المؤمن الذي لا يؤمن بشيء! - د.عبدالله بن موسى الطاير
د.عبدالله بن موسى الطاير
في مطلع القرن العشرين، ومع حمى الانقلاب على بعض الأنظمة الملكية، احتاجت كل حركة سياسية كبرى في لحظتها الأولى، إلى رجل يريد السلطة، وفكرة تمنح الناس مبرراً أخلاقياً للسير في ركابه. قد يكون الرجل مؤمنا بما يقول، وقد يكون من نوع خطير لا يؤمن بالفكرة إلا بقدر ما توصله إلى السلطة، ولا يرى في العقيدة إلا جسراً تعبر عليه الجماهير إلى حيث يريد هو، لا إلى حيث تظن هي.
التاريخ السياسي الحديث عرف النموذجين، قائد مؤمن بفكرته، وقادة تحركوا بين العقائد كما يتحرك المتبضع بين الأسواق؛ اشتراكي حين تكون الاشتراكية رابحة، قومي حين تصعد القومية، محافظ حين يخاف المجتمع، ومؤمن حين يكون الدين هو الطريق الأقصر إلى الحشد وصناديق الاقتراع.
الخطر ليس في العقائد وحدها، فالعقيدة قد تنهض بأمة حين تضبطها الأخلاق والمؤسسات والقوانين، وإنما في حين يستخدمها رجل لا يقدس شيئا سوى السلطة، عندها تتحول الفكرة من مشروع عام إلى أداة خاصة، ومن حلم أمة إلى هتاف طويل ينتهي عند باب القصر.
القومية العربية في زمن جمال عبد الناصر لم تكن مجرد شعار، بل موجة عاطفية هائلة أيقظت جموعا ناقمة من المحيط إلى الخليج. كان الشعور بالإهانة بعد الاستعمار وسايس-بيكو ووعد بلفور ينتظر صوتا يقول إن الأمة واحدة، وإن العامل والفلاح والجندي والطالب أجزاء من جسد عربي كبير، ثم الحقها بالاشتراكية لتضيف إلى الحلم القومي وعد العدالة الاجتماعية، وتمنح الفقراء شعورا بأن لهم مكانا في قلب الدولة لا على هامشها. امتلك مشروع ناصر -في ظاهره- إيمانا حقيقيا بمشروع الاستقلال والنهضة، ووظف ببراعة العاطفة العامة والرمز الشخصي ليضرب في كل اتجاه، لكن الدرس الأهم أن الفكرة حين تلتصق بشخص واحد، وتصبح الأمة في صورة الزعيم، تفقد قدرتها على تصحيح نفسها.
ثم جاء البعث في العراق وسوريا بصورة أشد قسوة، أطلق شعارات الوحدة والحرية والاشتراكية التي بدت امتدادا لأمل عربي كبير، لكنها تحولت مع صدام حسين وحافظ الأسد إلى أدوات سيطرة محكمة. فلم تعد البعثية مجالا للنقاش أو الإصلاح، بل صارت هوية إجبارية، وحزبا مركزيا، وأجهزة أمن، واضطر الوطن إلى المرور عبر الحزب، والحزب عبر القائد، والقائد حاكم بأمره. لقد تحولت عقيدة البعث من وعد إلى زنزانة، فالذي يرفع شعار الحرية قد يلغيها باسم حماية الثورة، والذي يتحدث عن الوحدة قد يمزق المجتمع بين موالٍ وخائن، والذي يبشر بالاشتراكية قد يصنع طبقة جديدة من المنتفعين. المشكلة هنا ليست في القومية أو الاشتراكية أو الدين، بل في الاستخدام الماكر للفكرة بجعل الشعار أكبر من الإنسان، والزعيم أكبر من الشعار.
قادة سياسيون، في بلدان راسخة الديموقراطية والمؤسسات، يقدمون نماذج معاصرة، فلم يظهروا في السياسة الغربية منظّرين أيديولوجيين محافظين، ولا واعظين دينيين، ولا أصحاب فلسفة أخلاقية، وإنما رجال يعرفون جمهورهم، ويقرأون الغضب الاجتماعي قراءة غريزية، ثم يمنحونه لغة خشنة تشعره بأنه انتقم أخيرا ممن يزدريه. وجدوا في أحزاب اليمين، وداخل قطاعات إنجيلية ومحافظة، جمهورا لا يبحث عن قديسين، فلديه يوم الأحد المئات منهم، بل يبحث عن مقاتلين.
شعر جمهور المحافظين أن مجتمعاتهم تتغير بسرعة، وأن قيمهم المسيحية تُدفع إلى الهامش، وأن النخب الثقافية والإعلامية تسخر من القيم الأصيلة. هنا ظهرت الصفقة السياسية؛ هم لا يسألون القائد عن تدينه الشخصي، وهو لا يطلب منهم أن يصدقوا أنه واحد منهم في السلوك؛ يكفي أن يخوض معهم وبهم معركة إثبات الوجود، ويتكلم بلغة الخصومة التي يحبون سماعها. كل جماعة غاضبة تبحث عن رجل يقول لها إنها ليست مخطئة، وإن العالم تآمر عليها، وإن خلاصها لن يكون بالمؤسسات البيروقراطية ولا بالرعونة الليبرالية، بل بالزعيم الذي يفهمها. هنا يولد الشعبوي؛ لا ببرنامج واضح، بل بادعاء مفاده: أنا الشعب، ومن يعارضني يعارض الشعب، ولذلك وُصف الإعلاميون المعارضون بأنهم أعداء للأمة.
هذا النوع من القادة لا يحتاج إلى الإيمان كي يحرك المؤمنين، وإنما يكفيه أن يعرف مفرداتهم، ويقف في معابدهم، ويستعير رموزهم في اللحظة المناسبة. وعندما تجتمع الجماهير، يتراجع العقل ويختفي المنطق، ولا يعد هناك مجال للأسئلة المشروعة من أمثال: ماذا يفعل القائد بمن يختلف معه؟ وهل يسمح للمؤسسات أن تقيده؟ وهل تقوى الفكرة في غيابه أم تموت؟
في السياسة مؤمنون قساة، ومؤمنون مخادعون، ومؤمنون لا يؤمنون بشيء، والصنف الأخير يدخلون المعبد لا للصلاة، بل لإحصاء عدد الحضور، وحين ينتهي المشهد، يذهب الزعيم إلى عرشه، ويبقى الناس في الساحة يتجادلون حول فكرة أحبوها بصدق، ولا يكتشفون إلا متأخرين أن الرجل الذي طلب منهم الإيمان لم يكن مؤمنا إلا بنفسه.
آراء الكتاب
-
الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ
- 772
- 2016-02-09 17:29:26
محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...
-
حراسة الرمز - سعد الدوسري
- 881
- 2016-02-09 17:29:27
سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...
-
الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض
- 754
- 2016-02-09 17:29:30
د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...
-
بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد
- 739
- 2016-02-09 17:29:32
يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...
-
دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي
- 741
- 2016-02-09 17:29:35
ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...
-
التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد
- 957
- 2016-02-09 17:32:18
لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...