الجمعة, أيلول/سبتمبر 04, 2026

All the News That's Fit to Print

يوسف المحيميد

لم تبدأ فكرة تأسيس جمعية آداب وفنون السرد «نالا» من مجرَّد نزوة أو فكرة عابرة لإنشاء كيان ثقافي جديد يُضاف إلى قائمة الكيانات الموجودة، بقدر ما بدأت من سؤال ظل يراودني مرارًا: لماذا لا يحظى السرد، بتنوعه ومختلف أجناسه وحضوره العميق في واقعنا، بمؤسسة متخصصة تحتضنه، وتجمع مبدعيه، وتعمل على تطويره بوصفه فنًّا ومعرفةً وذاكرةً إنسانية؟

كان اهتمامي الأول منصبًّا على القصة القصيرة؛ ذلك الفن الذي أسهم بفاعلية في تشكيل تاريخ الفن السردي السعودي الحديث، وقدّم أسماء وتجارب رائدة خلال ثمانينيات القرن الماضي، ثم وجد نفسه، في مراحل لاحقة، بعيدًا عن دائرة الضوء التي استحوذت عليها الرواية، خاصة في منتصف التسعينيات.

هكذا خرجتُ من مقهى تشكيل، ذات مساء، حيث نظمت جمعية الأدب المهنية جلسة حوارية لي بعنوان «قصة يوسف»، قررتُ خلالها أن أكتفي في الجلسة بالحديث عن القصة القصيرة، من تجربة الرواد في المملكة إلى تجربتي الشخصية في كتابة القصة القصيرة. بعد هذه الجلسة تحديدًا، عادت فكرة إنشاء جمعية لهذا الجنس الأدبي الذي يعاني من التهميش، لكن النقاشات المبكرة مع العزيزين فالح العنزي وسعود السويداء، وبقية الأصدقاء المؤسسين، كشفت لنا أن القصة القصيرة، على أهميتها، ليست سوى أحد الأبواب الواسعة لعالم السرد. فالسرد لا يتوقف عند الرواية والقصة فحسب، وإنما يمتد إلى المذكرات واليوميات وأدب الرسائل وأدب الرحلة، وصولًا إلى الأشكال الرقمية والبصرية الجديدة.

من هنا اتسعت الفكرة، وانتقلنا من التفكير في كيان يُعنى بالقصة القصيرة إلى جمعية تحتضن آداب السرد وفنونه بمفهومها الأرحب؛ جمعية لا تضع حدودًا ضيقة للحكاية، بل تتلمس تحوّلاتها المهمة، وتقرأ حضورها في الثقافة والمجتمع والفنون والمنصات الحديثة. وهكذا وُلد اسم «نالا»، حاملًا طموحنا إلى تأسيس بيت حقيقي للسرد ومبدعيه.

من مجرَّد شغف إلى عمل مؤسسي منظَّم

ليس من السهل أن تنتقل الفكرة الثقافية من حماسة فردية صادقة إلى مؤسسة تمتلك كيانًا قانونيًّا، ومجلس إدارة، ولوائح، ومسؤوليات مالية وإدارية، وحوكمة، بالإضافة إلى هوية بصرية، واستراتيجية، وخطط تنفيذية، وبرامج، ومبادرات، واستقطاب كفاءات، وغير ذلك. فالكتابة بطبيعتها فعل فردي حر، بينما تقوم المؤسسة على العمل الجماعي، وتنظيم الصلاحيات، وتوزيع المسؤوليات، والالتزام بالأنظمة والمعايير.

كان هذا الانتقال، من شغف فردي إلى عمل مؤسسي، واحدًا من أول التحديات التي واجهتنا. كان علينا أن نحافظ على حرارة الفكرة وروحها الإبداعية، وفي الوقت نفسه أن نبني لها إطارًا مؤسسيًّا يحميها ويضمن استمرارها. فالحماسة، مهما بلغت، لا تكفي وحدها لصناعة مؤسسة مستدامة، والرؤية الجميلة تحتاج إلى إدارة واعية متزنة، وموارد، وشراكات، وخطط قابلة للتنفيذ والقياس.

