الذكاء السوبر: من مستخدم إلى مبتكر - جانبي فروقة
جانبي فروقة
على امتداد قرون ظل التعليم الفردي الذي كان امتيازاً للطبقة الثرية من أفضل وسائل التعلم لكنه كان مكلفًا وصعب التوفير على نطاق واسع يستطيع المدرّس الخصوصي المتميز أن يلاحظ تردد الطالب ويكتشف موضع سوء الفهم، ويغيّر طريقة الشرح وفقًا لاستجابته، أما الفصل الذي يضم ثلاثين أو أربعين طالبًا فيضطر غالبًا إلى اتباع إيقاع واحد رغم اختلاف القدرات والخلفيات، وهنا تكمن إحدى أهم فرص الذكاء الفائق فهو يمنح كل متعلم تجربة أقرب إلى التعليم الفردي من دون أن يتطلب ذلك تخصيص معلّم مستقل لكل طالب، حيث يمكن للأداة أن تشرح المفهوم بعدة طرق، وتولّد تمارين تتدرج في الصعوبة، وتساعد الطالب على اكتشاف الخطأ بدلًا من الاكتفاء بعرض الإجابة، وهنا تحديدا تبدأ الحكاية الحقيقية للذكاء الفائق (الاصطناعي) فهي ليست قصة آلات تتكلم بطلاقة أو تكتب الأكواد أو ترسم الصور بل هي قصة الإنسان نفسه في عالم صارت فيه الإجابة رخيصة وصار السؤال الجيد هو الثروة، وقد عرف هذه المعادلة الأستاذ في ستانفورد أندرو إنغ وهو يعد أحد روّاد التعلّم العميق وشارك في تأسيس Google Brain عام 2011 ثم Coursera عام 2012 وأمضى سنواته بين المختبر والفصل الدراسي يبني الآلة التي تتعلّم ويحاول في الوقت نفسه أن يوصل العلم إلى مَن لا يملك قاعة في ستانفورد وهو صاحب التشبيه الشهير الذي قاله عام 2017 حول الذكاء الفائق والخوارزميات بأنه هو «الكهرباء الجديدة» الكهرباء لم تغيّر قطاعًا واحدًا بل أعادت تشكيل الصناعة والنقل والطب والاتصال، ومن هذا التشبيه ينتقل السؤال من ماذا تستطيع الآلة أن تفعل؟ إلى ماذا نستطيع نحن أن ننجز بها ولم نكن نستطيع من قبل؟ والطريق إلى هذه اللحظة معروف، في 2017 ظهرت ورقة «الانتباه هو كل ما تحتاج إليه» التي قدّمت بنية المحوِّل (Transformer) وهي الأساس الذي بُنيت عليه النماذج اللغوية LLM الحديثة. وفي 2020 أظهرت أبحاث «قوانين التوسع» «Scaling Laws» أن أداء هذه النماذج يرتبط بعلاقات رياضية قابلة للقياس بين حجم النموذج وكمية البيانات وقدرة الحوسبة المستخدمة في تدريبه ولنكن دقيقين فإن ما نملكه اليوم هو أدوات تتقدم بسرعة مذهلة، وليس ذكاءً فائقًا بالمعنى الكامل أي قدرات تتجاوز البشر على نطاق واسع وهذا التمييز ضروري كي لا يتحوّل التفاؤل إلى مبالغة ولا القلق إلى حكم مسبق، ويعمل إنغ على تحويل هذه الفكرة إلى مشروع عملي عبر شركته الناشئLearnVector التي أُعلن عنها في عام 2026 م وفي يوليو الفائت أعلنت Coursera استثمارًا استراتيجيًا بقيمة 100 مليون دولار في الشركة بهدف تطوير تجارب تعلم تعتمد على وكلاء ذكيين يتكيفون مع احتياجات المتعلم وتقدمه وتعتزم الشركة الاستفادة من المحتوى التعليمي الموثوق الذي توفره Coursera مع الانتقال من نموذج تقديم المقرر نفسه للجميع إلى تجربة أكثر تخصيصًا.
