الرعب الاقتصادي! - د.زيد محمد الرماني
د.زيد محمد الرماني
فيفيان فورستي، روائية، وباحثة، وقد تُرجمت أعمالها إلى خمس وعشرين لغة، أمّا دراستها «الرعب الاقتصادي» فلاقت ترحيباً مدوّياً في فرنسا والبلدان الأجنبية على حدّ سواء. وكان أن مُنحت جائزة مديتشي في عام 1996 عن تلك الدراسة.
تقول فيفيان: في كل يومٍ، نرى بأمّ العين الفشل الذريع للنظام الليبرالي في حدوده القصوى. وفي كل يومٍ نرى تلك المنظومة الأيديولوجية، التي نهضت على عقيدة (أو أضغاث أحلام) التنظيم التلقائي ذاتياً للاقتصاد الذي سُمّي اقتصاد السوق، وهي تبرهن عن عجزها عن إدارة شؤونها بالذات، عن التحكّم بزمام ما تُطلقه من عقاله، عن توجيه ما تُحرّض على ظهوره. حتى أن مبادراتها، بكل ما فيها من قسوة تقع على كاهل مجمل السكّان، باتت تنقلب عليها بمؤثراتها الارتكاسية، مع استمرار ظهورها بمظهر العاجز عن تقويم حدّ أدنى من الانضباط لما تدأب على فرضه.
ثم تقول: «لا بديل عن اقتصاد السوق»: ذلك هو الإملاء الهزيل، أضف إلى أنه بات من الآن فصاعداً مفتقراً إلى أيّ أساس، لأن اقتصاد السوق يشمل اقتصاداً قائماً بالخالص على المضاربة والاحتكار يلغيه ويدمره مثلما يدمّر كلّ ما سواه! وحتى لو لم يكن سوى الزعم بوجود نمط وحيد للمجتمع، لا بديل له، فهذا ليس لا معقولاً وحسب، بل هو من نمط ستالينيّ. ويتحقق هذا، أيّاً كان النمط المقترح. فأيّاً كان ذلك النمط، فنحن إزاء خطاب ديكتاتوري يؤطر، مع ذلك، المساحة التي حوصرنا ضمنها في يومنا هذا. إنها مساحة لم تعدّ تبدو على ارتباط بأيّ نظام، حيث ما من نظام يبدو أنه قاوم السيطرة المسمّاة «اقتصادية» والتي يتكاتف كلّْ شيء لإقناعنا بأنها وحدها السائدة وأنها وحدها التي تُنقل بوطأتها علينا، حيث تحقّق الفوز في النهاية للاقتصاد على العامل السياسي. وهذا فيه ما فيه من الغلط. فالاقتصاد لم يحقق الفوز على السياسيّ. بل العكس هو الصحيح.
وتؤكد فيفيان: ومن جديد، تدّعي ما فوق الليبرالية بأن ما تقوم به هو اقتصاد، وبأنها لم تقم إلا بعقد صفقات. هي تدّعي عقد صفقات وتحريك أعمال لكنها لم تفعل سوى المضاربة. نحن نعلم التداعيات. فهي متوقعة.
غير أننا لا نكتفي بخلط الاقتصاد مع عمليات «البيزنس»، أو «البيزنس» مع المضارية، أو حتى العولمة بإدارتها ما فوق الليبرالية: بل نحن نخلط اختلاس الاقتصاد مع اختلاس ما هو سياسي. إننا، على وجه الخصوص، نخلط السلطات السياسية مع القدرة الاقتصادية. يغيب عنّا حينذاك أن تلك القدرة إذا كانت تشلّ عمل تلك السلطات، فهذا لا يعني أنها تغيّبها وإنما هي تجعلها ملحقة بها وتحكم بدلاً منها. دون أدنى اهتمام بإيجاد اقتصاد حقيقي، لأنها لا تريد سوى طوفانات مالية مجنونة.
ما هو الاقتصاد؟ تنظيم، توزيع الإنتاج بما يحقق مصلحة الناس، ورفاههم؟ أم استخدام الناس أو تنحيتهم جانباً تبعاً للتقلّبات المالية الفوضوية، دون ارتباطٍ بهم، وإنما بالارتباط حصرياً بالريعيّة، وعلى حسابهم؟ فهل نحن بذلك مع اقتصادٍ حقيقي أو، على العكس، مع نفي الاقتصاد؟
إن البقاء على جهل بالمشاكل الحقيقية، بمعطياتها الصحيحة، لا يترك مجالاً إلاّ لمعاناتها كما يريد أولئك الذين أوجدوها والذين يتأكدون هكذا من استمراريتها. والحال، فنحن نناقش ونتناقش تبعاً لتلك الطروحات المغشوشة، المتكرّرة بوجوه متعدّدة، والتي يقدّمها أولئك الذين من مصلحتهم منع التطرّق إلى أصول الموقف فيستعيضون عنها باستنتاجاتهم، التي يلبسونها لبوس البدهيات المسلَّم بها.
ختاما تقول فيفيان: وها هي تهلّ علينا «الثروات» الشهيرة التي يجري «خلقها»، لتقوم دفعة واحدة بتقديم الكنوز إلى البشرية جمعاء. وما أكبر الرضا، والعرفان، والإعجاب عند الإشارة إليها، تلك الروائع المنبثقة بفضل «خالقيها» المبدعين، أولئك القادة الذين يديرون شؤون الاقتصاد الخاص، وقد تزيّوا بغتة متنكّرين بأزياء السحرة! وها نحن تتجه خيالاتنا إلى عصا الجنّية، إلى مغارة علي بابا. لكن، عن أي ثروات يتحدثون؟ عن ثروة عمّت الجنس البشري؟ عن تقدم علمي، اجتماعي؟ عن آثارٍ عظمى؟ عن مستلزمات جوهرية، نفسية، كبيرة الفائدة؟ كلا، وإنما عن فوائد مجتباة من إنتاج افترضوه بأنه يُدرّ دخلاً. ولا شيء سوى ذلك. «ثروات» فعليّة، لكنها تعود بالغنى على «المتعهدين» لا غير وعلى المشتركين معهم بأسهم. وأقلّه، فهذه الفوائد هل يُصار إلى ترجمتها في وظائف؟ هذه الفوائد هل يُصار إلى توزيعها؟ هذا ما يعلنون عنه بطنطنة ودون توقّف. على أن تلك الرسالة تم تجاوزها والسلام: فأكثر الأرباح جنياً للفوائد والأرباح لا تتوقف عن التسريح؛ وأصحاب الحلّ والربط فيها لديهم ميلٌ لا يقاوم، أفضلية لا تلين لخفض كلفة العمل. وماذا الاستثمار بالتوظيف؟ التسريح أربح.
آراء الكتاب
-
الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ
- 756
- 2016-02-09 17:29:26
محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...
-
حراسة الرمز - سعد الدوسري
- 862
- 2016-02-09 17:29:27
سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...
-
الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض
- 740
- 2016-02-09 17:29:30
د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...
-
بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد
- 725
- 2016-02-09 17:29:32
يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...
-
دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي
- 728
- 2016-02-09 17:29:35
ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...
-
التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد
- 944
- 2016-02-09 17:32:18
لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...