لم نكن نريد جمعية تبدأ بالضجيج وحفلات الإطلاق ثم يخفت حضورها، ولا مشروعًا يكتفي بالفعاليات العابرة والصور الإعلامية. كنا نطمح إلى تأسيس كيان ينمو بهدوء وثقة، ويعرف ما الذي يريد أن يضيفه إلى المشهد الثقافي، وما المساحات التي يمكن أن يشغلها دون أن يكرر ما تقوم به المؤسسات والجهات الأخرى.

ولهذا استغرق بناء الرؤية كثيرًا من الحوار والتفكير. ناقشنا مفهوم السرد، وحدود عمل الجمعية، والفئات التي تتوجه إليها، وطبيعة البرامج التي ينبغي أن تقدمها، والعلاقة التي نريد أن نبنيها مع الكتّاب والنقاد والباحثين والجامعات والجهات الثقافية. وكان السؤال الذي لا يخبو أبدًا: ما القيمة الحقيقية التي ستضيفها «نالا»؟

تحديات التأسيس وعثراته

واجهتنا، كما تواجه أي تجربة ثقافية ناشئة، تحديات متعددة. كان أولها تحويل الطموحات الواسعة إلى أولويات واضحة. ففي البدايات تتزاحم الأفكار: ملتقيات، وورش، وبرامج تدريبية، وإصدارات، وترجمات، وإقامات أدبية، ومنصات رقمية، وشراكات محلية وعربية. غير أن المؤسسة لا تستطيع أن تفعل كل شيء دفعة واحدة؛ لذلك كان علينا أن نرتب أولوياتنا، وأن نوازن بين ما نحلم به وما تسمح به الإمكانات في كل مرحلة، وتحديدًا الإمكانات المالية.

أما التحدي الثاني فكان بناء فريق شاب حيوي يؤمن بالفكرة، ولا يتعامل معها بوصفها مهمة إدارية مؤقتة. وقد كنت محظوظًا بفريق يمتلك روحًا هائلة وشغفًا لا ينطفئ؛ فريق آمن بأن نجاح الجمعية لا يصنعه شخص واحد، مهما كان موقعه، بل تصنعه مجموعة من المخلصين الذين يتقاسمون الرؤية والمسؤولية. وقد كان العمل بروح الفريق من أهم أسباب انتقال الجمعية من مجرد فكرة إلى واقع ثقافي حيّ.

ومن التحديات أيضًا محدودية الموارد في المراحل الأولى. فالعمل الثقافي يحتاج، إلى جانب الأفكار، إلى تمويل مستدام، ومقر، وكفاءات إدارية، وأدوات تقنية، وقدرة على التواصل والتسويق وإدارة الفعاليات. وكان لزامًا علينا أن نبحث عن شركاء يؤمنون بالمشروع وقيمته، وأن نبني علاقات تقوم على التكامل لا على الدعم العابر؛ لأننا ندرك أن الثقافة مسؤولية مشتركة، وأن المؤسسات الناجحة هي التي تستطيع توسيع دائرة الداعمين لرسالتها. وفيما يخص الكفاءات، عمل معنا شباب يؤمنون بالعمل التطوعي، ثم بدأنا بموظف واحد ومقر صغير للجمعية لا تتجاوز مساحته 22 مترًا مربعًا.

وواجهتنا أيضًا مهمة بناء الثقة، خاصة مع بعض الأدباء الذين يشعرون بالإحباط والتردد والشكوك تجاه أي مشروع ثقافي، لتبدأ أسئلة متوقعة من قبيل: ماذا سيقدم؟ وما الذي يميزه؟ وهل سيستمر؟ وهل سيكون مفتوحًا أمام مختلف الأصوات والأجيال والمناطق؟ لم يكن الرد على هذه الأسئلة ممكنًا بالشعارات، بل بالعمل نفسه. لذلك سعينا منذ البداية إلى أن تكون برامج الجمعية جادة، وأن يحضر فيها التنوع، وأن تفتح أبوابها للمبدعين والباحثين، وللأسماء الراسخة والأصوات الجديدة على السواء.

