ضليع الشق (الكراع) محطة في درب زبيدة - د. تنيضب الفايدي
د. تنيضب الفايدي
تتعرض بعض المواقع والمعالم التاريخية عبر الزمن للاندثار أو النسيان، لتغيب قيمتها الكبرى عن أذهان جيل اليوم، رغم محوريتها وارتباطها الوثيق بتاريخ الوطن الغالي وسيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم وأحداثه المفصلية.
ومن هذا المنطلق، بات إحياء هذه المآثر ونقلها للأجيال الحالية والقادمة ضرورة وطنية ملحة. وفي هذا الصدد، كرّس الكاتب أعواماً طويلة من عمره لتتبع آثار الوطن وتوثيقها؛ حيث استهل جهوده بنشر تحقيقات مصورة في صفحة كاملة بجريدة المدينة المنورة، ثم تابع مسيرته البحثية عبر مجلة الحج، مخصصاً دراسة شهرية معمقة حول هذه المعالم، في عطاء علمي مستمر امتد لأحد عشر عاماً.
ومن تلك الأماكن ضليع الشق (المعروف تاريخياً بالكُراع) والكراع: مستدق الساق، وفي الجغرافيا يُطلق على طرف الحَرّة أو الجبل المستطيل الممتد، وهو أحد أبرز المعالم الجغرافية والمحطات الأثرية الواقعة على طريق الحج العراقي القديم المعروف بـ (درب زبيدة)، ويقع تحديداً في جنوب شرق محافظة مهد الذهب بحوالي 37 كيلومتراً. تليه محطة «أفيعية» على بعد 31 كم جنوب غرب، وتسبقه محطات أخرى قادمة من جهة العراق. وأطلقت عليه تسمية ضليع الشق لوجود شق أو صدع جغرافي في تكوينه الهضبي (الضليع: الجبل الصغير أو الأكمة الممتدة).
ومحافظة مهد الذهب من المواقع التي أخذت بُعداً تاريخياً عريقاً، إذ وقعت فيها في العهد النبوي غزوتان، غزوة قرقرة الكدر ( الشعبة ) أو غزوة بني سليم، غزوة بحران، وبعض السرايا مثل: سرية بئر معونة، سرية زيد بن حارثة إلى بني سليم، سرية ابن أبي العوجاء إلى بني سليم، كما يمر مسار درب زبيدة الشهير بمسافة (150) كيلومترًا على طول محافظة المهد من الشمال إلى الجنوب، ودرب زبيدة من أهم طرق التجارة والحج في العصر الاسلامي، وسبب تسمية هذا الطريق بدرب زبيدة؛ لأن لها أعمال كثيرة في إقامة بعض المنشآت على هذا الطريق، حيث يُنسب لها ما يقارب 11 محطة ومنـزلاً على الطريق. ولها أعمال جليلة حتى في مكة المكرمة ومن أهم أعمالها حفرها عين زبيدة التي لا تزال آثارها باقية حتى اليوم. فبعد فتح العراق وانتشار الإسلام في الشرق استخدم هذا الطريق منظماً حيث حفرت الآبار على طول الطريق، و جُهزت مناهل المياه، وأنشئت البرك والأحواض، وأماكن الرعي ومكان الاستراحات للقوافل والأسواق، وهكذا بدأ الطريق يزدهر بالتدريج حتى وصل في العصر العباسي المبكر في أوج ازدهاره، نظراً لوجود الأمن، ولأنه أصبح حلقة اتصال مهمة بين عاصمة الخلافة للعباسيين في بغداد والحرمين الشريفين وبقية أنحاء الجزيرة العربية.
ودرب زبيدة ينطلق من الكوفة إلى مكة المكرمة باتجاه الجنوب مخترقاً المناطق المعروفة اليوم: الحدود الشمالية، حائل، القصيم، المدينة المنورة، ثم إلى مكة المكرمة، ويلتقي طريق الكوفة مع طريق البصرة في موضع معدن النقرة حيث يتفرع منه طريق رئيس يتجه إلى مكة المكرمة ( وهو استمرار لدرب زبيدة ) وطريق رئيس آخر يتجه إلى المدينة المنورة.
