ذاكرة الزهايمر.. ذاكرة الحب 1-2 - د. ناهد باشطح
د. ناهد باشطح
فاصلة:
«في حالة الزهايمر نسعى جميعا قدر استطاعتنا للتعبير من قلوبنا»
-قريق أو براين-
***
مرض الزهايمر لا يسرق ذاكرة المريض وحده، بل يعيد تشكيل ذاكرة الأسرة بأكملها، ويعلّمنا نحن الأبناء دروساً لا يمكن لنا أن نتعلمها دون المعلّم العظيم حبيبنا المريض.
لم يكشف مرض الزهايمر عن وجهه القاسي حين انتبهنا أن والدي «يرحمه الله» وهو خبير الاستثمار الدولي الذي رغم معرفته بمطار هيثرو يضيع عنّا فيه، لكن انزعاجه لنسيانه التفاصيل البسيطة التي لا ينساها رجل مثقّف أنيق مثله، مثل نسيانه كيفية رباط ربطة العنق في حضوره لحفل تخرج إحدى بناته في الخارج، أو بحثه عن المفردات وهو يتحدث، أرانا أنياب المرض الشرسة حين فاجأنا يوماً بأنه لا يعرف أسماءنا نحن أولاده!
لم نكن نعلم أن تلك اللحظات الصغيرة كانت أول إشارات رحلة طويلة مؤلمة لترجّل فارس عظيم عن فرسه.
تكمن الصدمة في مرحلة الإنكار التي تمر بها العائلة، حينما نكتشف المرض نصبح نحن الأبناء جميعا بمثابة الأب لأبينا، من كان يعتني بنا أصبح يحتاج إلى من يعتني به، من كان يوجّهنا أصبح ينتظر توجيهاتنا.
هذا التحول النفسي صعب، وقد كان يكسرني أن أرى الأب العظيم شارداً مكتئباً ولا أستطيع فعل شيء!
لكن الزهايمر علمني أن الذاكرة تختفي لكن المشاعر تبقى.
قد ينسى مريض الزهايمر الأسماء، قد ينسى الوجوه، لكنه كثيرًا ما يشعر بالحب والطمأنينة بقرب من يشعر بحبهم له.
كنا نظن أننا ووالدتنا يحفظها الله من نرعى والدنا في سنواته الأخيرة، لكن الحقيقة أنه كان يمطرنا بمواعظ للمرة الأخيرة؛ يعلّمنا الصبر عندما ضاق بنا الصبر، ويعلمنا الرحمة عندما أرهقنا التعب، ويعلمنا معنى الوفاء عندما أصبح عاجزًا عن التعبير عنه بالكلمات.
سلب المرض من أبي يرحمه الله أسماء الأشخاص، لكنه لم يسلبه قيمه التي عاش عليها عمرًا كاملاً.
في إحدى المرات رفض أبي الاستحمام -كعادة مرضى الزهايمر إذ يخافون- تقدمت إليه، أحمل ملابس ساترة، لكنه كان يشعر بحرج شديد، لأنه لم يكن يعرف من أكون، نظر إليّ وقال: (عيب أن تحضرين هنا).
يومها أدركت أن الزهايمر يستطيع أن يعبث بالذاكرة، لكنه لا يستطيع بسهولة أن يمحو القيم التي عاشت في الإنسان عشرات السنين، كان قد نسي اسمي، لكنه لم ينس حياءه.
نحن نظن أن الذاكرة هي ما يجعلنا نحن، لكن تجربة الزهايمر تكشف أن هناك طبقات أعمق من الذاكرة، ذاكرة العقل قد تتآكل، لكن ذاكرة المشاعر تبقى، وذاكرة القيم تبقى، وذاكرة الكرامة تبقى.
نحن عادة نحاول إعادة المريض إلى عالمنا، بينما الرحمة الحقيقية أحيانًا هي أن نزور عالمه نحن.
كان أبي كثيرا ما يسأل عن أمه كما يسأل طفل صغير خائف.
«أريد أن أطمئن على أمي؟» كان قد نسي أنها توفّت.
ولم أكن أملك الشجاعة أن أُدخله في حزن جديد كل مرة يسأل عنها فأخبره بوفاتها فيحزن ثم ينسى فيسأل عنها ويحزن، فكنت أذهب لغرفة مجاورة واتصل به وأقلّد صوتها ليطمئن أنها بخير فتعود السكينة إلى عينيه.
عندها فهمت أن بعض الرحمة ليست في قول الحقيقة كاملة، بل في حماية القلب من وجع لا يحتمله.
وحين أصابته الهلاوس ناداني في إحدى المرات يخبرني أنه يرى حشرات كبيرة في الأرض، أمسكت يدي وكأنني أحمل بخاخًا للمبيدات، وأخذت أرش أركان الغرفة، تابعني بعينيه حتى انتهيت، ثم ابتسم وهدأ.
يومها أدركت أنني لم أكن أطارد حشرات وهمية، بل كنت أطارد خوفًا حقيقيًا يسكن قلبه.
لو قلت له:
«لا يوجد حشرات»، «أنت تتخيل»، قد يشعر أن أحدًا لا يفهمه.
كانت تأتيني الحلول لأني كنت أركز على السؤال الأعمق:
ما الذي يحتاجه الآن ليشعر بالأمان؟
لم أكن أرعى ذاكرة أبي، بل المشاعر، لأن مرضى الزهايمر مع تقدم المرض يتراجع لديهم المنطق والذاكرة، لكن المشاعر تبقى حاضرة بقوة.
كان قائدي الحب، لم أكن أعرف أن في رعاية مرضى الزهايمر يوجد مفهوم معروف يسمى «Validation» أو «الدخول إلى واقع المريض العاطفي»، أي عدم مجادلة المريض أو الإصرار على تصحيح ما يراه إذا كان ذلك سيزيد خوفه أو ارتباكه.
في قصة الاستحمام، لم يكن يبحث أبي عن معلومة، بل عن الكرامة، وفي قصة والدته رحمها الله، لم يكن يبحث عن خبر، بل عن الطمأنينة، وفي قصة الحشرات لم يكن يبحث عن حلٍّ بل عن الأمان.
آراء الكتاب
-
الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ
- 717
- 2016-02-09 17:29:26
محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...
-
حراسة الرمز - سعد الدوسري
- 824
- 2016-02-09 17:29:27
سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...
-
الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض
- 693
- 2016-02-09 17:29:30
د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...
-
بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد
- 689
- 2016-02-09 17:29:32
يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...
-
دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي
- 685
- 2016-02-09 17:29:35
ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...
-
التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد
- 893
- 2016-02-09 17:32:18
لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...