الجمعة, نيسان/أبريل 17, 2026

All the News That's Fit to Print

تزاحُم الدول وتدافعها والمحافظة على توازن القوى يجعل كل دولة تحت نظر الأخرى. ومع تقدم التصنيع أصبح السلاح الاستراتيجي يمثل قوة ردع للمحافظة على السيادة وأيضا لممارسة أو التلميح بالقوة، وبذلك شهدت السنوات التي تلت الحرب العالمية الثانية تسابقا محموما في امتلاك السلاح النووي. الدول النووية في عصرنا الحاضر تتكون من أميركا التي امتلكته عام 1945م، وهي الدولة الوحيدة في العالم التي استخدمته، وتملك حوالي 5113 رأسا نوويا، ونشرت في حلف شمال الأطلسي (الناتو) نحو 200 رأس نووي ميداني وذلك من أجل شمول قوة الردع الاستراتيجي الدول الحليفة في مقابل التهديدات التي مثلها الاتحاد السوفياتي (روسيا حاليا).

وقد بلغ البرنامج النووي السوفياتي ذروته عام 1949م بتجربة أول قنبلة ذرية، ويقدر الخبرراء حجم الترسانة النووية لروسيا بنحو 2660 رأسا حربيا.

وتمتلك فرنسا نحو 300 رأس حربي نووي. أما بريطانيا فبدأت تجاربها النووية عام 1952م، ويتكون المخزون النووي لها من أقل من 180 رأسا نوويا، وبدأ البرنامج النووي الصيني عام 1955م، ومنذئذ أجرت 45 تجربة نووية، وتقدر وزارة الدفاع الأميركية أن الصين تمتلك ما بين 130 و195 رأسا نوويا.  وانضم إلى قائمة الدول النووية لاحقا كل من إسرائيل، والهند، وباكستان، وكوريا الشمالية، وتسعى إيران جاهدة نحو امتلاك السلاح النووي ولو بعد حين.

عام 1902م بدأت الدولة تتشكل، وفي ذهن مؤسسها امتلاك القوة الاستراتيجية، ولأن القوة في ذلك الوقت لم تكن سوى القوة المادية من تصنيع وتسابق نحو امتلاك أسلحة الدمار الشامل، فقد كان الملك عبدالعزيز يلم شتات إمارات شبه الجزيرة العربية واحدة تلو الأخرى. وتمثلت القوة الأولى التي أعطت هذا الكيان الناشئ تفردا هي استعادة وضم مكة المكرمة والمدينة المنورة إلى أراضيه، إلى درجة أن الثوار السوريين العروبيين وفدوا على الملك عبدالعزيز وهو في شظف من العيش لا يملك سوى قوة الإرادة، وحنكة القيادة، ودهاء الرأي، إلى جانب امتلاكه قلب العالم الإسلامي وجوهر قوته. لم تكن الدولة العثمانية أو ما يسمى الرجل المريض من المصداقية الدينية بحيث تنافسه أو تحاربه على المدينتين المقدستين، فقد جاء الإمام وتقدم صفوف المسلمين، معلنا أنه الوحيد القادر على خدمة مقدسات المسلمين وحمايتها وإتاحتها للزوار والمعتمرين والحجاج وتأمين الركع السجود فيهما.

أرض قاحلة، وشعب جائع، وصحراء مترامية الأطراف، ودولة يفتك بشعبها ثلاثي الجهل، والفقر والمرض. كانت فترة التوحيد إبان انشغال العالم بالحرب العالمية الأولى وإرهاصاتها، واستوت الدولة على سوقها في وقت يستعد فيه العالم لخوض حرب كونية ثانية، ولذلك لم يكن هناك من يستغرق الوقت والجهد في دراسة مستقبل هذه الدولة التي وحدت الجزيرة العربية وضمت داخل حدودها الجغرافية المقدسات الإسلامية. أميركا على سبيل المثال تلكأت في تقدير قوة هذه الدولة الوليدة، ومنذ اعترافها بها عام 1928م إلى عام 1942م لم تحرك ساكنا تجاهها، ولم يكن لها تمثيل دبلوماسي معلوم فيها. ومنذ عام 1933م بدأت ملامح قوة أخرى تظهر على السطح، وهي قوة قد لا تكون بنفس الخطورة في دولة غير المملكة، وسبب حساسيتها بالنسبة للسعودية أنها ستضيف إلى قوة الدين قوة اقتصادية ضخمة ما يجعل المملكة الدولة الوحيدة في العالم التي تجمع قوتين ضاربتين يصعب على العالم تحملهما طويلا دون أن تقترب منها الدول العظمى لمعرفة نوايا هذه القوة التي تشكلت على حين غرة. وبذلك خرج الرئيس روزفلت بكلمته الشهيرة عام 1942م والتي قال فيها بأن أمن السعودية هو جزء من أمن أميركا، وبدأ التحول في العلاقات السعودية - الأميركية يأخذ طريقه المعروف.