ويخترق درب زبيدة الجهة الشرقية من منطقة المدينة المنورة، والمحطات الرئيسة والاستراحات والمنازل الواقعة في نطاق المنطقة على امتداد هذا الطريق هي: الجفنيّة، الماوان، الصقعاء، الربذة، حمضان ( الروثة )، الوسنة، السليلة، البريكة ( الضبّة )، العمق، معدن بني سليم، ضليع الشق ( كراع )، وأفيعية، خبراء الحاج ( الكبوانة )، ومن ثم يتجه الطريق إلى فيضة المسلح بمنطقة مكة المكرمة، وعلى امتداد الطريق تشاهد آثار مباني المحطات والمنازل، والبرك والآبار، والسدود، والأعلام؛ وتتميز المناطق التي يجتازها الطريق بتوفر المراعي وتنوع المعالم الجغرافية من جبال وحرار وأودية ومراع.
تقع ضليع الشق في الجنوب الشرقي من مهد الذهب على بعد 37 كيلاً تقريباً، وهي في سهل منخفض تحيط به التلال البركانية، وتسمى المنطقة أيضاً من قبل السكان المحليين باسم الكراع، ويُعد من المحطات والممرات الرئيسية التي يسلكها الحجاج القادمون من العراق (الكوفة والبصرة) متوجهين إلى مكة المكرمة، و توجد في منطقة ضليع الشق آثار تاريخية هامة ترتبط بطرق الحج القديمة، حيث تتكون خرائب ضليع الشق من خزانين للمياه وبقايا آثار لحصن أو قلعة وبقايا أساسات للمنازل القديمة، وتدل المنطقة على أنها كانت في فترات سابقة خضراء معشبة بسبب انحدار مياه السيول والأمطار إلى المنخفض .
ومن أبرز المعالم الأثرية في الموقع بركتان لخزن مياه الأمطار، وتقعان إلى الجهة الغربية من الموقع في مكان منخفض. فالبركة الأولى دائرية الشكل بنيت بطريقة هندسية فريدة وما زالت بحالة جيدة من العمارة. وقد غطت الرمال البركة من الداخل ولم يتبق من عمقها الأصلي سوى مترين، ومن التفاصيل المعمارية للبركة نشاهد سلمين متقابلين للبركة، فالأول في الجهة الغربية والآخر على الضلع الغربي، ويلاصق السلم الغربي مصب منحدر يسمح بانسياب مياه السيول والأمطار إلى قاع البركة، ويدعم جدار البركة من الداخل أكتاف نصف دائرية، ويبلغ قطر البركة 26 متراً تقريباً، ويحد البركة من الجهات الشمالية والشرقية والجنوبية حفار البركة الذي يبدو على شكل تلول مرتفعة.
وإلى الجنوب من البركة الدائرية توجد بركة أخرى مستطيلة الشكل تمتد من الشمال إلى الجنوب وتبلغ أطوال البركة التقريبية 20 × 40 متراً، وقد غطت الرمال والترسبات الطينية البركة من الداخل بحيث لم يبق من عمقها الأصلي سوى نصف متر من سطح الأرض ولا يتضح من معالم البركة إلا الأجزاء العلوية ويبدو أن البركة مدعمة بأكتاف نصف دائرية على الضلعين الشرقي والغربي ويتوسط الضلع الشمالي كتف نصف دائري فقط ويمائله في الضلع الجنوبي. والبركة مزودة بسلمين يهبطان إلى مستوى الماء، الأول في الركن الشمالي الغربي والآخر في الركن الجنوبي الشرقي. أما المصب الرئيسي للبركة فيقع في الركن الجنوبي الشرقي، وكلتا البركتين بنيتا بالأحجار البركانية المثبتة بالنورة، وتبدو بقايا الطبقات الجصية السميكة على الجدران الداخلية.
