السبت, نيسان/أبريل 18, 2026

All the News That's Fit to Print

رؤية المملكة 2030 ابتلعت تفاصيل المشكلات الآنية للمواطنين، ونقلتهم إلى طموح أكبر، ونهضة أشمل، ومستقبل تتنافس فيه الأجيال نحو الأفضل بلا شعارات أو مزايدات.. ليكون الوطن للجميع وحبنا له على قدر عطائنا

المواطن الذي كان ينتظر قرارات ملزمة للحكومة في قضايا البطالة والإسكان والتأمين الصحي ومستوى الدخل وسلّم الرواتب، وتقديم مزيدٍ من الإعانات والسينما والمسرح والمتاحف؛ وجد نفسه أمام رؤية تبتلع مشاكله وأزماته وأكبر من طموحاته واحتياجاته وتساؤلاته.. وجد نفسه متواضعاً أمام طموحات دولته التي سبقته بمراحل، وأمام وطن يحلّق في فضاء مختلف عمّا اعتاد عليه، أو توقعه، أو حتى يحلم به.. وجد نفسه فخوراً بوطن يملك الرؤية والقدرة معاً على تحقيق ما يتطلع إليه وأكثر.

المواطن تفاجأ كثيراً بمشروع الرؤية الجديدة 2030 التي ابتلعت ما يحتاجه، وتجاوزت التفاصيل إلى مهمة النهوض الكبرى للمستقبل، والتخلي عن المفاهيم التقليدية في إدارة الحكم، والسلطة التنفيذية، وتنفيذ المشروعات، وانتقلت إلى مفاهيم التنمية الشاملة، والشفافية، والحوكمة، وقياس الأداء، وكفاءة الإنفاق، والاستثمار، والصناعة، والخصخصة لمكافحة الفساد، وثقافة الإنتاج بديلاً عن الرعوية، والعمل الحر بديلاً عن الوظيفة، وغيرها من المفاهيم التي تحدث الفارق ليس في جسم الدولة وأذرعها الممتدة من الشركات المملوكة والصناديق التمويلية، وإنما أيضاً في وعي المواطن، وتهيئته لمرحلة مختلفة كلياً عن عهود سابقة، وتقدير مشاركته على أساس كفاءته في حجز موقعه مبكراً من هذا التحول.

المحاور الثلاثة التي تناولت رؤية السعودية 2030 ارتكزت إلى مكانة المملكة الدينية كقبلة المسلمين ومهوى أفئدتهم، وحاضنة للمدينتين المقدستين مكة المكرمة والمدينة المنورة، وثانياً إلى إمكانات المملكة الكبيرة اقتصادياً واستثمارياً، وثالثاً إلى موقع المملكة المهم في الجزيرة العربية وتاريخها الثقافي وإرثها الحضاري الممتد إلى آلاف السنين، وهذه المحاور الثلاثة لا ينافس فيها المملكة أحد، وإنما هي خصوصية تتطلب استثمارها بشكل أفضل وليس أسهل، حيث كل محور يعبّر عن مشروع تحته الكثير من التفاصيل، والطموحات، والشراكات، والاستثمارات، والاستراتيجيات، والسياسات، والتنظيمات، والإجراءات، ولا يمكن تحقيقها إلاّ بإنسان مؤهل وقادر على التطبيق، ورقابة صارمة في التنفيذ.

الحديث عن مكة والمدينة المنورة كمشروع اقتصادي لا يعني تخلي الدولة عن مسؤولياتها في توفير أرقى الخدمات لقاصديهما، وإنما هو استكمال لما يجب أن نرتقي به، واستدراك لما يجب أن نكون عليه، واستثمار لموارد اقتصادية مهمة لم نستطع توفيرها لخزينة الدولة، فالأعداد الكبيرة التي تصل إلى مكة والمدينة، والمتوقع ضعفها خلال العقد المقبل تتطلب رؤية مختلفة في إدارة الخدمات على أعلى مستوى، وضخ استثمارات جديدة تلبي احتياجات الحاج والمعتمر والزائر، فالحديث عن قطاع الفندقة، والأراضي، والمتاحف، والنقل، والاتصالات، والتجزئة، والهدايا، وثقافة الارتباط الديني بالمملكة كأرض وإنسان وتاريخ حتماً تجلب معها الكثير من الاستثمارات، وتبعث برسائل اجتماعية عن تحسين الصورة، وثقافية عن حجم المخزون الحضاري، واقتصادية في تعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، وأمنية في القدرة على ضبط الحشود وتسهيل تنقلاتها، وسياسية في احترام ثقل المملكة الإسلامي.. هذا المحور كافٍ لوحده أن يصنع الفارق في زمن محدود، وغير مكلف، حيث تتوافر البنية التحتية المهيئة لاستيعاب القادمين من الحجاج والزوار، وتحديداً مطار الملك عبدالعزيز الجديد، وقطار الحرمين، ومطار الطائف، إلى جانب المشروعات التوسعية للحرمين الشريفين.

