الاحتفاء المفترض بزيارة المرض | أحمد عبد الرحمن العرفج
الفِكْرَة السَّائِدَة عَن المَرض؛ أنَّه دَاءٌ مُزعج، يَتضَايق مِنه النَّاس، ويَبْحَثون عَن الصّحة والأدوية والعَقاقير؛ التي تُخلِّصهم مِن هَذا المَرض أو ذَاك، والألَم المُصَاحب لَه. ولَكنَّنا لَم نَتفكَّر ونَتأمَّل المَرض
في يَومٍ مِن الأيَّام، لنَجعله نِعْمَة بَعد أَنْ كُنَّا نَعتقد أنَّه نِقمة، ونُغيِّر مَفهومنا للمَرض لنُعدّه مِن الإيجَابيّات..!
قَرأتُ ذَات مَرَّة نَصيحة؛ للإمَام «جلال الدين الرومي» تَقول فِيمَا مَعنَاه: (إذَا أَلمَّ بِكَ مَرضٌ، فتَعَامَل مَعه كضَيفٍ زَائِر، تَستقبله بالاحتفَاءِ والصَّبر، لَكن إيَّاك أَنْ تُعَامله كصَاحبِ البَيت، حَتَّى لَا تَضطر أنتَ إلَى الرَّحيل)..!
بَعد هَذا دَعونَا نَتفَاءَل بالمَرض، ولنَأخذ الحُمَّى عَلى مَحمل هَذا التَّفاؤل، فهي تُمثِّل كُلّ الأمرَاض، ونَظرًا لأنَّ المُسلمين قَومٌ مُؤمنون، ومُتعلِّقون بالكِتَابِ والسُّنّة، فدَعونَا نَغرف مِن هَذا المَنهل؛ مَلاعق مِن العِلم، ونَضعها في أفوَاه المَرضَى، لنُعلِّمهم أنْ يَكونوا مِن المُتفائلين والمُتفَائِلات، والصَّابرين والصَّابِرَات، والمُحتَسبين والمُحتَسبَات..!
عَنْونَ الإمَام «مسلم» في صَحيحه بَابًا تَحت عِنوَان: «فَصل في كَرَاهة سَبّ الحُمّى، وتَكفيرها للذّنوب»، وقَد رَوى فِيهِ حَديثًا يَبعثُ الأمَل، ويُطمْئِن مَن أَصَابته الأمرَاض والعِلل، يَقول: (عَن «جابر» -رَضي الله عَنه- أنَّ رَسول الله -صلَّى الله عَليه وسَلَّم- دَخَل عَلى «أم السائب»، أو «أم المسيب» فقَال: مَا لَكِ يَا «أُم السَّائب»، أَو يَا «أُم المسيب» تُزفزفين –أَي تَرتعدين-؟ فقَالت: الحُمَّى لَا بَارك الله فِيهَا. فقَال: لَا تَسبّي الحُمَّى، فإنَّها تُذهب خَطَايَا بَني آدَم، كَما يُذهب الكِير خُبث الحَديد). رَوَاه «مسلم»..!
وذَكر «السّيوطي» في بَاب: «كَشف الغمى في أخبَار الحُمَّى»، حَديثًا مَرفوعًا عَن «الحَسَن» يَقول: (إنَّ الله ليُكفّر عَن المُؤمن خَطَايَاه كُلَّها بحُمَّى لَيلة)، وحَديثًا آخَر رَواه «أبوالدرداء» يَقول: (حُمَّى لَيلة كَفَّارة سَنَة)، وحَديثًا رَابِعًَا مَرفوعًا رَواه «أبوأمامة» يَقول: (الحُمَّى كِيرٌ مِن جهنَّم، وهي نَصيب المُؤمن مِن النَّار)، وحَديثًا خَامِسًا يَقول: (إنَّ الحُمَّى حِمى أُمّتي مِن جهنَّم)، وحَديثًا سَادِسًا يَقول: (عَن «أبيْ بن كَعب» أنَّه قَال: يَا رَسول الله، مَا جَزَاء الحُمَّى؟ قَال: تُجري الحَسنَات عَلى صَاحبها مَا اختلَج عَليه قَدم، أَو ضرب عَليه عرق. قَال «أبيْ»: اللَّهم إنِّي أسألك حُمَّى لَا تَمنعني خرُوجًا في سَبيلك، ولَا خرُوجًا إلى بَيتك، ومَسجد نَبيّك). قَال الرَّاوي: «فلَم يَمشِ «أبيْ» قَط إلا وبِهِ حُمّى»..!
حَسنًا.. مَاذا بَقي؟!
بَقي أَنْ نُزيدكم مِن الدِّيوَان قَصيدَة، ونَقول: إنَّ مِن إيجَابيّات المَرَض أنَّه يُنتج؛ ويُحرّض عَلى الإبدَاع، لذَلك عِندَما أُصيب «المُتنبِّي» بالحُمّى، كَتَبَ قَصيدة مِن عيون وآذَان وخيَاشيم الشِّعر، حَيثُ يَقول في بَعض أبيَاتها:
وَزَائِرَتي كَأنّ بهَا حَيَاءً
فَلَيسَ تَزُورُ إلاّ في الظّلامِ
بَذَلْتُ لهَا المَطَارِفَ وَالحَشَايَا
فَعَافَتْهَا وَبَاتَتْ في عِظامي
يَضِيقُ الجِلْدُ عَنْ نَفَسي وَعَنها
فَتُوسِعُهُ بِأنْوَاعِ السّقَامِ
إِذا ما فارَقَتني غَسَّلَتني
كَأَنّا عاكِفانِ عَلى حَرامِ
كأنّ الصّبْحَ يَطرُدُها فتَجرِي
مَدامِعُهَا بأرْبَعَةٍ سِجَامِ
أُرَاقِبُ وَقْتَهَا مِنْ غَيرِ شَوْقٍ
مُرَاقَبَةَ المَشُوقِ المُسْتَهَامِ
وبَقي أيضًا أَنَّ عَدوَى حُمَّى «المُتنبِّي»؛ انتَقَلَت إلَى «غازي القصيبي» -رَحمه الله- ليُطوّر حُمَّى «المُتنبِّي» مِن قَصيدة إلَى دِيوَانٍ كَامِل..!!
تويتر: Arfaj1
للتواصل مع الكاتب ارسل رسالة SMS
تبدأ بالرمز (20) ثم مسافة ثم نص الرسالة إلى
88591 - Stc
635031 - Mobily
737221 - Zain
آراء الكتاب
-
الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ
- 660
- 2016-02-09 17:29:26
محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...
-
حراسة الرمز - سعد الدوسري
- 764
- 2016-02-09 17:29:27
سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...
-
الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض
- 639
- 2016-02-09 17:29:30
د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...
-
بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد
- 633
- 2016-02-09 17:29:32
يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...
-
دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي
- 626
- 2016-02-09 17:29:35
ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...
-
التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد
- 832
- 2016-02-09 17:32:18
لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...