وإلى الشرق من البركتين على مسافة تتراوح ما بين 150 و 250 متراً تظهر بقايا حصن قديم أو قصر مربع الشكل تبلغ أبعاده في حدود 50 × 55 متراً، وتدل بقايا التفاصيل البنائية للحصن أنه بني بالأحجار البركانية، وتتميز أسوار القصر الخارجية بسماكتها كما تظهر التفاصيل المعمارية الباقية أن القصر كان مدعماً بأبراج دائرية في أركانه الأربعة وأبراج نصف دائرية في باقي أضلاعه. أما بوابة القصر أو الحصن الرئيسية فيبدو أنها صممت في نصف الضلع من الجهة الشمالية ويحتمل وجود بوابتين أخريين: الأولى شرقية والثانية غربية. ويتضح من الامتدادات الجدارية داخل الحصن وجود بقايا لغرف كثيرة في الجهة الجنوبية. وهناك تفاصيل جدارية في الجزء الشمالي بحيث توحي بوجود ساحات داخلية، وملحق بالحصن على الضلع الشمالي الشرقي بقايا الأساسات الجدارية لمسجد مستطيل الشكل ما زالت آثار محرابه واضحة ويبلغ طول المسجد حوالي 12 × 10 أمتار.
وهناك آثار لمبانٍ ومنازل قديمة تقع إلى الجنوب من البركة المستطيلة في الموقع. لقد تم تسجيل موقع ضليع الشق الأثري ضمن مشروع المسح الأثري لدرب زبيدة، وورد ذكر الموقع باسم ( كراع ) دون الإشارة إلى أي اكتشافات أخرى. وضليع الشق لا نرى سوى أنه هو المتعشى المعروف بين معدن بني سليم وأفيعية، وما زال اسم الموضع مطابقاً لما ذكره الجغرافيون باسم « الكراع».
فابن خرداذبة ذكر المتعشى باسم ( الكراع ) على 15 ميلاً من أفيعية، بينما ابن رستة يختصر المسافة إلى 14 ميلاً ولكنه يذكر الموضع باسم ( الكيرانة ).
كما تظهر في الموقع أطلال لأساسات وجدران مبنى حجري ضخم كان يُستخدم كاستراحة، قصر، أو مركز حماية وتأمين للحجاج. وتحيط بالموقع قنوات لتصريف المياه وتوجيهها نحو البرك لضمان توفير المياه طوال العام.
وفي الختام، يُعدّ توثيق معالم وطننا الغالي وإحياء تاريخها العريق في نفوس الأجيال الحاضرة والمقبلة ضرورة بالغة الأهمية. إن ربط الناشئة بجذور بلادهم يغرس في وجدانهم عشقاً صادقاً لهذه الأرض؛ فالنفوس الفطرية السليمة تحنّ دوماً إلى أوطانها وتتوق إليها، كما عبّر الشاعر:
لا يذكر الرمل إلاّ حنّ معترب
له بذي الرمل أوطار وأوطانُ
تهفُو إلى البانِ من قلبي نوازعه
وما بيَ البانُ بل مَنْ دارُهُ البانُ
وفي هذا السياق، تتجلى القيمة العلمية لأبحاث الكاتب الدكتور/ تنيضب الفايدي، والتي تميزت بأعلى درجات الدقة والتحقيق التاريخي. لذا يغدو حفظ هذا الإرث العلمي مسؤولية أساسياً لتستفيد منه الأجيال المتلاحقة، لا سيما مع احتمالية إعادة دراسة وتوثيق بعض المواقع والأماكن التاريخية الواقعة على «درب زبيدة» الشهير.
* * *
المراجع :
المناسك للحربي..
درب زبيدة للأستاذ الدكتور/ عبد الرحمن الراشد..
الأدب يخلد معالم الوطن للدكتور/ تنيضب الفايدي.
صيد الذاكرة الباصرة للدكتور/ تنيضب الفايدي .
آراء الكتاب
-
الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ
- 961
- 2016-02-09 17:29:26
محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...
-
حراسة الرمز - سعد الدوسري
- 1078
- 2016-02-09 17:29:27
سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...
-
الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض
- 958
- 2016-02-09 17:29:30
د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...
-
بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد
- 936
- 2016-02-09 17:29:32
يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...
-
دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي
- 925
- 2016-02-09 17:29:35
ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...
-
التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد
- 1156
- 2016-02-09 17:32:18
لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...