والمحور الثاني من الرؤية ما له علاقة مباشرة بمقومات الاقتصاد السعودي، وقدرة قطاعاته على الانتقال إلى مرحلة جديدة من العمل الاستثماري والتنموي، وهي معادلة مهمة في التوازن بين توفير الاحتياج وتعزيز المكاسب، وعلى ضوئها سيكون الصندوق السيادي للمملكة سلّة متعددة من الاستثمارات، وسيكون النفط واحد منها، وليس كل ما نملك، كما ستكون أرامكو جزءا مهما في هذا التحول، بل هي مفتاحه نحو تحقيق تلك المعادلة، من خلال تخصيص أقل من (5 %) من أصولها للاكتتاب العام، وهو ما يعزز من حجم السوق السعودي، ويمنحه المزيد من الثقة والشفافية؛ ليس للمتداولين وإنما للمستثمرين الذي سيجدون الدولة منفتحة عليهم، وجاذبة لسيولتهم، كما أن ثقافة الاعتماد على النفط لن تكون دستوراً وأمراً مقدساً، وإنما بحلول العام 2020 بمقدور المملكة الاستغناء عن النفط، والتحول إلى اقتصاديات مربحة ولم يحسن بنا استثمارها، وعلى رأسها قطاع التعدين الذي تمتلك المملكة حوالي (6%) من اليورانيوم في العالم فضلاً عن المواد التعدينية الأخرى، إلى جانب قطاعات السياحة، والترفيه، والتقنية، والإسكان، والصحة، والتعليم، والنقل، والعمل، والصناعة، حيث تمثّل هذه القطات مشروعات واعدة نحو الاستثمار المباشر للمواقع، أو الخصخصة في إدارة الخدمات، فضلاً عن الشراكة بين الحكومة والقطاع الخاص في تمويل وتنفيذ مشروعات خدمية على نحو مختلف وذات عوائد مربحة لجميع الأطراف.

خذ مثلاً قطاع الإسكان وحجم التحول الحالي في صياغة محتواه ورؤيته وأولوياته نحو الدعم المباشر، والتمويل البنكي، والشراكة مع المطورين العقاريين، حيث سيبتلع مشكلة الإسكان وحجم الطلب المتوقع زيادته في المرحلة المقبلة، وخذ مثالاً ثانياً عن حجم الاستثمارات المتدفقة إلى السوق السعودي فضلاً عن تلك التي ستنشأ مستقبلاً من هذا التحول؛ ستبتلع هي الأخرى مشكلة البطالة أو على الأقل التقليل منها إلى نسب محدودة جداً، وخذ مثالاً ثالثاً حين تتجه الأنظار إلى الاستثمار الصحي، وخصخصة خدماته؛ سيجد المواطن أن توفير الخدمة له أفضل من التأمين عليه، ورابعاً حين يكون الوطن جاذباً للاستثمارات العالمية والسوق مغرٍ للعمل الخاص والدولة داعمة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة؛ سيجد المواطن نفسه أمام فرصة التحول من الراتب الحكومي أو طلب الدعم إلى إدارة أملاكه وتوظيف أبناء وطنه في دائرة اقتصادية مكتملة، وخذ مثالاً خامساً حين يكون الترفيه حالة ارتباط بين الإنسان وأرضه من دون أن يفكّر كثيراً في السفر إلى الخارج بحثاً عن ذلك؛ سيجد هو الآخر أن أبواب السينما والمسارح والمتاحف والفعاليات الثقافية والترفيهية مفتوحة ومتاحة له في كل مكان.

والمحور الثالث من الرؤية ما له علاقة بالموقع الجغرافي للمملكة، ومكانتها التاريخية في قلب الجزيرة العربية، وإمكاناتها لتكون ميناء العالم الجديد، وجسر عبور لحركة النقل والملاحة العالمية، فضلاً على أنها رابط تاريخي مهم للعرب، كما هي أيضاً للمسلمين، وهذا الموقع الفريد من خارطة العالم يجعلها أكثر جذباً للاستثمارات، وأكثر قدرة على استيعاب السياح، حيث تتوافر في هذا الموقع كنوز الأرض التي لم نتعامل معها بما يليق بقيمتها، ولا مكانتها في حياة الشعوب التي تقطع المسافات لترى تاريخاً تستند عليه في رؤيتها للحياة والكون والحضارة، وأطلالاً تقف عليها لتكتب فصولاً من التجربة والخيال والذكريات.

هذه الرؤية التي أطلقها ووافق عليها الملك سلمان في جلسة مجلس الوزراء أمس هي تأكيد على وعده الذي قطعه لمواطنيه من أن تبقى التنمية أفعالاً وليست شعارات، وان يكون المواطن هو حجر الزاوية لهذه التنمية، وأن يعيش الجميع بأمن واستقرار وكرامة وهيبة وفخر بوطن يستحق منّا الكثير، كما تأتي انسجاماً مع تطلعات ولي العهد من أن تكون المملكة رائدة في حكومة الإجراءات الإلكترونية، وتهيئة البنية التحتية أمام المستثمرين والسياح والحجاج والمعتمرين ليجدوا ما يليق بهم، ويعتني بهم، ويرعاهم بتوفير الأمن الذي هو أساس التنمية وجذب الاستثمار، أيضاً سيخلد التاريخ مبادرات ولي ولي العهد الذي قاد باحترافية عالية، ورؤية واعدة طموحات وطنه ومواطنيه إلى المكان اللائق بهما، حيث كان هو مهندس مشروع التحول، ومؤسس جديد للنهضة السعودية الجديدة، والشاب الطموح الذي يريد أن يترك بصمة للأجيال تستلهم منها قيم التغيير الذي لا يتجاوز الثوابت، وقيمة الوطن حين يكون فخوراً بمنجز أبنائه.

آراء الكتاب

  • الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ

    محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...

  • حراسة الرمز - سعد الدوسري

    سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...

  • الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض

    د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...

  • بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد

    يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...

  • دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي

    ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...

  • التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد

    لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...