وكان من أكثر التحديات حساسيةً تحقيق التوازن بين الإدارة والثقافة؛ إذ لا ينبغي للأنظمة والإجراءات أن تطفئ روح الإبداع، كما لا يجوز للحماسة الثقافية أن تتجاوز متطلبات الحوكمة والانضباط. وقد تعلمنا أن الإدارة الثقافية ليست قيدًا على الإبداع، بل وسيلة لحمايته وضمان وصوله واستمراره، حين تُمارس بمرونة ووعي وروح جماعية.

لحظة الانطلاق وصوت المبدعين

حين أكملت «نالا» رسم هويتها البصرية، التي استُلهمت ألوانها من هوية وزارة الثقافة وهيئة الأدب والنشر والترجمة، وأسست موقعها الإلكتروني وحساباتها على وسائل التواصل الاجتماعي، بدأت الجمعية أنشطتها. وكنا ندرك أننا لم نصل بعد إلى نهاية رحلة التأسيس، بل كان لدينا يقين بأننا نقف عند بدايتها الحقيقية. فمجرد الحصول على الصفة النظامية، وتشكيل مجلس الإدارة، وإطلاق البرامج الأولى، وإطلاق الهوية والحسابات، ليست إلا خطوات تمهيدية. والاختبار الفعلي لأي جمعية ثقافية هو قدرتها على الاستمرار، وتطوير أدواتها، ومراجعة تجربتها، والاستماع إلى صوت مجتمعها من المبدعين والقرَّاء، وتحويل رؤيتها إلى أثر ملموس في المجتمع.

منذ الانطلاقة، حرصنا على أن تكون الجمعية مساحة مفتوحة للحوار والتجريب، وألا تحصر نفسها في شكل واحد من أشكال النشاط الثقافي. فالندوة، والجلسة الحوارية، وورشة العمل، والملتقى الأدبي، والإصدار، والترجمة، والمنصة الرقمية، ليست أهدافًا منفصلة، بل وسائل مترابطة لبناء بيئة سردية متكاملة. وما يعنينا في النهاية هو اكتشاف الأصوات الجديدة، وتطوير التجارب، وحفظ الذاكرة السردية، وفتح قنوات جديدة بين المبدعين والمتلقين على حد سواء.

واليوم، وقد أصبحنا على مسافة أيام قليلة من إطلاق «ملتقى نالا للسرد» في دورته الأولى، فإن ذلك يجسد جانبًا من هذه الرؤية. ولم يكن اختيار القصة القصيرة محورًا للدورة الأولى عودةً إلى نقطة البداية فحسب، بل كان وفاءً للفن الذي انطلقت منه الفكرة، واعترافًا بمكانته في تاريخ الأدب السعودي، ورغبةً في إعادة طرح أسئلته وتحولاته أمام كتّاب القصة ونقادها وقرائها.

كما جاء إطلاق الدورة باسم القاص الراحل محمد علي علوان تعبيرًا عن إيماننا بأن المستقبل الثقافي لا يُبنى من دون الاعتناء بالذاكرة وتكريم الرواد. فالجمعية لا تنظر إلى التراث السردي بوصفه ماضيًا مكتملًا، بل بوصفه أساسًا للحوار مع الأجيال الجديدة، ومصدرًا لفهم التحولات التي مر بها المجتمع والإنسان والكتابة.