هناك حلم قديم فقبل ظهور روبوتات المحادثة بأربعة عقود كان عالم التربية بنجامين بلوم يطارد المشكلة نفسها وفي دراسته الشهيرة عام 1984 المعروفة بـ «مشكلة الانحرافين المعياريين» «The 2 Sigma Problem» وجد أن الطلاب الذين تلقّوا تعليمًا فرديًا تفوّقوا بفارق كبيرا على أقرانهم في الصف التقليدي مع اختلاف حجم الأثر بحسب ظروف التدريس والتقييم، أما المشكلة فلم تكن في معرفة الحل بل في كلفته فلا يوجد في العالم معلّمون خصوصيون يكفون لكل طالب ولا أسر تقدر على دفع أجورهم، وهنا يبدو أن التكنولوجيا اقتربت من الجواب فتخيّل طالبًا يتعلّم الجبر ويشرح له المساعد المعادلة ثم يطلب منه حل مسألة مشابهة وإن أخطأ عاد به إلى الخطوة التي تعثّر فيها وقدّم مثالًا أبسط ثم أعاد اختباره ويتكرر ذلك بلا حرج أمام الزملاء ولا استنزاف لوقت المعلّم والصف، لكن النجاح لا يتوقف على قوة النموذج وحدها بل على تصميم التجربة وهذا يذكّرنا بمفهوم «منطقة النمو الوشيك» Zone of Proximal Development (ZPD) عند عالم النفس ليف فيغوتسكي وهو المسافة بين ما تستطيع إنجازه وحدك وما تستطيع إنجازه بمساعدة مناسبة، فالمعلّم الذي يعطيك الحل كاملًا في كل مرة يختصر الطريق لكنه لا يعلّمك المشي والذي يعطيك تلميحًا في لحظته ويترك لك مساحة المحاولة هو الذي يبني فيك المهارة لذلك فإن أفضل معلّم ذكي ليس من يجيب عن كل شيء بل من يعرف متى يجيب ومتى يسأل ومتى يصمت.
نشر باحثون في عام 2025 م في مجلة Scientific Reports تجربة عشوائية على 194 طالبًا في مقرر فيزياء بجامعة هارفارد قارنت التجربة بين مدرّس مدعوم بالذكاء الفائق وصفّ تعلّم بشكل تقليدي وتعلّم من استخدموا المدرّس الذكي أكثر وفي وقت أقل لأن النظام صُمّم على مبادئ تربوية فقدّم تغذية راجعة مخصّصة بدل إلقاء إجابات جاهزة لكن التجارب لا تأتي دائمًا بأخبار سارة ففي ورقة بحثية صدرت في أغسطس 2026 تابع باحثون على مدى عامين 18 مدرسة متوسطة في ولاية تينيسي استخدمت منصة Khan Academy مع المساعد Khanmigo في حصص تقوية الرياضيات ووجدوا تحسنًا محدودًا تركّز في الطلاب الذين استخدموا الأداة بجدّية واستمرار، أما كثيرون فلم ينخرطوا في حوار رياضي عميق رغم أن الأداة كانت أمامهم وخلص الباحثون إلى أن العائق الأكبر هو الانخراط أو التفاعل لا إمكانية الوصول.
وتقول دراسات أخرى الشيء نفسه من زاوية مقابلة ففي تجربة نُشرت في PNAS عام 2025 على طلاب ثانويين في تركيا تحسّن أداء من استعانوا بنموذج مفتوح أثناء التدريب ثم تراجع حين أُخذ منهم في الامتحان أما من استعانوا بمعلّم مزوّد بضوابط تربوية فقد خفّفوا هذا التراجع كثيرًا والدرس واحد في كل هذه التجارب وهو أن امتلاك الأداة لا يعني تلقائيًا أن نتعلّم والفرق بين أن تكون الأداة مدرّبًا وأن تكون مصعدًا.
تخيّل أنك تريد الوصول إلى الطابق العاشر وأمامك مصعد ودرج ، المصعد يوصلك في دقيقة لكن ساقيك تبقيان كما هما والدرج يرهقك لكنك تصل أقوى لذلك فالذكاء الفائق يستطيع أن يكون أحدهما وأنت من يقرر فالمصعد مفيد حين تريد الوصول فقط كأن تلخّص تقريرًا تعرف موضوعه والمدرّب ضروري حين تريد أن تتعلّم فهو يسألك ويصحّحك ويرفع الأثقال معك ولا يرفعها عنك لذلك وقبل أن تفتح أي أداة اسأل نفسك: هل أريد أن أصل أم أريد أن أصبح قادرًا على الوصول؟ فإن كان الثاني فاطلب منه أن يسألك لا أن يجيبك.
