السبت, نيسان/أبريل 18, 2026

All the News That's Fit to Print

د. جاسر الحربش

أرامكو، أهم مصدر للثروة الوطنية عبر كل الماضي كانت تدار بطريقة مغلقه، بدون كشوف حسابات ولا أرقام. مجرد مصدر سلعي للثروة كان يباع بالتقسيط، كنفط في السوق العالمية حتى ينشف ويجف. لم يكن أحد يجرؤ على الاقتراب من فكرة استثمار هذا المصدر ولو جزئياً كأسهم مطروحة في السوق. من الذي كان ليجرؤ على طرح الفكرة؟ من الذي كان يمتلك القلب واللسان لطلب عرض البقرة المقدسة في السوق للتعرف على ما تبقى بها من شحم ولحم؟ أرامكو، هكذا كان العقل السعودي العام يرى، مغارة ثروات تقف الحكومة حارسة على بابها وتمنع إلقاء نظرة على الداخل. لماذا، هذا لم يكن سؤالاً قابلاً للطرح، والأسباب متروكة للخيال والجرح والتعديل. حتى الحكومة لم تكن ربما، أقول ربما، على الاطلاع الكافي بما يجري داخل مغارة أرامكو.

بعد الحديث المفتوح مع سمو ولي ولي العهد رئيس مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية تحول الموضوع فجأة إلى نقاش وطني مفتوح، حول أرامكو والثروات الوطنية، بمصطلحات جديدة. مجلس إدارة يمثل فيه ملاك أسهم، بعضهم من السعوديين والبعض من الخارج، وشفافية وقوائم حسابات ومشاركة في الإدارة والمسؤوليات. البداية أقل من خمسة في المائة تضاف إلى أصول سعودية أخرى في صندوق الاستثمار السعودي الضخم. هذه لغة جديدة، رؤية جديدة في التخطيط والإدارة تبتعد كثيراً عن الأحادية والسيطرة والاحتكار المعهودة.

نعم هذه لغة جديدة. المواطن السعودي لم يتعود على السؤال في العمق، لا بكيف ولا بماذا أو لماذا، وكل واحد يشوف شغله. هكذا تكونت العقلية الجمعية الجامعة عبر السنين، الحكومة تشوف شغلها والمواطن يشوف شغله. مشاركة المواطن في التخطيط للمستقبل وفي المحاسبة كانت تدار بالتكليف. نعم للمواطن الحرية في حدود الأنظمة أن يتصرف بممتلكاته الخاصة، أما الممتلكات العامة التي من أهمها أرامكو والأراضي والسياحة الداخلية فلها رب يحميها، وبالمجاز هو الحكومة.

لن أقول إنني غير قلق، لكنني بدأت أشعر بتفاؤل وارتياح. كنت أكثر قلقاً قبل التعرف على ما يزمع التخطيط الاقتصادي السعودي الجديد فعله. الدخل الوطني بمفاهيمه المطبقة حتى الآن يتضاءل، وقنوات الفساد والمحسوبية مستمرة في ابتلاع نفس كميات المياه، وعيوب البنيات التحتية تتعرض للتعرية والشروخ بفعل تقلبات غير معتادة قليلاً في الطقس وبسبب الغش الواضح في تنفيذ المقاولات، والتعليم يراوح مكانه خارج العملية الإنتاجية، والنظام الصحي يرتجف بحمى الفيروسات وتكاثر السكان وزيادة الأمراض من كل نوع.

بعض هذا القلق بدأ ينقشع نتيجة الاقتناع بحسن النية للتخطيط للمستقبل، وبسبب القناعة بأهم النقاط الواردة في رؤية التحول الوطني، ومن حسنت نياته حسنت أعماله وكثر توفيقه.

حل مكان القلق القديم المرتبط بأسبابه القديمة قلق جديد، مرتبط بضخامة المشروع وبفجائيته السريعة وبعدم ثقتي في البنية البيروقراطية المتوارثة عبر العقود. أداء أي طبيب نطاسي يستطيع تخريبه ممرض بليد أو متسيب أو خبيث، ومخطط أي مهندس عبقري يستطيع تقويضه مقاول يرتشي أو منتج مواد بناء غشاش. ما يراد له الانتقال بنجاح من الفكر والتخطيط الجيد إلى التنفيذ الميداني المتين يحتاج إلى عقلية مماثلة في الميدان.

اللغة الجديدة التي سمعها المواطن بهذا الوضوح والصراحة لأول مرة تعبر عن رؤية جديدة للمسؤولية الوطنية، تجاه الدولة والمواطن والوطن. الاختبار سوف يكون في تفاصيل التنفيذ، والتنفيذ يحتاج إلى جهاز ميداني نزيه وكفء يلتزم بنفس القدر من المسؤوليات، وسيف المحاسبة مصلت فوق رأسه.

اللغة جديدة، ولكن العقليات في التعامل مع الوقت ومع الرأي المختلف ومع المراجع في الدائرة الحكومية ومع أولويات التعليم ومع حدود المسموح والممنوع ما زالت تستعمل نفس المفردات والتعابير ولها نفس الملامح والصلاحيات.

ذراع مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية تحتاج إلى ذراع آخر اسمها المجلس العلمي الأعلى مهمتها فتح مغارة الأفكار وعرضها للرأي والنقاش بنفس الطريقة التي تفتح بها أبواب الاستثمار للثروات الوطنية. العقول هي أهم مكامن الاستثمار، ونصف العقول الوطنية يملكها الرجال والنصف الآخر تملكه النساء، ولهن نفس الحقوق وعليهن نفس الواجبات.

آراء الكتاب

  • الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ

    محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...

  • حراسة الرمز - سعد الدوسري

    سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...

  • الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض

    د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...

  • بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد

    يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...

  • دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي

    ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...

  • التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد

    لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...