د.العثيمين رحمه الله - د. عبدالله بن إبراهيم العسكر
تلقيت مساء الثلاثاء 19/4/2016 خبرًا حزينًا عن وفاة أستاذي الدكتور عبدالله العثيمين رحمه الله (1354 ه-1437). الموت حق ولكن أثره يختلف من شخص لآخر. أبو صالح وهذا ما يحب الناس أن تناديه به، بعيدًا عن الألقاب والصفات الرنانة، له مكانة سامقة في نفسي، وذكريات طوى بعضها الزمن واستعصى الآخر. وكنت كتبت عنه في حياته في مجلة جسور التي يصدرها مركز حمد الجاسر حديثا، ونُقل لي أنه استحسنه.. وسأشير إلى بعض ما استحسنه رحمه الله.
لقد كان من حسن الطالع أن تتلمذت على يده رحمه الله، ولعله من صفاء الزمن لي أنني عرفته وهو حديث العهد بالتدريس. فقد درسنا عليه مقرر: تاريخ المملكة في الفصل الأول من عام 1392ه، حيث كان رحمه الله أستاذا بارعًا، متحدثًا لبقًا تملؤه الحماسة لعمله، عرفناه مثقفاً ثقافة واسعة ذات ميل نحو اليسار التقدمي، وكان هذا الميل يغلب على العرب في سبعينيات القرن الميلادي الفارط.
وما أثارنا نحن الطلبة أنه يتحدث بلغة عربية فصيحة، خلاف كل الأساتذة في كلية التربية التي أسستها اليونسكو وجلبت لها أساتذة من عرب أوروبا وأميركا، وكانوا لا يتحدثون إلاّ بلهجات بلدانهم العربية. ولم أسمعه في الفصل يتحدث باللهجة العامية، إلاّ في أروقة الكلية أو في الرحلات. ويظهر أن القدر قد كتب لي أن أحظى بمحبته ومن ثَمَّ صداقته إثر قصة لا أخجل أن أرويها.
كنا خليطًا من الطلاب من مختلف مدن المملكة، وكعادة الخليط تدور بيننا ممازحات وربما مماحكات حول بعض المسائل واللهجات، وربما حول بعض العادات في تلك المناطق. وكنا نحب هذا النوع من اللهو البريء، وطالما وقف بعضنا ينتقد مسألة ما، أو يقارن بين مدينة وأخرى. وكانت أشد المقارنات تحدث بين طلاب من مدينتي عنيزة وبريدة، أو بين الأحساء والرياض، أو بين المدينة المنورة والرياض. وكنتُ الوحيد من مدينة المجمعة، لهذا أقف مرة مع هذا الزميل وأخرى مع ذاك الزميل.
ولا أبالي بما أقول لأنه لا عمري ولا ثقافتي تسمحان بمراقبة ما أقول. وحدث أنْ كان أستاذنا رحمه الله يلقي محاضرةً عن التاريخ السعودي وعرّج على القصيم، ثم ذكر مدينة عنيزة، وقال عنها هي المدينة التي سماها المؤرخ والأديب والرحالة أمين الريحاني (1876-1940): باريس نجد. وكنا قبل المحاضرة نستمع إلى بعض اللهو بين طالب من عنيزة وآخر من بريدة. فقال له الأخير إن عنيزة ليست مدينة كبيرة مقارنة ببريدة، وبالتالي هي تبع لها. فرد عليه الآخر إن عنيزة أشهر وأكبر من بريدة وقد ذكرها الريحاني وأثنى عليها ولم يذكر بريدة.
تذكرت هذا الكلام وقارنته بما يقول أستاذي د.العثيمين عن عنيزة. وبدون مقدمات رفعت يدي طالباً التعليق فأذن كعادته، بل إنه يشجع الطلاب على المشاركة مهما تكن. فقلت له: كلام الريحاني لا يصح في العقول. لا يمكن مقارنة عنيزة بباريس. والأمر عندي لا يخرج عن احتمالين لا ثالث لهما: إما أن الريحاني لم ير عنيزة، أو أنه لم ير باريس. فضحك د.عبدالله. وقال لله درك أنت مشروع مؤرخ. وهو كان أحد أسباب توجهي لإكمال تعليمي العالي في تخصص التاريخ.
ثم أثنى علي وشجعني وقال هذا ما أريده منكم أن تتدربوا على الفكر الناقد، وألاّ تعدوا ما تقرؤونه من المسلّمات. لكن عليك أن تعرف أن الريحاني زار كلتا المدينتين، وهو يعرف ما يقول، ولكن تسمية عنيزة بباريس نجد من باب أنها مدينة منفتحة بالنسبة لما حولها من مدن، ولم يقصد مقارنتها بباريس.
