الثلاثاء, آب/أغسطس 18, 2026

All the News That's Fit to Print

مهدي العبار العنزي

تُقاس عظمة الأمم بما تختزنه في ذاكرتها الحضارية من قيم، وما تتمسك به في واقعها من شيم. وفي المملكة العربية السعودية، لا يمثل الكرم والتسامح مجرد سلوكيات عابرة أو مجاملات اجتماعية، بل هما فلسفة حياة ونسيج متين يربط الماضي بالحاضر، ويشكل ملامح الشخصية السعودية التي جمعت بين أنفة الصحراء ونبل الإسلام، لتصوغ للعالم نموذجاً فريداً في نبل الأخلاق وسعة الصدر.

في هذه الأرض المعطاءة، لم يكن الكرم يوماً نافلة قول أو استعراضاً للمظاهر، بل هو جزء أصيل من هويتها الوجدانية ونخوة أصلها. من دواوين اهل الباديه واهل القرى ومجالس الحضر، ظلت البيوت مفتوحة على مصراعيها، وجمر القهوة متقداً، والترحيب الحار بالقصّاد والضيوف ديدناً لا يتبدل. يُقاس قدر الكريم بمدى بشاشة وجهه قبل ما يقدمه على سُفرته؛ فالكرم السعودي يتجاوز بذل المادة إلى إشاعة الأمان، وتطييب الخاطر، وإيحاء الضيف بأنه في بيته وبين أهله.

وإذا كان الكرم هو السخاء باليد، فإن التسامح هو العطاء بالروح والتسامي عن الزلل. عُرف الإنسان في المملكة بشيمة العفو عند المقدرة، وجعل إصلاح ذات البين وسيلة لتقريب القلوب ورأب الصدع. التسامح هنا ليس ضعفاً ولا تراجعاً، بل هو دلالة على قوة النفس وسعة الفكر وأصالة معدنها.

ومع تطور الدولة واستقرارها، التحمت هذه الشيم العشائرية والاجتماعية بالأنظمة والمؤسسات، ليتحول التسامح إلى نهج دولة وحاضنة إنسانية؛ حيث تعيش على أرض المملكة عشرات الثقافات والجنسيات في تعايش تام، يظللهم العدل، ويحفظ كرامتهم القانون، في بيئة تنبذ العصبية وتُعلي من شأن الأخوة الإنسانية.

إن القيمة الحقيقية للتجربة السعودية تكمن في قدرتها على المحافظة على هذه المبادئ الشامخة وسط متغيرات العصر ومتطلباته. فمع النهضة الكبرى والرؤية الطموحة التي تسير بخطى ثابتة نحو المستقبل، لا تزال أصالة الموروث هي الركيزة التي يستند إليها الوطن. فالكرم يبني جسور التواصل مع العالم، والتسامح يفتح الآفاق للابتكار والتعايش والإبداع، مما يمنح المجتمع طاقة إيجابية ولحمة وطنية يستحيل اختراقها.

ولم تقف هذه الروح الإنسانية عند حدود الجغرافيا الوطنية، بل تعدتها لتصبح بصمة سعودية في المحافل الدولية؛ من خلال مد يد العون للمحتاجين، وإغاثة المنكوبين دون تمييز أو مفاضلة، ورعاية مبادرات الحوار بين أصحاب الأديان والثقافات المختلفة. إنها رسالة تؤكد أن الأرض التي روتها شيم النخوة والشهامة، ستظل يداها ممدودتين بالخير لكل بني البشر.

إن الحفاظ على هذه التركة العظيمة هو الرهان الأكبر والأجمل للأجيال القادمة. فالمباني تطاول السحاب، والتكنولوجيا تتجدد كل يوم، لكن القيم والأخلاق هي الثابت الذي يمنح المجتمع هويته وهيبته بين الأمم. وستبقى المملكة العربية السعودية بأذن الله بأصل رجالها وحكمة قيادتها ووفاء شعبها، منارة يستهدى بها في إقراء الضيف، وصفح القادر، ونصرة المظلوم واغاثةالملهوف، واحتضان العالم بروح ملؤها المحبة والسلام والتسامح والوئام والله من وراء القصد..

آراء الكتاب

  • الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ

    محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...

  • حراسة الرمز - سعد الدوسري

    سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...

  • الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض

    د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...

  • بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد

    يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...

  • دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي

    ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...

  • التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد

    لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...