خالد المالك.. بيننا سؤال وجواب! - د. إبراهيم بن جلال فضلون
د. إبراهيم بن جلال فضلون
«من سأل ما ضاع، ومن استمع ما ندم». «السؤالُ نصفُ العلم، والإنصافُ نصفُ الحكمة»، حكمتان يفسران 14 حرفاً عنونها الأستاذ خالد بن حمد المالك بمقاله اليومي بـ«بيننا سؤال وجواب!»، فلم يكن ثلاث كلمات بأربع مُفردات لغوية فقط، بل بناءٌ صحفيٌّ مُحكم استوقفني كقارئ مُتذوق. شدني من ظرفية «بين» التي صنع بها مساحة مشتركة، اتصلت بضمائرنا «نا» لتأسيس علاقة شراكة، منتقلة برابطنا إلى «سؤال» بوصفه مفتاح المعرفة، قبل أن يعطف عليه «جواب» باعتباره ثمرة البحث، وبين الكلمة الأولى والأخيرة تختبئ فلسفة صحفية كاملة: لا حقيقة تُفرض من طرف واحد، بل حوار يولد بين «نا» الجماعة، وبين سؤال يوقظ العقل وجواب يطمئن القلب، فليست كل الأسئلة بريئة، وليست كل الإجابات كافية.
فثمة أسئلة تُطرح لتسجيل موقف، وأخرى تُطرح لصناعة رأي، وثالثة تُطرح لأنها وحدها القادرة على فتح نافذة في جدار الصمت. وهُنا قدم الأستاذ خالد بن حمد المالك عنواناً، ليس فقط مجرد تركيب لغوي مألوف، بل يضع القارئ أمام معادلة صحفية عميقة: هل لا يزال بين الكاتب والقارئ مساحة مشتركة للحوار، أم أن الضجيج أصبح أعلى من أن يُسمَع فيه صوت السؤال؟
العنوان ووعي الصانع: يومياً في صحيفة الجزيرة، هو لا يختار العنوان باعتباطية الكاتب المرتجِل، بل بوعي الصانع الذي يعرف قيمة كل كلمة، فيضعها في موضعها وقالبها المُحكم. تلك الـ»بيننا» الصغيرة خلف علامة الاستفهام والتعجب معاً، هي أكثر من ضمير اثنين؛ وكأنها ميثاق، وشراكة في الحقيقة، وإعلان بأن الصحافة الحقيقية لا تكون خطاباً من فوق إلى تحت، بل حواراً بين شريكين متكافئين في الرغبة بفهم ما يجري.
وفي مدرسة الصحافة السعودية قلةٌ من الكتّاب التزموا موعدهم اليومي مع القارئ دون انقطاع يُذكر، حتى صار اسم الكاتب جزءاً من طقس الصباح كالقهوة السعودية والأخبار. وكاتبنا هُنا في طليعة هذه القلة النادرة، إذ يجلس كل يوم خلف قلمه لا يُطفئه كسل ولا تُوقفه راحة، يكتب كأنه يُؤدي أمانة مقدسة، والفارق بينه وبين كثير من الكتّاب أنه لا يكتب لأنه يُريد أن يُكتَب عنه، بل لأن في صدره سؤالاً يُقضّ مضجعه، ولن يهدأ له بال حتى يُجيب.
وقد أثبتت تقارير دولية حديثة أن الجمهور أصبح أقل اهتماماً بكمية المعلومات وأكثر اهتماماً بقدرته على فهمها وربطها بسياقها. ولهذا فإن الكاتب الذي ينجح في إعادة ترتيب الأسئلة داخل عقل القارئ يحقق أثراً أبقى من الكاتب الذي يكدّس الحقائق دون رؤية.
