السبت, نيسان/أبريل 18, 2026

All the News That's Fit to Print

في بدايات النقلة الشعرية العربية التي تلت مرحلة الرومانسية التي تمثلت في أشعار كبار الشعراء الأوائل وهم مجموعة الشعراء الذين كونوا مدرسة أبوللو -فكان عمر أبو ريشة، الأخطل الصغير، أمين نخلة، علي محمود طه، أحمد فتحي- كانت نازك الملائكة قد كتبت قصيدتها (الكوليرا) التي اعتبرت أول قصيدة من الشعر الحر (التفعيلة)، لم تكن وحدها، فبدر شاكر السياب، وعبدالوهاب البياتي، كان معهما شاعر لم يعر مسألة الأولية، أو محاولة القفز على المنابر في كل محفل، كما فعل مجايلوه، ولهم في فورة الشعر الحديث في البلدان العربية - صلاح عبدالصبور، أحمد عبدالمعطي حجازي.. ثم سادت على الساحة تلك الحركة وما حملته من التبشير بالانعتاقة من ربقة الشعر التقليد.. الذي حدد ب (الكلام الموزون المقفى)، وأخذ الشعراء والنقاد الذين وصفوا ما عملوه بأنه الشعر (الحر) المعبر عن المشاعر بالكلمات التي لا تخضع لميزان الشعر المعروف منذ مسألة التحكيم في (سوق عكاظ) وما كانت تتحمله المعلقات من الشاعرية وجودة الصناعة، وما تلا ذلك من شعر العصور اللاحقة، وما أطلق من تسميات تصف الشعر بأوصاف مغرية استهوت المتلقي والمبدع على حد سواء، وهذه عرفت ودرست وأشبعت من إبراز عضلات النقاد والمتناقدين.

سادت سمعة نازك الملائكة، وبدر السياب، وعبدالوهاب البياتي، وكان بلند الحيدري له وزنه وقيمته الشعرية؛ حيث استمر في العطاء مطوراً شعره، ومتجاوزاً بعض أصحاب السمعة والصيت والحضور الإعلامي، يصدر ديوانا تلو الآخر، وكل ديوان له سمته الخاصة ذات الصبغة المنفردة، ومع هذا لم يكن له الحظ الوافر من الدراسات التي يستحقها، فقد عملت مقارنات وإشارات تولاها دارسو الأدب، لم ينل الجيد منها إلا اليسير بالرغم من أنه قد عمل بحسه الشاعري، وذوقه الرفيع على أن يكتب شعراً مغايراً، ولم يتوجه ويلتزم بأيديولوجيا، معينة، أكسبت أشعارا ساروا على منهجها أن تكون الدراسات توجه لأعمالهم بأقلام عديدة بغية ركوب الموجة.

لقد كان لديوانه الأول (خفقة الطين) صدى العمل المتقن من بعض الكتاب الذين رأوا ما ذهب إليه وحللوه بدقة، وهم قلة جداً فأحدهم قال «لئن ولى (خفقة الطين) على إمكان التكامل والنضج ووعد بأطيب العطاء، أما في ديوانه (الحارس المتعب) وما لحقه من دواوين، فقد ودع الشاعر الأحلام، وما ينطوي في داخلها من إبراز عضلات الأدب لممارسة العمل بجد، وهذا بأسباب تغييرات نفسية حدثت في دخيلة الشاعر خلال هذه السنوات»:

إيه يا فجر صباباتي.. انته

لملم الآن صبابات المنى

كل شيء قد طوى تاريخه

وانطوى في ظل عهد

موهنا

اتكى الماضي على أحلامه

يشتم الصمت..

ويشكو الزمنا

كل ما في حاضري يصرخ بي

أيها المجنون لا شيء منا.

وفي قصيدة يحاكي فيها إحدى الشخصيات الورائية لأوسكار وايلد، يؤدي ما ذهب إليه ناقدنا الراحل عابد خزندار.. لا ضير فهذه هي حال الأدب العالمي لا يعترف بالفروق بين الأقوام والشعوب، أو حتى اللغات. إنه لغة واحدة، صالحة لكل زمان ومكان. والأدب في نهاية المطاف، هو التاريخ الحقيقي للإنسان الذي يلغي كل ما كتب عن الإنسان باسم التاريخ، أو تحت هذا المسمى، في قصيدة (شيخوخة) تكون الصورة التي تجسد الحركة، السكون علامة حياة تسير عجلتها إلى الأمام، ولا تعود عقارب الساعة في أي حين إلى الوراء:

شتوية أخرى

وهذا أنا

هنا،

بجنب المدفأة

أحلم أن تحلم بي امرأة

أحلم أن أدفن في صدرها

سراً

فلا تسخر من سرها

أحلم أن أطلق في منحنى

عمري سني

تقول:

هذا السنا ملكي فلا تقرب له

امرأة.

ويختمها بشتوية أيضاً تدور في ساحة النفس التي وصلت إلى فقدان الأمل، مع الإصرار ولكن للزمن أحكامه:

شتوية أخرى، وهذا أنا

وحدي

لا أحب

لا أحلم

لا امرأة

عندي

وفي غدي أموت من بردي

هنا

بجنب المدفأة

صورة مستكملة الأبعاد الحسية نفذت من خلال شاعر كان في حياته أنموذج الشعر الحق في عمله الشعري وحياته الخاصة والعامة. لا تفارقه البشاشة أمام من يتحدث إليه، ذهب ولم يحس به أحد، حتى أعماله لم يتوجه من يجمعها في شكل متكامل يحيي ذكراه!

لقد كان شاعراً بحق.. وشعره يكفل خلوده.

آراء الكتاب

  • الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ

    محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...

  • حراسة الرمز - سعد الدوسري

    سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...

  • الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض

    د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...

  • بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد

    يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...

  • دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي

    ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...

  • التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد

    لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...