السبت, نيسان/أبريل 18, 2026

All the News That's Fit to Print

محمد آل الشيخ

في كثير من حواراتي مع بعض الفعاليات السعودية، ذات التوجه المتأسلم، عادة ما أطرح سؤالا فحواه: لماذ أنتم ضد (التغريب) في حين أن الحضارة التي تشرئب لها أعناق شعوب الأرض اليوم هي في حقيقتها وجوهرها غربية المنشأ؟.. فلا أجد إلا إجابات تدور وتحورعلى (يجوز ولا يجوز) في أغلبها، وجزء أقل يضع (الهوية) والحفاظ عليها قضية يجب أن تكون على رأس أولويات اهتماماتنا، لأن التغريب يمس الهوية، ويُذوب خصوصيتنا.

فئة (يجوز ولا يجوز) يلجأون إلى أن أخلاق الغرب، وما يسمحون به في مجتمعاتهم، لا تسمح به أخلاقنا، ولا شرعنا، ناهيك عن عاداتنا وتقاليدنا. مثل هذه الحجة يمكن السيطرة عليها بالقوانين والأنظمة التي تعالج هذه الجزئيات إذا افترضنا جدلا صحتها؛ غير أن الغوص في قراءة شرائع الغرب ومعظم أخلاقياتهم، تجد أغلبها، ولا أقول كلها، تتماهى مع أخلاق شرائع الدين، لدرجة أن الفقيه والإمام الشيخ محمد عبده، عندما زار أوروبا في مطلع القرن العشرين، قال مقولته الشهيرة والتي سارت بها الركبان: (ذهبتُ للغرب فوجدتُ إسلاما ولم أجد مسلمين وعدت إلى الشرق فوجدت مسلمين ولكن لم أجد إسلاما)؛ والشيخ - كما هو ثابت - كان من أهم الرموز التي دافعت عن الإسلام في وجه المستشرقين الغربيين الذين كانوا آنذاك طلائع من شككوا بالإسلام وتعاليمه، وصلاحيته من حيث المبدأ والمنطلق كمصدر من مصادر التقنين التشريعي. صحيح أن هناك بعض التفاصيل وربما القوانين التي لا تتوافق مع شرائع و أخلاقيات الإسلام المقدسة، وأشهرها دور البغاء التي تشرعها بعض الدول مثلا، إلا أن أغلب الغربيين، والمحافظين منهم على وجه الخصوص، يحاربونها وبشراسة؛ ولا يجب منطقيا أن نعمم بعض الاستثناءات الجزئية، لنلغي بها العموميات وهي بلا شك الأغلب. خذ - مثلا - (قوانين التحرش بالنساء)، ستجد بوضوح أنهم في غاية التشدد حيال هذا التدني الأخلاقي غير الإنساني القميء، في حين أن مجلس الشورى في المملكة - مثلا - صوتت أغلبية أعضائه - للأسف - ضد إقرار أية آلية قانونية، من شأنها كبح جماح ظاهرة التحرش؛. كما أن دور البغاء، واستعمال جمال المرأة أو أنوثتها، واستغلالها لتسويق البضائع بصورة تفسخية، أصبحت اليوم ممارسات مرفوضة، على اعتبارها قضية مبتذلة أخلاقيا، تمنعها اتفاقيات مناهضة الاتجار بالبشر، ومثل هذه الاتفاقيات في منطلقاتها محض لا أخلاقية.

أما الفئة الأخرى، التي ترفض (التغريب) فهم من يرفضونها بحجة (الحفاظ على الهوية الموروثة).. والسؤال هنا : هل قضية (الهوية) من الشؤون الثابتة الخارقة للزمان والمكان، التي لا تتغير ولا تتبدل، حتى وإن وقفت حائلا بين الإنسان وتحديثه والرقي به؟.. فلماذا لا نطور (هويتنا) لتواكب متطلبات التنمية؟ .. ولو قرأ أي إنسان موضوعي وعقلاني ثقافة الغرب الفلسفية، سيجد أن اهتمام الغرب بالأخلاق، ومقتضياتها، تعتبرها كل الدساتير الغربية المعاصرة بلا استثناء من القواعد (فوق الدستورية)؛ صحيح أن هناك بعض الفروقات بين ما هو أخلاقي في أعرافهم، وبين ما هو أخلاقي في أعرافنا، إلا أن هذه الفروقات تعتبر ضئيلة، وكذلك هي موجودة أيضا بين دول الغرب ذاتها؛ فالفيصل بينما هو أخلاقي وما هو غير أخلاقي، يكمن دائما وأبدا في ما تسمح به وترفضه القوانين المرعية.

والسؤال الذي قد يطرحه قراء هذا المقال: لماذا تصر على التغريب؟ .

السبب أنني وجدت من قراءاتي لأدبيات التأسلم والمتأسلمين، أن من أهم الشعارات التي يطرحونها، ويدافعون عنها، وهي من أهم عقبات التحضر والتنمية في مجتمعاتنا، هي هذه العبارة؛ فهم ضد تطوير التعليم لأن الدعوة إلى المناهج الغربية (تغريب)، وهم ضد الابتعاث للدراسة في الخارج لأنها (تغريب)، وضد عمل المرأة لأنه (تغريب)، وضد تقنين الشريعة لأنها ممارسة تغريبية، وضد الترفيه لأنه (تغريب). وكل تلك الشؤون، هي من أساسيات (التنمية) بمعناه الواسع، لتصل إلى حقيقة مؤداها أن (التغريب) في قواميسهم هي (التنمية)، وغني عن القول: إن الدول التي لا تنمو ولا تتغير، وتتكلس ولا تتطور تنهار فتموت حتما.

إلى اللقاء.

آراء الكتاب

  • الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ

    محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...

  • حراسة الرمز - سعد الدوسري

    سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...

  • الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض

    د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...

  • بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد

    يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...

  • دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي

    ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...

  • التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد

    لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...