«بيننا»: ليست وصفاً للمسافة، بل تعريفاً للشراكة، فالسؤال الذي يُطرح من فوق المنبر يختلف عن السؤال الذي يُطرح من داخل الدائرة نفسها. الأول خطاب، والثاني حوار. وفي علم البلاغة العربي، يُعدّ الأسلوب الإنشائي الطلبي -منه الاستفهام- من أعلى مراتب التأثير لأنه يُشرك المتلقي في بناء المعنى بدل فرضه عليه، وحين يقول الأستاذ خالد المالك «بيننا» لا يقول «عندي» ولا «لديكم»، بل يُشير إلى فضاء مشترك يلتقي فيه عقلان، وكأنهما معادلة صحفية عميقة: الكاتب الذي يملك الجواب قبل أن يطرح السؤال لا يحاور، بل يُحاضر، أما الأستاذ خالد فيطرح أسئلة يحسّ القارئ أنها سهِرت معه ليلاً قبل أن تُصاغ صباحاً. وهذا ما يجعل أسلوب السؤال والجواب هُنا وبمستوى الكاتب مختلفاً جوهرياً عما اعتدنا عليه. فكثير من الكتّاب يستخدمون الاستفهام أداةً بلاغية شكلية، يُصيغون السؤال وجوابه جاهزَين معاً، لكنه جعل هُنا السؤال حقيقيا، متفتح النهاية، ويُشارك القارئ في الإجابة. وهذا هو الفارق بين الصحافة الحيّة والصحافة المُعلَّبة التي تُعطيك الخبز والسكين معاً ولا تترك لك شيئاً تقطعه بنفسك. ولهذا كانت الحضارات الكبرى تُبنى على السؤال قبل أن تُبنى على اليقين. فمنذ سقراط وحتى عصر الذكاء الاصطناعي، لم يكن التقدم ثمرة الإجابات الجاهزة بقدر ما كان نتيجة الجرأة على طرح السؤال الصحيح.
علامة التعجب «!»
إن قوة العنوان لا تأتي من الكلمات وحدها، بل من المسافة النفسية التي يصنعها بين القارئ والنص، ولاحظوا معي علامة التعجب في العنوان، كثيرون يعتقدون أنها مجرد ترقيم إضافي، غير أنها في أعراف الكتابة الصحفية الراسخة تحمل هذه العلامة دلالات خاصة: (إنها وقفة استنكار، وإعلان دهشة، ودعوة للتأمل في آنٍ واحد). وحين يجمع الكاتب سؤالاً وإجابةً ثم يُتبعها بـ»!»، فهو لا يقول للقارئ «هذا ما حدث»، بل يقول: «ألا تستغرب أن الأمور بلغت هذا الحد؟»، وهُنا تُكمن بذرة الفكر النقدي الذي يريد الكاتب الحقيقي أن يزرعه في وعي قارئه.
وقد رصدت في متابعتي الطويلة لمقالات الأستاذ خالد المالك من «تصريحات وقحة» إلى «حرب أو لا حرب!» وصولاً إلى «وطن فتيٌّ لا يشيخ»، لأجد عناوينه دائماً مصاغة بهذا الأسلوب الثُنائي: (جملة تقريرية + علامة استفهام أو تعجب أو كلتيهما معاً). وكأنه اختيار مُتعمد اُحبهُ فيقول: «أنا لا أُسلّم بالأمر، وأنتَ أيها القارئ لست مُلزَماً بالتسليم أيضاً، وعلينا معاً أن نُفكر قبل أن نحكم».
الجرأة والانضباط معاً: فلا يُفرط الأستاذ خالد المالك في الزخرف البلاغي على حساب المضمون، وكأن كتابته كالسيف المصقول في انسجام الشكل والمعنى، فلا تجمّل مُبالغ فيه يُخفي فراغاً في الفكرة، ولا إفراط في التقرير يُجفف روح الأسلوب. في النقد الأدبي الحديث يُسمى هذا التوازن «الاقتصاد البلاغي»: (أن تقول الكثير بالقليل، وأن يكون كل حرف يُؤدي وظيفته دون حشو). وما يجعل هذا التوازن استثنائياً أنه يُحقق جاذبيتين متعارضتين يصعب الجمع بينهما: جاذبية القارئ البسيط الذي يُريد أن يفهم دون إجهاد، وجاذبية المثقف الذي يبحث عن زاوية جديدة لم تخطر له. وهذا النوع من الكتابة الجامعة نادر جداً في صحافتنا العربية، إذ كثيراً ما ينزلق الكاتب إما نحو التبسيط المُخِل أو نحو التعقيد المُنفِّر. الأستاذ خالد المالك يمشي على خطٍّ رفيع بين الاثنين بتوازن العارف بقيمة كل خطوة.
المقال اليومي: شاهد شارك: يقول الخبراء في علم النفس الإعلامي إن القراءة اليومية المنتظمة لكاتب بعينه رغم عدم لقائه، تُنشئ ما يُسمى «الأثر شبه العلائقي»، وقد وجدت أكاديمية الصحافة الأمريكية أن 73 % من القراء المخلصين لعمود يومي يشعرون بـ»الفقدان» حين ينقطع ذلك العمود فجأة، مثلما يفتقدون شخصاً قريباً، كما فقد قراء العالم صفحة بريد القراء في أخبار اليوم لعلي ومصطفى أمين، وهذا تحديداً ما حقّقه الأستاذ خالد المالك مع قرّاء الجزيرة على مدى عقود.
