الإثنين, آب/أغسطس 03, 2026

All the News That's Fit to Print

د.عبدالله بن موسى الطاير

يتابع المحللون الإيرانيون الذين يمثلون خطاب الحرس الثوري في القنوات العربية الانتخابات النصفية الأمريكية باهتمام يفوق اهتمام بعض الأمريكيين بها. ليس شغفا مفاجئا بالديمقراطية الأمريكية، بل أمنيات بأن إطالة الأزمة ورفع تكلفتها يمكن أن ينقلا المعركة من مياه الخليج وسماء إيران إلى محطات الوقود وصناديق الاقتراع الأمريكية.

لا زالت أزمة الرهائن الأمريكيين حاضرة باعتبارها نموذجا استثمر الانقسام الداخلي الأمريكي، فتحولت الأزمة من اعتداء على بعثة دبلوماسية إلى مشهد يومي لعجز إدارة الرئيس جيمي كارتر. إن أزمة الرهائن وعملية الإنقاذ الفاشلة التي قامت بها إدارة كارتر، والتنسيق السري بين حملة ريجان والحرس الثوري ضخمت ضعف الرئيس وفقدانه السيطرة.

القياس في هذا السياق قد يضلل الحرس الثوري أكثر مما يفيده؛ لأن دونالد ترمب ليس على ورقة الاقتراع في نوفمبر 2026م، والديموقراطيون لا ينسقون مع الحرس الثوري لأن أمريكا في حالة حرب، والرئيس ترامب لا يرحم. نزع الأغلبية من الجمهوريين في الكونجرس لن يخرج ترمب من البيت الأبيض، فسيظل رئيسا لأمريكا وقائدا أعلى للقوات المسلحة، سواء احتفظ حزبه بالمجلسين أم خسر أحدهما أو كليهما.

وفي هذا السياق يعمل الحرس الثوري، المصنف منظمة إرهابية أجنبية في أمريكا منذ عام 2019م، باعتباره جهازا لإدارة الضغط غير المباشر على الشارع الأمريكي، وله أدواته؛ فقد بنى خلال عقود شبكة من الجماعات المسلحة في العراق ولبنان واليمن وغيرها، وسلّحها ومولها واستخدمها لمهاجمة الدول والمصالح التي يريد الضغط عليها، مع إبقاء مسافة سياسية بينه وبين نتائج أعمالها.

وليست العمليات التي ينفذها الحرس الثوري ضد دول الخليج والسفن التجارية تعبيرا عن شجاعة عسكرية، بل عن انتقائية واضحة في اختيار الأهداف. فهو يفضل نقل كلفة المواجهة إلى أراضي الآخرين، وضرب منشآت في دول لم تبدأ الحرب، وتهديد ناقلات تحمل نفطا لا علاقة لأصحابه بالصراع، وتحريك الحوثيين والمليشيات العراقية لضرب السعودية والممرات البحرية. وحتى عندما يعلن مهاجمة منشآت أمريكية، تقع الصواريخ والطائرات المسيّرة فوق أراضي دول الخليج، وتتحمل شعوب المنطقة أخطار التصعيد وأضراره الاقتصادية والأمنية. هذه السياسة قد ترفع أسعار النفط وتربك الاقتصاد الأمريكي، ولكن كلما هاجمت إيران دول الخليج والسفن المدنية، منحت ترمب مبررا إضافيا للقول إن الحرب دفاع عن القوات الأمريكية وحرية الملاحة والاقتصاد العالمي.

لن يحصل الديمقراطيون بحال من الأحوال على العدد المعطل في الكونجرس وهو 60، ومن باب أولى فإنهم لن يستطيعوا بمعية المستقلين وبعض الجمهورين حيازة الأغلبية المطلقة الكفيلة بمحاكمة ترمب وعزله.

صحيح أنهم يستطيعون في حالة فوزهم فتح تحقيقات، واستدعاء وزراء الدفاع والخارجية وقادة الجيش، وفرض نقاش علني حول أهداف الحرب وتكاليفها، ولكنهم سيكونون في نهاية المطاف تحت رحمة فيتو الرئيس الذي لن يتجاوزوه سوى بأغلبية مطلقة. ومن حيث المبدأ يملك الكونجرس سلطة المال، لكنه يتردد تاريخيا في استخدامها لخنق عملية عسكرية جارية؛ لأن الرئيس يستطيع اتهام معارضيه بالتخلي عن الجنود وهم في الميدان.

الثغرة الأوسع في حسابات الحرس الثوري هي أن كارتر كان يخشى أن يؤدي استخدام القوة إلى قتل الرهائن وتوسيع الأزمة، وحرص على إظهار نفسه رئيسا يضبط اندفاع المؤسسة العسكرية. أما ترمب فعلى العكس؛ يبني بعض شرعيته على صورة الرجل الذي لا يقبل الإهانة، ولا يتراجع تحت الضغط، ولا يؤمن بضبط النفس، ولا يسمع للدولة العميقة التي أنقذت الحرس الثوري نصف قرن تقريبا. وهنا يقع الحرس الثوري في سوء تقديره، ففي اللحظة التي يصل فيها ترمب إلى قناعة أن طهران تطيل الحرب عمدا لإسقاط الجمهوريين وإذلاله، فقد يكون رده مدمرا قبل الانتخابات حتى لا يبدو خاضعا للابتزاز. وبذلك فإن الضغط الذي كان يدفع كارتر إلى الحذر قد يدفع ترمب إلى مضاعفة القوة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بصورته الشخصية.

ترمب ليس على ورقة الاقتراع، والديموقراطيون لن يحصلوا على أغلبية قادرة على تجاوز فيتو الرئيس، والمشرعون لن يسارعوا إلى قطع المال عن قوات أمريكية تقاتل في الخارج. كما أن الحرس الثوري، بمهاجمته دول الخليج والسفن التجارية وتحريكه الجماعات التابعة له، يوحد ضده أطرافا كانت تسعى إلى التهدئة، ويمنح ترمب المبررات التي يحتاجها لاستمرار الحرب. كما أن نتيجة الانتخابات لن تنعكس على الواقع سوى في يناير 2027م، مما يعني أن الرئيس قد يستطيع خلال شهرين تقريبا من الاحتياط فيما لو هزم حزبه.

قد ينجح الحرس الثوري في جعل الحرب أكثر كلفة على أمريكا، لكنه يخطئ إذا اعتقد أن صناديق الاقتراع الأمريكية ستنقذه. محاولة تكرار تجربة كارتر، وإظهار الرئيس الأمريكي وكأنه انكسر تحت ضغط إيران، سيكشف للحرس الثوري أن الرجل الذي أمامهم يقرأ الإهانة بطريقة مختلفة، ويرد عليها بطريقة أشد قسوة.

آراء الكتاب

  • الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ

    محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...

  • حراسة الرمز - سعد الدوسري

    سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...

  • الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض

    د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...

  • بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد

    يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...

  • دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي

    ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...

  • التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد

    لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...