إسرائيل لم تكن موجودة حين توحدت المملكة، والثورة الإيرانية التي جاءت بولاية الفقيه كانت لاحقة، ولذلك فإن حجم التحديات التي واجهتها المملكة منذ توحيدها وحتى عام 1979م كان مقدورا عليها رغم خطورتها. إلا أن ظهور منافس على قيادة العالم الإسلامي، معصوم من الخطأ بزعم أتباعه، واعتبروه ظل الله في الأرض، وجيشه عقائدي هدفه تطبيق القانون الإلهي في العالم من خلال الجهاد في سبيل الله حسب دستورهم. ذلك النظام بكل طموحاته، وتطلعاته يدرك أنه لن يتقدم خطوة في ظل وجود السعودية التي تمتلك الشرعية الدينية والقوة الاقتصادية. ولأنه لم يكن قادرا على اللعب فيما يتعلق بالنفط لأنه أول الخاسرين، فقد توجه إلى عامل قوة السعودية الأهم وهو الدين، فعمل على تبني برامج تنظيم القاعدة، وعقد تحالفا معها برعاية المحافظين الجدد في أميركا الذين يرون في الإسلام العدو الأساس بعد الشيوعية.

ومنذ عام 1979 والمملكة في مواجهة مفتوحة مع الإرهاب ومع وكلاء إيران كحزب الله وأنصار الله. ونجحت إيران في ضرب حلف السعودية الأقوى في أحداث 11 سبتمبر 2001م، وهي تواصل شيطنة المسلمين السنة وبخاصة السلفيين تارة واستثارتهم بتدخلاتها تارة أخرى من أجل إنهاك المملكة العربية السعودية وإضعاف نفوذها، وضرب علاقاتها الاستراتيجية.

حجم التحديات التي تواجهها المملكة ليست وليدة اليوم، وإنما هي محاولة مستميتة من إسرائيل وإيران وتيار المحافظين الجدد في أميركا لتصحيح ما يعتبرونه خطأ تاريخيا جمع لدولة واحدة قوتين دينية واقتصادية لا تتوفران لغيرها. واتخذت حربهم على هذا الكيان عدة مسارات منها صناعة الجماعات الإرهابية وإلباسها ثوب السلفية أو ما يسمونه الوهابية، ومنها التشكيك في كل المكتسبات والمنجزات، ومحاولات اختراق الداخل بالإشاعات، ومنها إيهام الغرب بأن إيران هي الحليف الذي يتقاسم معه قيما مشتركة فيما يتعلق بالديمقراطية والانتخابات وإن كانت صورية.

تعمل إيران وإسرائيل والمحافظون الجدد على دعشنة العرب السنة جميعا، وشيطنة قلب العالم الإسلامي السني، وكل ذلك من أجل اختراق تحالف الدين والاقتصاد في دولة هي موقع احترام 85% من المسلمين في العالم، وتملك ثاني أكبر احتياطيات نفطية مثبتة.

العداء والاستهداف للمملكة هدف استراتيجي يسعى لعزلنا عن المسلمين في أديم السلفية والوهابية واعتبارهما سبب الإرهاب العالمي، بينما الواقع أن هذه الدولة بدينها واقتصادها هي الهدف.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


لمراسلة الكاتب: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


آراء الكتاب

  • الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ

    محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...

  • حراسة الرمز - سعد الدوسري

    سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...

  • الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض

    د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...

  • بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد

    يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...

  • دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي

    ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...

  • التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد

    لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...