ومما يستحق التنويه أن أرشيف الأستاذ خالد المالك في صحيفة الجزيرة هو بحد ذاته وثيقة تاريخية حية تُرصد فيها تحولات المملكة والمنطقة العربية من زاوية شاهد شارك في صنع الحدث بقلمه، فمن يقرأ هذا الأرشيف تسلسلاً زمنياً يُعيد قراءة تاريخنا السياسي والإعلامي بعيون محلل وصانع رأي.
ما يُضيفه هذا المقال: من منظور نقدي أدبي نلحظ توظيفه تقنية «الاستفهام الإنكاري المُتنامي»: فيبدأ بسؤال بسيط ظاهره، ثم يتكشّف للقارئ شيئاً فشيئاً أن وراءه طبقات من الدلالة تُشبه البُوصلة التي تُكشف ورقة إثر ورقة، وهو ما يجعل القارئ لا يستطيع التوقف في المنتصف، فكل جملة تطرح استفهاماً يستدعي الإجابة في الجملة التالية، مما يُنشئ إيقاعاً سردياً يمزج بين التوتر الدرامي والحجاج الفكري.. كذلك يُتقن المالك ما يُسميه النقاد «الانتقال المُتعرج»: من الجزئي إلى الكلي، ومن الحادثة العابرة إلى القاعدة الثابتة، ومن المشهد اليومي إلى الحكم التاريخي، وتلك ثمرة تجربة إنسانية وصحفية ناضجة تُغذّيها عقود من المراقبة الدقيقة.
رسالة في زمن الضجيج
في زمن باتت فيه «المنصات» تُنتج آلاف المقالات يومياً معظمها مُشكَّل بواسطة خوارزميات تُغذّي انحيازات القارئ لا تُحرّرها، تكتسب الكتابة الصحفية الأصيلة قيمة تفوق كل المقاييس. ووفق دراسة نشرتها جمعية الصحفيين الأمريكيين عام 2024، فإن 68 % من القراء يثقون بالكتّاب الذين يُخالفون توقعاتهم أكثر من أولئك الذين يُؤكدون ما يعرفونه أصلاً.
والمالك بتفرده الأسلوبي وإخلاصه المهني وصموده في وجه التحولات المتسارعة في عالم الإعلام، يُثبت يوماً بعد يوم أن القلم الصادق لا يُشيخ، فهو بمقاله اليومي يُبقي على جمرة الحوار الحقيقي في صحافة تُهددها أحياناً ثرثرة التسرّع وعشوائية الفوضى الرقمية.
إن أخطر ما يواجه الإعلام ليس نقص المعلومات، بل فائضها، وليس غياب الأصوات، بل ازدحامها. وفي زمن تتكاثر فيه المنصات، تبقى الحاجة أكبر إلى الكلمة التي تفسّر لا التي تكرّر، وإلى الكاتب الذي يضيء الطريق لا الذي يضيف ضجيجاً جديداً، ولهذا فإن القيمة الحقيقية لأي مقال ليست فيما يقدمه من أجوبة فقط، بل فيما يتركه من أسئلة في ذهن قارئه بعد انتهاء القراءة، فالكاتب الناجح يُنهي مقاله، أما الكاتب المؤثر فيبدأ مقاله الحقيقي داخل عقل قارئه بعد السطر الأخير.
في حضرة الكلمة الأمينة: لو كان لي أن أختار جملة تلخّص ما يعنيه مقال «بيننا سؤال وجواب!» في منظومة الكتابة الصحفية السعودية والعربية، لقلت: «إن هذا المقال يُذكّرنا بأن الصحافة الحقيقية ليست إعلاناً عن الحقيقة، بل رحلة مشتركة للبحث عنها». والكاتب الذي يُدرك هذا لا يتكبّر بمعرفته ولا يُخفي شكوكه، بل يمشي مع قارئه يداً بيد في متاهة الأسئلة حتى يصلا معاً -إن وصلا- إلى نور الإجابة، وما أحوجنا في زمن تتعالى فيه الأصوات وتتضخم فيه الأنا إلى هذا النوع من الكتابة التي تأخذ القارئ شريكاً لا جمهوراً، ومحاوراً لا مُتلقياً.
آراء الكتاب
-
الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ
- 752
- 2016-02-09 17:29:26
محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...
-
حراسة الرمز - سعد الدوسري
- 861
- 2016-02-09 17:29:27
سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...
-
الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض
- 735
- 2016-02-09 17:29:30
د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...
-
بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد
- 722
- 2016-02-09 17:29:32
يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...
-
دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي
- 724
- 2016-02-09 17:29:35
ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...
-
التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد
- 937
- 2016-02-09 17:32:18
لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...