ثـبـات :.. نهج الوطن في يومه الوطني - أ. د.عبد العزيز بن محمد الفيصل
أ. د.عبد العزيز بن محمد الفيصل
أرسى الملك عبدالعزيز قواعد الحكم للمملكة العربية السعودية في عام (1351هـ)، ولكن هذه القواعد لم يتم إرساءها في يوم وليلة بل هي بناء، والبناء يحتاج إلى زمن ويحتاج إلى عاملين ويحتاج إلى راع يحوطه ويشرف على البنائين، وهكذا شرع الملك عبدالعزيز في البناء منذ أن فتح الرياض إلى زمن انضمام نجران وجازان إلى كيان المملكة العربية السعودية.
لقد تجلت شخصية الملك عبدالعزيز في الصبر ومتابعة البناء، فما يحتاج إلى مصابرة طويلة تجلى في متابعة مؤتمر الأرطاوية ومؤتمر الرياض الذي استمر يوماً كاملاً من بعد صلاة الفجر إلى ما بعد صلاة العشاء ومصابرة حركة سالم ابن رفادة، ومصابرة الإخوان في معركة السبلة، فقد نقلت الأخبار الشفوية من الذين شاركوا في حرب السبلة أن جادة الشيخ العنقري أصبحت واضحة في بعول أهل الزلفي من كثرة ذهابه إلى الإخوان للتفاوض وإيابه إلى الملك عبدالعزيز، ويقول رواة الحرب من الذين شاركوا في السبلة: لقد مللنا من الانتظار ورغبنا في بداية الحرب على أي حال، ولكن الملك عبدالعزيز المتصف بالصبر لا يستعجل في أي أمر من أموره. يقول الراوي وهو من المشاركين في معركة السبلة: كم كانت فرحتنا عندما أقبل إلينا الأمير سعود وهو يمتطي جواداً أشهب، وقد لف غترته على وجهه ورأسه، فأمرنا بالوقوف وليأخذ واحد منا التمر ويمر به على الوقوف، وليأخذ رجل آخر الماء ويمر به على الوقوف، وأمرنا بالوقوف في أماكننا حتى يأتي أمر بالتقدم.
لقد خرجت أنا وراوي حرب السبلة إلى مكان المعركة قبل خمس وأربعين سنة، ووقفت معه على محاجي الإخوان ثم اتجهنا إلى الرمل وهو مقر الدويش وأتباعه، ويتحدث الراوي المشارك في حرب السبلة عن صبر الملك عبدالعزيز على الإخوان، فشاركته الحديث في صبر الملك عبدالعزيز في حرب الرغامة حيث دامت الحرب وحصار جدة ما يقرب من عام كامل.
إن هذا الكيان الذي نعيش فيه (المملكة العربية السعودية) لم يبنَ من فراغ بل أُسس على التقوى والصدق والترابط بين القيادة وأبناء الشعب، فالرجل من أتباع ابن سعود لا يبخل بشيء من ماله، فالتمر والقمح ينقل إلى المعركة من كل قرية مع أن هذا التمر والقمح هو قوت الأسرة، وإذا طلب من الرجل الخروج إلى الحرب بادر بالخروج مع سلاحه وراحلته وتموين رحلة الحرب تلك.
لقد بُني هذا الكيان في ظروف صعبة فأبناء الجزيرة العربية يعتمدون في عيشهم على التمر من ثمرة النخيل والقمح من زراعة الأرض والذرة والدخن من زراعة الأرض بالإضافة إلى الماشية من ماعز وشياه وأبقار، أما التجارة فهي محدودة ولا يعتمد عليها إلا القليل، وتأتي الحرف في ذيل القائمة التي يعتمد عليها في المعيشة، فرب الأسرة في صراع مع العيش والدليل على ذلك تربع الدين على عرش التجارة، فلا تجد فلاحاً أو مزارعاً إلا والدين همه الأول والأخير، وقد شاع الدين في الأمثال والأشعار، ومنها:
بين الظهر والعصر ياوي نومه
يحظى بها إلى ما عليه ديون
ومع ضيق العيش وعدم توافر الأمن فالبلدة يحوطها سور وأبوابه تغلق ليلاً، والخارج من بلده إلى أخرى يترصد له الحنشل فيوخذ ما معه وربما سلبت ثيابه، فالسفر لا يكون إلا في جماعة ومعهم سلاح يحميهم ويحمي رواحلهم التي تحمل ماءهم وزادهم. أقول إن المعيشة في الجزيرة العربية متاحة قبل اكتشاف النفط ولكن الشيء المفقود هو الأمن، فالناس في حاجة إلى حاكم يؤمن الناس فيحفظ النفس والمال، وقد وجد أبناء الجزيرة العربية في شخصية الملك عبدالعزيز ضالتهم التي يبحثون عنها، ولذلك لا نستغرب سماع عبارات الثناء والدعاء في كل مجلس (الله يظلل به على المسلمين)، فالكل راض عن حاكم وطن الأمن في الوبر والمدر، هذا الثناء على الملك عبدالعزيز قبل التعليم وقبل الوظائف التي رافقت تدفق النفط، فالناس مع الملك عبدالعزيز في أيام العسر وفي أيام اليسر.