وتكريم محمد علوان هو تكريم للجيل كله الذي أسس لفن القصة القصيرة الجديدة في السعودية، وأوصلها إلى منصات النشر العربي، كحسين علي حسين، وإبراهيم الناصر الحميدان، وعبدالعزيز مشري، وجارالله الحميد، وخيرية السقاف، وعبدالله باخشوين، ولطيفة السالم، وشريفة الشملان، ورقية الشبيب، وسعد الدوسري، وصالح الأشقر، وخليل الفزيع، وجبير المليحان، وعبدالعزيز الصقعبي، وآخرين… ذلك الجيل الذي نشر مجموعاته القصصية الأولى خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات الميلادية.

ما الذي ننتظره من «نالا»؟

ببساطة شديدة، ننتظر أن تكون بيتًا للسرد، لا منصة مناسبات؛ وأن تكون قريبة جدًّا من المبدع في بداياته، كما هي قريبة من أصحاب التجارب الطويلة. نريدها مساحة مفتوحة يلتقي فيها المبدع بالناقد، والكاتب بالناشر، والباحث بالمؤسسة، والنص المحلي بفرص الترجمة والوصول إلى العالم.

نطمح إلى أن تسهم الجمعية في بناء مختبرات للكتابة، وبرامج للإقامة الأدبية، ومشروعات للنشر والترجمة وحفظ الحقوق، وإيجاد شراكات مع الجامعات والمؤسسات الثقافية، ومنصات توثق المنجز السردي السعودي وتقدمه إلى القارئ العربي والعالمي. كما نطمح إلى ألا يبقى نشاطها محصورًا في مدينة واحدة، بل يمتد إلى مختلف مناطق المملكة، مستفيدًا من هذا التنوع الهائل في البيئات والحكايات واللهجات والذاكرة المحلية، وهو ما فعلناه بتوقيع عدة اتفاقيات تعاون مع جمعيات وم ؤسسات ثقافية في مناطق مختلفة من المملكة.

ولعل من المبشر والمفرح أن ثمة اتصالات وردتنا من مؤسسات ثقافية في دول عربية شقيقة لعقد شراكات معها، وهو ما نخطط لتحقيقه في العام المقبل، بإذن الله.

طبعًا، لا نزعم أن الطريق سيكون سهلًا، أو أن جميع الأفكار التي تراودنا ونحلم بها ستتحقق بالسرعة التي نتمناها. ما زالت أمامنا تحديات الاستدامة، والتمويل، والتوسع، وبناء الكفاءات، والوصول إلى المتلقي. لكننا تعلمنا من تجربة التأسيس أن وضوح الرؤية، والعمل بروح الفريق، والإيمان بالقيمة الثقافية للمشروع، يمكن أن تحوّل الفكرة الصغيرة إلى أثر يتسع بمرور الوقت.

لقد تأسست هذه الجمعية، «نالا»، لأننا نؤمن بأن الحكاية ليست ترفًا، وأن السرد ليس نشاطًا هامشيًّا في حياة المجتمعات المعاصرة، بل هو ذاكرة سردية نفهم من خلالها أنفسنا والعالم؛ نحفظ بها ذاكرتنا، ونقرأ تحولاتنا، ونمنح التجارب الفردية معناها الإنساني المشترك.

وإذا كانت «نالا» قد انطلقت من شغف مجموعة صغيرة بالسرد، فإن طموحنا أن تصبح فضاءً واسعًا لكل من يؤمن بقوة الحكاية، وبقدرتها على وصل الماضي بالحاضر، والمحلي الخاص بالعمق الإنساني، والذاكرة بالمستقبل.

إن «نالا» ليست حكاية جمعية اكتمل تأسيسها، بل هي حكاية مشروع بدأ للتو؛ نمضي في صفحاته الأولى، وما زالت فصوله الأجمل في انتظار أن تُكتب.

آراء الكتاب

  • الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ

    محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...

  • حراسة الرمز - سعد الدوسري

    سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...

  • الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض

    د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...

  • بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد

    يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...

  • دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي

    ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...

  • التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد

    لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...