقع عند سن الأربعين بين أغنى 1 % وأفقر 1 % نحو 14.6 سنة لدى الرجال و10.1 سنوات لدى النساء وإذا ما تأمّلنا هذا الرقم جيدًا نجد أنه مع أننا لم نخترع بعد علاجًا يضيف عشر سنوات إلى العمر ومع ذلك توجد بالفعل فجوة اجتماعية في العمر تتجاوز العشر السنوات أي أن اقتصاد الزمن موجود قبل أن نمنحه اسمًا ولهذا فإن السؤال الأخلاقي الكبير ليس هل سنُطيل العمر؟ بل من سيحصل على السنوات الإضافية؟ وهنا تدقّ الساعة الثالثة وهي ساعة الاقتصاد والمجتمع فحتى لو لم ينجح الطب في إطالة أعمارنا يومًا واحدًا إضافيًا فإن أنظمة التقاعد تواجه أصلًا اختبارًا صعبًا فبحسب تقرير OECD - Pensions at a Glance 2025 كان هناك عام 2000 نحو 22 شخصًا فوق سن الخامسة والستين مقابل كل مئة شخص في سن العمل بين 20 و64 عامًا وارتفع العدد إلى 33 في 2025 ومن المتوقع أن يصل إلى 52 بحلول 2050 أي أن عدد المتقاعدين يزداد بسرعة مقارنة بعدد من يعملون ويموّلون أنظمة التقاعد والضمان الاجتماعي فيما تقترب فاتورة التقاعد العام في بعض الاقتصادات من نحو 10 % من الناتج المحلي الإجمالي وكل ذلك يحدث قبل أن نفترض أن ثورة في طب الشيخوخة قد تجعل الإنسان في السبعين يتمتع يومًا ما بصحة شخص في الستين اليوم فعندها يصبح السؤال أكبر من مجرد: كم سنة سنعيش؟ بل: ماذا سنفعل بكل هذه السنوات الإضافية؟ هل يبقى سن التقاعد 65 عامًا إذا كان الإنسان قادرًا على العمل والإنتاج حتى الخامسة والسبعين؟ وهل يبقى نموذج الحياة القديم منطقيًا: عشرون عامًا للتعلّم وأربعون للعمل ثم تقاعد طويل في النهاية؟ ربما تكون الإجابة في الانتقال من حياة ذات ثلاث مراحل ثابتة إلى حياة متعددة المراحل كما طرح أندرو سكوت وليندا غراتون في كتاب (The 100-Year Life) فقد يتعلم الإنسان في العشرين ويعمل في الثلاثين والأربعين ثم يعود إلى الجامعة في الخمسين ويبدأ مهنة جديدة في الستين ويتوقف لفترات قصيرة للراحة أو إعادة اكتشاف نفسه بدل أن يدخر كل وقت الفراغ لما بعد التقاعد.
إذا نجح العلم في إعادة رسم حدود العمر فلن يكفي أن نعيد تصميم أجسادنا فقط بل سنحتاج أيضًا إلى إعادة تصميم العمل والتعليم والتقاعد وحتى معنى العمر نفسه وعندها لن يكون التحدي مجرد طب جديد بل عقد اجتماعي جديد لحياة أطول.
وهنا تظهر مفارقة أكثر قسوة فبحسب منظمة الصحة العالمية (WHO) سيتضاعف عدد من تجاوزوا الستين عالميًا ليصل إلى نحو 2.1 مليار شخص بحلول 2050 وسيعيش قرابة 80 % منهم في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل وهذا يعني أن السؤال لن يبقى طبيًا فقط فإذا نجحت مختبرات بوسطن أو سنغافورة أو شنغهاي في تطوير علاج يمنح الإنسان عشر سنوات إضافية من الصحة فلن يكون السؤال الوحيد: هل يعمل العلاج؟ بل: من سيتمكن من الوصول إليه؟ وقد نجد أنفسنا أمام عالم تصبح فيه سنوات الحياة الصحية موزعة بقدر لا يقل تفاوتًا عن توزيع الثروة نفسها عندها لن تحدد جيناتك وحدها طول حياتك بل قد يشارك في ذلك أيضًا عنوانك ودخلك وجواز سفرك ونظام التأمين الصحي الذي وُلدت في ظله.
فكرة الساعات الثلاث تكشف أن معركة العمر لا تجري داخل الجسد وحده فهناك ساعة بيولوجية يحاول العلم إبطاءها، وساعة تكنولوجية تتسارع بالذكاء الاصطناعي، وثالثة أبطأ منهما وهي ساعة المجتمع. قد نتعلم كيف نطيل الحياة قبل أن نعرف كيف نوزع فوائدها بعدالة وقد يصبح السبعيني أكثر قدرة بينما تبقى قوانين العمل والتقاعد عالقة في زمن قديم لهذا لن يكون السؤال الأهم هل سنعيش أطول؟ بل من سيملك حق الوصول إلى تلك السنوات الإضافية وقد يصبح الوقت نفسه يوماً ما أغلى سلعة في اقتصاد المستقبل.
** **
- كاتب أمريكي
آراء الكتاب
-
الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ
- 875
- 2016-02-09 17:29:26
محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...
-
حراسة الرمز - سعد الدوسري
- 987
- 2016-02-09 17:29:27
سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...
-
الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض
- 877
- 2016-02-09 17:29:30
د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...
-
بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد
- 846
- 2016-02-09 17:29:32
يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...
-
دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي
- 845
- 2016-02-09 17:29:35
ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...
-
التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد
- 1073
- 2016-02-09 17:32:18
لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...