إذا كان التعليم هو الوجه المشرق للذكاء الفائق فسوق العمل هو الوجه القلق حيث يخشى كثيرون أن تختفي الوظائف التقليدية وأن يجد الشباب أنفسهم ينافسون أنظمة تكتب التقارير وتحلل البيانات في دقائق لكن الصورة أعقد من العناوين حيث يتوقع تقرير «مستقبل الوظائف 2025» الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي أن تُستحدث نحو 170 مليون وظيفة بحلول 2030 مقابل إزاحة 92 مليونًا بصافي زيادة يقارب 78 مليونًا غير أن التقرير نفسه يؤكد أن المهارات المطلوبة ستتغير بعمق وأن إعادة التأهيل ضرورة اقتصادية لا خيار شخصيا، وهذه تقديرات أصحاب العمل لا ضمانات فلا أحد يعد كل فرد بفرصة جديدة لذلك السؤال الأذكى ليس هل سيأخذ الذكاء الفائق وظيفتي؟ بل كيف أتعلّم استخدامه لأصبح أقدر على أداء عملي؟ فالصحفي الذي يستعين به في البحث ثم يتحقق ويضيف حكمه الإنساني يتفوّق والمهندس الذي يختبر به تصاميمه ينجز أكثر وصاحب المشروع الذي يفهم به عملاءه يختصر شهورًا من التجريب ولا ننسى أن الفرص غير متساوية، فهناك عمال يحتاجون إلى تدريب ومهن ستتراجع وفجوات قد تتسع إن احتكرت فئة قليلة أدوات الإنتاج الجديدة لذلك يجب أن ترافق التحول التقني سياسات تدريب وحماية اجتماعية لا أن يُترك الأفراد وحدهم أمام الموجة. ولا ننسى أن للمستقبل مخاطره فالأنظمة قد تنتج معلومات خاطئة بثقة وقد تعكس تحيّزات بياناتها وتثير أسئلة عن خصوصية الطلاب وعدالة الوصول، ولهذا تؤكد اليونسكو أن يبقى الإنسان في مركز استخدام الذكاء التوليدي في التعليم والبحث مع حماية البيانات والتحقق من ملاءمة الأدوات تربويًا وأخلاقيًا لذلك ينبغي أن تنتقل مدارسنا وجامعاتنا من اختبار ما يحفظه الطالب إلى قياس قدرته على التحليل والتطبيق والتحقق والدفاع عن رأيه وأن نعلّم الشباب متى يشكون في نتائج الآلة ومتى يرفضونها ومتى يعودون إلى المصدر الأصلي.
قد يكون أندرو إنغ محقًا في أن التكنولوجيا تستطيع توسيع قدرات البشر، لكن ذلك ليس نتيجة مضمونة للتقدم التقني، بل قرار تعليمي واقتصادي وأخلاقي في آن واحد وسيمنح الذكاء الفائق جيل زد وصولًا غير مسبوق إلى المعرفة لكنه لن يمنحه الحكمة في استخدامها وإن كان المستقبل يكافئ من يعرف كيف يحصل على الإجابة فسيكافئ أكثر من يعرف كيف يختبرها ويفهمها ويحوّلها إلى فكرة أو قرار أو ابتكار، فالمعركة ليست بين الإنسان والآلة بل بين إنسان يستخدم التكنولوجيا ليصبح أقدر وآخر يتركها تُغنيه عن التفكير والسؤال الكبير الذي يطرح نفسه اليوم ليس: إلى أي مدى سيصبح الذكاء الفائق ذكيًا؟ بل: إلى أي مدى سنصبح نحن أذكى بفضله؟
** **
- كاتب أمريكي
آراء الكتاب
-
الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ
- 936
- 2016-02-09 17:29:26
محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...
-
حراسة الرمز - سعد الدوسري
- 1046
- 2016-02-09 17:29:27
سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...
-
الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض
- 933
- 2016-02-09 17:29:30
د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...
-
بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد
- 902
- 2016-02-09 17:29:32
يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...
-
دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي
- 897
- 2016-02-09 17:29:35
ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...
-
التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد
- 1131
- 2016-02-09 17:32:18
لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...