المنتزهات العامة وغياب الرقابة | لمياء باعشن
من السيارة حتى أضاءت المصابيح التي كانت منتشرة على طول الممشى حتى أنني لم ألحظ غياب الشمس التدريجي. امتد الممشى أمامي على مد النظر وبدأت خطواتي تنتظم على الرصيف العريض وعيناي تجولان في الفضاء الممتد.
كان المكان الواسع ممتلئًا بالناس فرادى وجماعات، عوائل وشباب، أطفال وكبار في السن، زادهم الجو الجميل بهجة وإقبالًا على المشي والهرولة بنشاط. لم يكن أحد يهتم بأحد، والكل منهمك فيما جاء من أجله: مررت بمنطقة رملية نـُصبت فيها ألعاب للأطفال وكانت زاهية بألوانها وألوان ملابس القافزين والمتسلقين والمتأرجحين، زاهية بضحكاتهم وتدافعهم وتمازحهم. على يمين مساري جلس رجل وزوجته يحتسيان الشاي على كرسيين بالقرب من سيارتهما. وعلى يسار مساري افترشت العائلات أجزاء من المسطحات المغطاة بالحشيش الأخضر يقتسمون أطعمة خفيفة. كان الشباب يُهرولون على أنغام الآيبود في مسار خاص للجري في الجانب الآخر للممشى ينتهي بهم إلى منطقة أخرى بها ما لا يقل عن 20 جهاز رياضي، وفيها متسع للأطفال الأكبر سنًا للعب الكرة وركوب الدراجات والسكيتات بأنواعها. كنت أتحرك بين الناس ويتحركون من حولي في منظومة جمعية محفـّزة.
حين تعبت في منتصف المشوار جلست لأستريح على أحد المقاعد الحجرية المنتشرة في كل مكان، وجُـلتُ ببصري لأتأمل أنواع مختلفة من الأشجار والزهور والنخيل المتراصة بشكل متسق، وكان انطباعي الأول أن كلمة ممْشى لا تكاد تصف المكان، فهو منتزه متكامل ومتنفس عام لسكان جدة وزائريها. والحقيقة أنني شعرت بالسعادة والفخر بهذا المكان (الجديد) وتنظيمه ونظافته، وأعجبتني الروح التي سادت المكان، روح المشاركة مع الغير في مساحة عامة واحترام الحريات الخاصة وعدم التطفل أو المضايقة للمرتادين. أعداد كبيرة من المتنزهين ولم يكن بينهم رقيب ولا حسيب، كلهم يتصرفون برقي وتحضر بالغ، لا يعترضون على أحد أو يتدخلون في شأن أحد، ورغم ذلك فإن الفرد يشعر بالأمان بين الجماعة ويستأنس وجودها من حوله.
ولكن.. كانت هناك ضرورة لرقيب يتابع سلوكيات المحافظة على نظافة المكان. الممشى الجميل به 70 سلة مهملات، وربما عدد مماثل من حاويات الزبالة بجانب المواقف، ولكن حين راقبت المنظر من قرب رأيت قوارير الماء البلاستيكية وعلب المشروبات والأكياس والأوراق وبقايا الطعام وكم هائل من قشر الفصفص يتناثر هنا وهناك. كدت أتدخل وأضايق وأعترض وأسأل بحنق وغضب. لماذا؟ أريد حقًا أن أفهم كيف يحب الانسان مكانًا ويقبل عليه ويقضي فيه أوقاتًا ممتعة ثم يسئ استخدامه ويفسده؟ إن لم يكن يهتم بالآخرين ولا بمشاعرهم، فلماذا لا يهتم بنفسه ويحافظ على ما يسعده هو؟
والأمر الثاني المزعج بالنسبة لسلوكيات الناس في الأماكن العامة هو أخلاق الأطفال. عندما تهبط العائلة من السيارة ينطلق الأطفال في الفضاء المتاح وحدهم دون أن يتولاهم أحد بالملاحظة والنصح والتنبيه. وقد لاحظت يومها أن للأطفال نزعة تخريبية عجيبة، كالتعامل بعنف شديد مع الأجهزة الرياضية والرغبة العارمة في خلعها وتعطيلها، وركل الكرة في اتجاه لمبات الإضاءة بغرض كسرها، ونزع الشجيرات وتفتيتها، وتحويل 16 حمامًا إلى مساحات فيضانات متعفنة.
لا بد من رقيب هنا، بل ولا بد من جزاءات مالية تضمن المحافظة على الممتلكات العامة وعلى جماليات الأمكنة المفتوحة لمصلحة الناس جميعًا.
للتواصل مع الكاتب ارسل رسالة SMS
تبدأ بالرمز (125) ثم مسافة ثم نص الرسالة إلى
88591 - Stc
635031 - Mobily
737221 - Zain
آراء الكتاب
-
الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ
- 660
- 2016-02-09 17:29:26
محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...
-
حراسة الرمز - سعد الدوسري
- 764
- 2016-02-09 17:29:27
سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...
-
الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض
- 639
- 2016-02-09 17:29:30
د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...
-
بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد
- 633
- 2016-02-09 17:29:32
يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...
-
دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي
- 626
- 2016-02-09 17:29:35
ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...
-
التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد
- 832
- 2016-02-09 17:32:18
لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...