السبت, نيسان/أبريل 18, 2026

All the News That's Fit to Print

يوسف المحيميد

لعل أصعب ما يمكن أن يتعرض له المثقف العربي من اختبار حينما يكون الموقف الصحيح الذي يجب اتخاذه مغايراً لمواقف العامة والدهماء، مما يعني الحاجة إلى شجاعة نادرة، وأن يستقبل بصدر عار الحملات العشوائية من السخط العام، والتخوين، والاتهام ببيع الضمير مقابل حفنة من المال، وتزداد الحملة شراسة حين يكون الموقف والقرار المتخذ من قبل سياسي على سدة السلطة في بلد ما، كما حدث للرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، حول قضية جزيرتي «صنافير» و»تيران» السعوديتين، حينما تم توقيع تعيين الحدود البحرية مع السعودية.

لقد كان الرئيس هادئاً ومتزناً، وهو يصرح حول هذا الأمر، وفيه أمران مهمان أشار إليهما، الأول أن هذا الموضوع لم يتم تداوله من قبل حتى لا نؤذي الرأي العام في البلدين - حسب وصفه - ومراعاة للظروف السياسية والأمنية وتولي مصر مسؤولية الحفاظ على هاتين الجزيرتين ولتداعيات حرب 1967، ثم السلام، ثم معاهدة السلام وما لها من حساسيات.

أما الأمر الثاني فهو أمر مهم للاقتصاد المصري، ويعني أن تعيين الحدود يتيح لمصر التنقيب في المياه الاقتصادية التي تتبعها، وهو ما حدث لمصر من اكتشاف حقل الغاز بعد تعيين الحدود مع قبرص، وكذلك مع اليونان، بمعنى أن تعليق الأمر ليس في صالح مصر ولا السعودية، فضلاً عن أن هذا الأمر خضع لدراسات ومراجعات واجتماعات لسنوات من قبل لجان في وزارات الخارجية والدفاع والمخابرات العامة في كلا البلدين.

ولعل أفضل ما قامت به وزارة الخارجية المصرية هو قيامها بالإفراج عن وثائق تثبت أن السعودية تمتلك هاتين الجزيرتين، من خلال مكاتبات عديدة جرت بين مصر والأمم المتحدة من جهة، وبين الرياض والقاهرة من جهة أخرى على مدى العقود الستة الماضية.

إن ما يثير الانتباه هو ردود الفعل من قبل شخصيات عامة لها أهميتها، كصاحب (عزازيل) الروائي يوسف زيدان، الذي أزعجه نشر الخارجية المصرية مثل هذه الوثائق، واعتبرها مكاتبات ووريقات لا يعتد بها، وطبعاً كعادة المثقفين العرب، شتم في معرض شتائمه السيد النفط، وأكمل ذلك بوصف لم أتخيل إطلاقاً أن يصدر عن شوارعي، فضلاً عن باحث وروائي، حين وصف الجسر الذي سيؤثر بشكل إيجابي كبير على اقتصاد البلدين، بالذات مصر، بأنه جسر ملذات، وهي رؤية ساذجة لمن لا يفهم أبجديات الاقتصاد قبل أبجديات السياسة، والقوانين الدولية.

كم من المخزي أن يسلم المثقف رأسه للعامة، وألا يكون موضوعياً وعلمياً، وأن يفتعل بطولة مجانية لا قيمة لها، أمام الحقائق والمواثيق والأعراف الدولية، خاصة حينما يعلن بطريقة عاطفية فجة على غرار الكيتش أو السنتمنتالية بقوله: «إن هاتين الجزيرتين مصريتان، وسوف أدفع ثمن هذا الكلام باهظاً، وربما يعالجونني بعملية جراحية عاجلة، تستأصل من قلبي حبه لهذا الوطن!» انتهى.

لا تعليق!

آراء الكتاب

  • الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ

    محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...

  • حراسة الرمز - سعد الدوسري

    سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...

  • الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض

    د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...

  • بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد

    يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...

  • دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي

    ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...

  • التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد

    لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...