الجمعة, نيسان/أبريل 17, 2026

All the News That's Fit to Print

د. جاسر الحربش

في أواخر القرن التاسع عشر شحت الموارد وازدادت المصاريف في إيران. لم تتوفر آنذاك لإيران كوادر وطنية لضبط حركة الأموال ولا المهارات لإدارة وسائل الإنتاج، وهذه الأخيرة كانت في زمنها محدودة بالمحاصيل الزراعية وصيد الأسماك وتجارة التبغ. في نفس الزمن كانت بريطانيا (العظمي آنذاك) وروسيا القيصرية وهولندا تتنافس على المواقع الجغرافية وتمسح مكامن الثروات بالعالم بكامله في غفلة الجهل التي كانت عليها الشعوب والحكومات المحلية، ومنها إيران. بسبب الحاجة إلى السيولة قامت الحكومة الإيرانية باقتراض الأموال من الحكومات والشركات والبنوك الأجنبية للحصول على السيولة، مقابل إعطاء امتيازات مشروطة بوفاء القروض في آجالها المحددة، للتنقيب عن الثروات واستخراجها وتسويقها، بالإضافة إلى الإشراف على إنتاج وتسويق المحاصيل الزراعية الهامة وفتح أجزاء من الموانئ البحرية الإيرانية للسفن التجارية الأجنبية.

خلال عقدين من الزمن وجدت الدولة الإيرانية نفسها مطالبة بتسديد ما وقعت عليه، كما أن بريطانيا كانت قد مسحت مكامن الثروات في الأراضي الإيرانية، وروسيا تهدد وتطالب بحصتها، والولايات المتحدة الأمريكية تحاول الدخول إلى ذلك السوق المفتوح على ثروات هائلة. في النهاية سيطرت بريطانيا على النفط والموانئ وتجارة التبغ المربحة، وحصلت روسيا على حقوق تجارة الكافيار، وبقية القصة تحولت إلى تاريخ صراع بين مراكز القوى في الداخل الإيراني وبين إيران والدول الأجنبية.

ما كان يراد منه تسهيل الاستمرار في أوجه الصرف القديمة بطريقة الحصول على قروض مشروطة، تحول إلى كابوس اقتصادي استمر حتى خمسينيات القرن العشرين. قد يفهم البعض، بقصد أو بغير قصد، أن في هذه المقدمة التاريخية محاولة إسقاط على بعض النقاط في رؤية التحول الوطني السعودي، هذا الفهم خاطئ جملة وتفصيلاًً وكاتب هذا المقال من أول المقتنعين بضرورة التحول وبأهدافه، وقد فهمت من إجابات سمو الأمير محمد بن سلمان في مقابلة بلومبيرج، وهو الإداري الأول في عملية التحول الوطني، أن ما هو مطروح حالياً «رؤية عامة للتحول الوطني» سوف تعرض للنقاش والتمحيص للداخل فيما بعد. هذا التصريح مطمئن ومريح ويقطع الطريق على من يزعم بأن الأمر قد بت فيه وسوف يبدأ التنفيذ في القريب العاجل قبل نقاشه وإدخال مرئيات التعديل والتبديل والحذف والإضافة عليه في الداخل.

في جلسات النقاش المحلية، وهي كثيرة وذات مستوى عالي الوطنية والجودة، يتكرر العتب والتساؤل حول نقص المعلومات وغياب من يعطي التفاصيل في برنامج التحول الوطني عن الحديث الإعلامي المفتوح إلى المواطنين في القنوات السعودية.

من المحتمل أن البت في تحول جذري عندما يمس شركة أو مؤسسة أو حتى وزارة خدماتية قد لا يحتاج إلى تشارك آراء واسع ومفتوح، لكنه عندما يمس وطناًً بسكانه ومستقبله، لا مناص عندئذ من إشراك الناس في الفهم واتخاذ القرار، وبالتالي في تحمل المسؤولية عن الناتج النهائي. الوطن لديه ما يكفيه من أصحاب الرأي والاختصاص والخبرة، ومن تجارب ونتائج الاستشارات والتعاون مع الأجانب، هكذا يصبح المواطن مقتنعاً مشاركاً في النجاح إذا تحقق ومشاركاًً متقبلاً في حالة التعثر لا سمح الله.

من المؤكد أن الدولة الإيرانية في أواخر القرن التاسع عشر كانت لديها الأعداد الكافية من أصحاب الرأي الذين تحفظوا على إعطاء المصداقية الكاملة للاستشارات والوعود ومظاهر الصداقة مع التكتلات الاقتصادية الأجنبية. ولكنها تفاءلت وصدقت ثم حصل ما حصل.

وكلمة أخيرة في منتهى الصراحة: لن يتفاعل المواطن بإيجابية مع مسيرة التحول الوطني بقناعة وإنتاجية ما لم يتم إشراكه منذ البداية في مسؤوليات الربح والخسارة. التحولات الكبرى تحتاج إلى ما هو أكثر من الإيمان بتكامل الاقتصاد العالمي تحت مسمى العولمة. التشارك مع الآخرين في أية جزئية مهما صغرت من الأصول والثروات الوطنية يعني بالضرورة الشراكة مع أطراف تعمل أولاًً وأخيراًً لمصالح مرجعياتها المؤسساتية والوطنية. ولكن هل يخفى هذا القلق الوطني عن الجهاز الإداري المسؤول عن برنامج التحول الوطني؟. بالتأكيد لا، وربما هو على رأس أولويات البرنامج.

آراء الكتاب

  • الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ

    محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...

  • حراسة الرمز - سعد الدوسري

    سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...

  • الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض

    د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...

  • بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد

    يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...

  • دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي

    ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...

  • التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد

    لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...