وكان من طريقته المحببة أنه يستشهد بالشعر الشعبي في درس التاريخ. ونحن في تلك السن نعرف الشعر الشعبي ونطرب له، خصوصا أنه يُفسر لنا بعض مغاليق التاريخ المحلي، بعكس الشعر العربي الذي لم أجد له علاقة بالتاريخ المحلي. وكم كان يفرحنا عندما يسرد من ذاكرته قصيدة العوني.
ولا ننسى دروسه عن الدعوة السلفية واستشهاده بشعر حميدان الشويعر. وكانت دروسه عن الدعوة السلفية جديدة علينا تماما، لا من حيث المعلومات ولا من حيث المنهج. ومنهجه جديد لا نعرفه. وكثيراً ما يؤكد لنا أن طالب التاريخ والباحث فيه عليه بالحياد والموضوعية لأنهما عماد جودة البحث بدرجة كبيرة. وعلمنا رؤيته للتاريخ بالالتزام الصارم بالمنهجية العلمية التاريخية. لكن عندما كبرنا عرفنا أنه المنهج الغربي في درس التاريخ. وهو منهج استخدمه في رسالته للدكتوراه عن: الشيخ محمد بن عبدالوهاب، حياته وفكره.
والفقيد رحمه الله يتميّز بذاكرة قوية، ويعرف الطلاب معرفة دقيقة، بل كان وفي أوقات الفراغ يقص علينا حكايات تاريخية إما عن بلدة الطالب، وإما عن أسرته، وإما عن بعض رجالات بلده. وكان يهتم بالأنساب والقبائل، ولكن ليس من باب التعصب، ولكن من باب أن النسب والقبيلة ثقافة من ثقافة الجزيرة.
على أنه لا يفرق بين الطلاب. وكان يحرص علينا كل الحرص، بل إنه يصحح لنا الأغلاط النحوية والإملائية. وكنتُ كثير الأغلاط مقارنة بزملائي القادمين من حواضر كبيرة. وقال معلقاً إن سبب ضعفك راجع لضعف تأسيسك في اللغة.
وقد حُبب له النزهة والرحلة مع الطلاب، وإذا خرج كان رجلاً لا يختلف عما عرفناه في الفصل، لكنه يتحدث بالعامية، وربما كان يقصد القرب والأنس، وهو يفعل هذا مع بقية الأساتذة. وكان يحب إلقاء الطرف والنكت والقصائد والحكايات العجيبة التي واجهته في مسيرة حياته. وقد قال مرة لنا: لا تكونوا جادين في الدرس كثيرا، وراوحوا بين العقل والقلب، واقرأوا ما تيسر لكم من كتب الأدب العربي لتصبح لغتكم متينة، ولترتاح نفوسكم، خصوصاً أن كتب الأدب العربي من مصادر التاريخ المعتبرة.
غادرت الرياض مبتعثاً للدراسة في الخارج وبعد عودتي لقسم التاريخ عام 1985م وجدت أستاذي رحمه الله ملء السمع والبصر. وهو لقِيني محتفياً بي. وقال أنت الآن زميل لي. ففرحت بهذا الإطراء. وكان يسأل عني ويهديني بعض كتبه. وكنت وما زلت، والله أجد فيها شيئاً غير يسير مما كان يدرسنا ويتحدث به إلينا. لكنني وجدت له دواوين شعر بالفصحى وأخرى بالعامية.
وهذا جديد علي وعلى زملائي. والله ما كنا نعرف أنه شاعر، ولم يقل لنا ذلك. فتأمل تواضعه ونكران ذاته.
رحم الله أستاذنا الدكتور عبدالله العثيمين وجزاه عنا خير الجزاء. والعزاء لحرمه وابنائه وبناته وأسرته الواسعة ولكل محبيه..
آراء الكتاب
-
الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ
- 660
- 2016-02-09 17:29:26
محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...
-
حراسة الرمز - سعد الدوسري
- 764
- 2016-02-09 17:29:27
سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...
-
الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض
- 639
- 2016-02-09 17:29:30
د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...
-
بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد
- 633
- 2016-02-09 17:29:32
يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...
-
دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي
- 626
- 2016-02-09 17:29:35
ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...
-
التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد
- 832
- 2016-02-09 17:32:18
لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...