إن تدفق النفط في آخر حياة الملك عبدالعزيز فتح له أبواب تنمية البلاد وأن تكون المملكة العربية السعودية جزءاً من العالم لا أن تكون خارج العالم، وبما أن المملكة العربية السعودية تشغل معظم الجزيرة العربية فهي تشمل بيئات متباينة، وبيئة نجد متغلقة على نفسها بحكم بعدها عن الحواضر.
وبيئة الصحراء ليس لها شأن بالتعليم وإنما هي بيئة الرعي وإنتاج الماشية، وقد بدأ التعليم الحكومي في الحجاز بقبول عم حواضره وصاحب التعليم فتح المستوصفات والمستشفيات، فارتقت المعيشة في الحجاز لأن التعليم أتاح العمل للمتعلمين في الوظائف الحكومية، أما نجد فقد بقيت على حالها لأنها لم تقبل التعليم الحديث الذي تبنته الحكومة، وأول المعارضين للتعليم أبناء العاصمة الرياض، فقد رفضوا في البداية فتح مدرسة حكومية تسير على النهج الحديث في التعليم، وفتحت الحكومة مدرسة في المجمعة ثم مدرسة في عنيزة، ولم تفتح المدرسة الحكومية في الرياض إلا بعد ست سنوات من فتح مدرستي المجمعة وعنيزة، ومع قبول فتح المدرسة في الرياض بدأ الوعي يعم البلدات الكبرى ثم القرى، ومع وجود شيء من التعليم الحديث في آخر حياة الملك عبدالعزيز ارتقت المعيشة لبعض الأسر وبدأ الامتزاج والتقارب بين بيئات المملكة المتباعدة عن بعضها؛ مما أنعش التجارة حيث الأمن الوارف الذي ظلل الطرق بين نجد والحجاز وبين نجد والأحساء ومن ثم الكويت والبحرين والعراق. وبما أن التحديث يستغرب كما حصل لفتتح مدارس الأبناء الحكومية تكرر هذا الاستغراب عندما فتح الملك فيصل مدارس البنات الحكومية، فأحجم بعض الآباء عن تعليم بناتهم في هذه المدارس، وبعد سنوات قليلة استمرأ الناس تعليم الفتاة كما استمرأوا تعليم الفتى، ويأتي التحديث الأوسع في عهد الملك سلمان وولي عهده محمد بن سلمان، حيث قادت المرأة السيارة واشتغلت في الوظائف الحكومية والبنوك والشركات، وكانت معارضات التحديث تقبل وتؤجل إلى أمد ولكن التحديث الذي نعيش فيه الآن سائر في طريقه، فنتمنى له مشاركة العالم في الصناعة لحماية مملكتنا الواسعة فهي جديرة بذلك لما تمتلكه من مقومات التعدين الذي تعتمد عليه الصناعة ومن تنوع البيئة الجغرافية والكثافة السكانية، فالمملكة في صف الدول التي تحمي نفسها بمقوماتها، وبما أن التحديث سائر في طريقه فنحن نطمع أن تكون المملكة في طريق القدرة على حماية نفسها بسلاحها المصنوع في أرضها، حقق الله الآمال وحفظ مليك البلاد سلمان بن عبدالعزيز وسمو ولي عهده محمد بن سلمان بن عبدالعزيز.
آراء الكتاب
-
الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ
- 889
- 2016-02-09 17:29:26
محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...
-
حراسة الرمز - سعد الدوسري
- 999
- 2016-02-09 17:29:27
سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...
-
الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض
- 887
- 2016-02-09 17:29:30
د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...
-
بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد
- 858
- 2016-02-09 17:29:32
يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...
-
دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي
- 856
- 2016-02-09 17:29:35
ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...
-
التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد
- 1082
- 2016-02-09 17:32:18
لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...