الثلاثاء, نيسان/أبريل 21, 2026

All the News That's Fit to Print

د. خيرية السقاف

في محطات المسير لا يرى المرء من الآخرين سوى أجسادا تتحرك، ومن ثم تستقر في مقاعدها،

يسمع أصواتهم، غوغاءهم وهدير صداهم،

يرى ما يحملون في أيديهم من بقايا حقائبهم، وطارئ احتياجهم.

وجوههم بملامحها الفرحة بلقاء، والحزينة لوداع،

يقف على تفاصيل رغبات جامحة لهم، منفلتة عن نفوسهم، نحو مقعد شاغر يسرعون إليه قبل غيرهم، وصف مزدحم يناكبون ليكونوا في أوله، وكوب قهوة ربما يكون مقرا لقلقهم، وصاحب قديم لم تجمعهم به أيام طوال، و..و..

ففي المحطات يتحلل المرء من عبء استقر في صدره، ربما في ذهنه، ربما فوق كتفه، ربما أجهد قدميه، وكلت به عيناه، ليتركه بعيدا خارجا عنه، ويهرب..

المحطات دروب لما يعتلج بالإنسان من وعثاء ما مر، أو لما سيأتي، يختارها المرءُ غالبا، وقد يُزجُّ فيها قسرا..

المحطات في وجه آخر لها قد لا تكون نحو سفر لبقعة أخرى من الأرض،

وإنما محطة السفر النبيل نحو النفس، نحو ذات الفرد ليكون المرء مؤهلا لهذه الذات بوقته،

يحللها مما أثقلها به من جهد، وتفكير، وبذل على صُعد عديدة في أيام طالت بها، أو نسيها هو في معمعة العطاء..

المحطة للذات أجدى النقاط في مراحل السفر، وقِبْـلةِ الاستعادة، وعذب التطهير..!

إن المرء لا يفقد ذاته حين يغذ في العمل أيا كان، لكنه حين يفعل يرفعها في منزلة حتى يعود إليها في المحطة،..

يلتقيها ليصغي إليها، يتفقدها ليزيدها، يجدها ليتذوق معها طعم القهوة، ويرى معها براح الرؤية، ويجد معها ما خفته عتمة الزحام عنه، وأقصته عنه غوغاء التزاحم..!

الطرق الكثيرة التي عبرها قبل المحطة التي يذهب عنها إليها شغلته بكل صوت، وصدى، ولمعة، وضوضاء، وهدير، ودوامة، وظلمة ليل، وقيظ نهار، وشحوب ظهيرة، وعتمة غروب، بكل ألوان الناس، وسجاياهم، حسنهم وسيئهم، جميلهم وقبيحهم، زائفهم ونقيهم، متفاعلهم ومتقاعسهم، بفراغهم، وبوعيهم، بصدقهم، وبكذبهم، بأثرتهم، وبحقدهم، بسذاجتهم، وبعمقهم، ببياضهم، وبغشهم..

في محطته نحو ذاته سيتحلل كالطير بجناحين وفيرين نحو فضائها الأرحب، الأنقى..

سيجدها عند نبعه تنتظره لتفرغ معه بقايا التعب، والألم، والحسرة، والدهشات، والغرابة..

لترمم به فراغات ما أعطى، وبذل، وتفانى، وتعيد معه ترتيب ما تشتت..

هذا اللقاء بالذات كالسَّجية في الإنسان، ينقاد إليه المرء حين لا حواجز بينه وبينها..

يأتي دون أن يكون له إلا أن يكون في لحظة أن يكون..!!

* * *

بهذه المقالة سأودعكم قرائي الأعزاء، لأعود فألتقيكم بعد إجازة عيد الفطر المبارك، مهنئة لكم برمضان الخير وجائزة عيده الأطيب..

وفقكم الله لصيامه والفوز بالقبول.

تحية خضراء لرفقتكم، كنتم المصباح، والوقود..

آراء الكتاب

  • الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ

    محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...

  • حراسة الرمز - سعد الدوسري

    سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...

  • الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض

    د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...

  • بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد

    يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...

  • دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي

    ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...

  • التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد

    لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...