السبت, نيسان/أبريل 18, 2026

All the News That's Fit to Print

إن ظهور حميد الشاعري في "صاحبة السعادة" من تقديم إسعاد يونس، محاولة لاسترجاع ما يدعى أن يكون ذاكرة الجيل، وهي ذاكرة فعلاً لكن تحمل تفاوتا في القيمة والنوع والرسوخ ما جعل الحلقة احتفاء متأخرا بتناقضات بين مصر وجاراتها، أو أبناء بناتها من الجوار.

لم يمثل الشاعري سفير ليبيا ثقافياً بل جعلت الظروف منها شخصية تستقطب الهوامش ففي مقابل علي الحجار ومحمد الحلو ومدحت صالح ومحمد ثروت اتكأ على الشاعري، وتمويل شركة سونار، ظهور علاء عبدالخالق وإيهاب توفيق ومصطفى قمر وهشام عباس. إن من الأمور التي عجز الشاعري، ودافعت عنها ضده طويلاً كتيبة حلمي بكر، وكسبت قضية إيقافه عن العمل بالقانون عام 1991، ولم يمنع وجودها: استمرار الغناء المتقن، والأساليب الغنائية الراسخة، وأن يكون بديلاً لما سواه.

إن إعادة تأمل تلك الفترة لتمكن من رصد الأسباب المباشرة، لكونها دوافع عند أصحابها، لانطلاق هذه الموجة الصاخبة بعنوان "الأغنية الشبابية" وانزوائها، ومن أولها تحول الصناعة من الأسطوانة إلى الكاسيت -نموذج أحمد عدوية-، وثانيها تكميم الغناء السياسي وانفضاحه إيديولوجياً بعد اغتيال السادات والإفراج عن المثقفين 1982، والإحباط الاجتماعي وتزيينه في إنكار انتصار 1973 وترويج معاهدة السلام 1979، واستعادة الأغنية لانفصالها في القيمة والنوع عن اتصالها السابق بالمسرح والسينما. مجمل تلك الأسباب تعطينا مساحة كبيرة إلى حالات انعكاس: اضطراب سياسي، ونهاية الإيديولوجيا، ونهاية الأغنية. ففي أول القرن العشرين، تحديداً عند ظهور شركات الأسطوانات، فرضت صيغة الأغنية التجارية، التي تعرض في المقاهي والصالات، فظهرت "طقاطيق العوالم" في مصر –أسهم فيها زكريا أحمد "1896-1961" وأحمد شريف "1916-1969" والبستات في العراق-، عرفت بصوت نعيمة المصرية ورتيبة أحمد وبدرية أنور ومنيرة الهوزوز على ظهور الأغنية التي تأخر استقبالها وتسويقها حتى اندمجت في المسرح والسينما. وفي منتصف الخمسينيات قاد محمد فوزي "1918-1966"، الذي لم يكن يتمتع بإمكانات صوتية وتلحينية توازي كلا من محمد عبدالوهاب وفريد الأطرش، في مجمل نتاجهما سواء في الأسطوانات والإذاعات والمسارح والسينما، موجة صاخبة من الغناء الفرنكوفوني لمجموعة من مغني الأقليات الأوروبية المتمصرة، مثل كريم شكري وبرونو موري، وأفاد كثيراً من شركة الإنتاج التي أسسها ومصنعها في آن. وتكرر الأمر حين تبنى المنتج عاطف منتصر، أحمد عدوية، بأغنية "سلامتها أم حسن" 1973 الذي تمكن ملحنون من تقديم أغنيات خاصة به تختلف عن أعمالهم التي عرفت عنهم ومع سواه، مثل سيد مكاوي وبليغ حمدي وحسن أبو السعود وهاني شنودة.

تكاثرت نماذج عدوية في صالات السهر في القاهرة والإسكندرية، وأمكن استنساخ نماذج أخرى تقوم مقامه، وتحول إلى علامة على المرحلة، في لحظة فوران أفلام المقاولات -أفلام سهلة التحضير وقليلة التكلفة وفارطة التوزيع-، وتعثر الخطوات الأولى لمرحلة بديلة مع فرق الغناء التي حاولت تقديم الحياة بديلاً عن الحب المحروم، مثل فرقة المصريين والفور إم والأصدقاء.

وما عجزت عن تحقيقه تلك الفرق التي ظلت تراوح بين ذهنية الترويح السياحي وعسر الاندماج في الغناء الجماعي قام به الشاعري الذي استطاع أن يخلق للهوامش الصوتية -علاء عبدالخالق وإيهاب توفيق ومصطفى قمر وهشام عباس- مكانة لجيل حاول أن يعيد تفكيك عناصر الأغنية من صورتها الرومانسية ومن جفاف عناصرها التراثية، نحو صعود لتركيبة إيقاعية تربط الترفيه والبساطة، وتجمع الفرد في الجماعة.

لم تتمكن الموجة الصاخبة عند الشاعري التي خلقت مساحات لها مع المغنين السابقين ومحاولة الوصول واختراق قلعة وردة وتلميذاتها سميرة سعيد وميادة الحناوي وأصالة وذكرى وأنغام. حتى عندما عادت موجة صاخبة إثر المتغيرات السياسية والاقتصادية الدولية، عصر الحرب على الإرهاب، والتسليح المجنون، فظهر شعبان عبدالرحيم 2001 نتاجاً لم يكتمل له التكريس إلا بواسطة الإعلام الفضائي بينما نافسه بشكل سريع صعود ما يدعى "فن المهرجانات" 2010 الذي يكرس لهوامش جديدة في مصر، توازيه عروض الراب العربي المتوالية في فلسطين والمملكة وتونس والمغرب. هذه الموجات الصاخبة تظهر باعتبارها هوامش تتقدم بسبب فجوات مرحلية سرعان ما تتوارى أو تنتهي لكونها انعكاس اقتصادي وسياسي تتحول إلى ذاكرة سلبية مهما حاولت الظروف تبريرها من أصحابها أو المسهمين في صناعتها.

ولعل البرنامج كشف دون قصد أن الشاعري تحول إلى مجرد علامة إعلامية -أي رأسمال رمزي- أعاد الاستنفاع منه إخوته أكثر منه، في مشاريع إعلامية تتصل بتأسيس إذاعات إف إم، وصناعة الإعلانات، فلم يتمكن الشاعري، أن يفسر سبب فشل توزيع أول ألبوماته "عيونها" 1983 وآخرها "روح السمارة" 2006، ولا انزواء الحناجر المختفية بل تخطى ذلك إلى إخوته وأبناء إخوته، بغطاء واهم بأن الهواية يمكن أن تكشف موهبة مورثة ولا تفعل. إن التاريخ يقول كلمة واضحة ففي ظهور أحمد شريف وانطفائه استمر محمد الكحلاوي، وفي ظهور محمد فوزي ونهايته لم ينطفئ فريد الأطرش، وفي ظهور عدوية وتراجعه لم ينطفئ محمد منير، وفي ظهور حميد الشاعري وتواريه لم تنطفئ أنغام، كذلك الحال على ظهور شعبان عبدالرحيم وفن المهرجانات لم تنطفئ شيرين!

آراء الكتاب

  • الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ

    محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...

  • حراسة الرمز - سعد الدوسري

    سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...

  • الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض

    د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...

  • بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد

    يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...

  • دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي

    ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...

  • التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد

    لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...