المجتمع الريعي نقطة ضعف الدولة القوية - م.عبدالمحسن بن عبدالله الماضي
م.عبدالمحسن بن عبدالله الماضي
1 - المجتمع السعودي مجتمع ريعي بامتياز؛ أي أنه اعتمد تاريخيًا في معيشته وخدماته وتوظيفه وتعليمه وصحته وبنيته التحتية، بدرجة كبيرة، على إيرادات الدولة، وتحديدًا ريع النفط.. هذا الاعتماد خلق علاقة مباشرة بين الدولة والمجتمع، فالدولة توزع، والمجتمع يتلقى.. ورغم عظمة كيان الدولة، وضخامة مواردها، وامتلاكها ميزات جغرافية وتاريخية واقتصادية وثقافية جعلت لها حضورًا سياسيًا كبيرًا في العالم، فإن هذه القوة الظاهرة تخفي قدرًا من الهشاشة البنيوية.
2 - ما الذي يجعل هذه الدولة العظيمة تعاني من الهشاشة البنيوية؟ لأن قوة الدولة في المجتمع الريعي تقوم بدرجة كبيرة على قدرتها على الإنفاق، وليس بالضرورة على قوة المجتمع الإنتاجية.. ولهذا فإن أي اضطراب في موارد الدولة، كانخفاض أسعار النفط، أو تعرضها لتهديدات خارجية، يمكن أن تنعكس آثاره سريعًا على المجتمع، لأن المجتمع لم يبنِ بعد بالقدر الكافي آليات اكتفاء ذاتي تمكنه من مواجهة الصدمات بعيدًا عن الدولة.
3 - تجلت مظاهر هذه الهشاشة الريعية في عدة صور؛ من أبرزها سوق عمل ارتبط بالدولة لسنوات طويلة، حيث ظلت الدولة هي المستوعب الأكبر للخريجين، حتى تحول التوظيف في الوعي الاجتماعي إلى أمان وظيفي وحق مكتسب.. كما تحول الاقتصاد بدرجات متفاوتة إلى اقتصاد استهلاكي، فالقوة الشرائية مرتفعة، لكن جزءًا كبيرًا مما نستهلكه لا ننتجه.. وأدى ذلك إلى ثقافة اقتصادية لا تشجع على المخاطرة والمبادرة، ما دام «الراتب مضمونًا»، فتراجعت دوافع الابتكار وتأسيس المشاريع.. ومع هذا كله، أصبحت الدولة مركز القرار والخدمة، حتى بدا أن كثيرًا من الأشياء تبدأ عند الدولة وتنتهي عندها.
4 - في هذا السياق يمكن النظر إلى جوهر «رؤية السعودية 2030» باعتبارها مشروعًا لفك هذا الارتباط؛ فهي ليست مجرد خطة تنمية اقتصادية، وإنما محاولة لإعادة هندسة العلاقة بين الدولة والمجتمع، بحيث ينتقل المجتمع تدريجيًا من موقع المتلقي للريع إلى موقع الشريك في الإنتاج.. والهدف الإستراتيجي من ذلك هو بناء اقتصاد ومجتمع أكثر قدرة على مواجهة التقلبات، بحيث لا يصبح استقرار المجتمع مرتبطًا بقدرة الدولة على الإنفاق.
5 - وتحاول الرؤية فك هذا الارتباط عبر مسارات متعددة؛ أولها تنويع مصادر الدخل من خلال الاستثمار والسياحة والصناعة والطاقة المتجددة والتقنية وغيرها، بما يخلق اقتصادًا أكثر تنوعًا وأقل اعتمادًا على مصدر واحد.. وثانيها تمكين القطاع الخاص من خلال التخصيص، ودعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة، وخلق المزيد من الوظائف في القطاع الخاص، مع تحول الدولة تدريجيًا من دور المشغِّل المباشر إلى دور المنظِّم والممكِّن.. وثالثها بناء الإنسان المنتج من خلال التدريب، والتأهيل المهني، والابتعاث، والعمل الحر وريادة الأعمال، وإعادة تعريف قيمة العمل، بحيث تصبح الكرامة مرتبطة بالإنتاج والقدرة والإنجاز، لا بمجرد الحصول على راتب حكومي.
6 - الغاية النهائية من ذلك كله هي الانتقال من (دولة قوية الموارد) فقط إلى (دولة قوية البنية) أيضًا.. فالدولة القوية حقًا ليست التي تمتلك أكبر ميزانية فحسب، وإنما التي يمتلك مجتمعها قدرًا عاليًا من المناعة والقدرة على الاستمرار؛ مجتمعٌ فيه شركات ومشاريع وحرفيون ومبتكرون ومتطوعون، وقطاعات اقتصادية قادرة على العمل والدوران حتى في حال تراجع مورد النفط.. وكأن الرؤية تقول ضمنًا: لن نجعلكم أقوياء بالمال فقط، بل بالقدرة؛ ولن نحميكم من الصدمات بالاحتياطيات وحدها، بل بتعدد الخيارات.
7 - المشكلة الريعية ليست تهمة، وإنما نتيجة طبيعية لمرحلة تاريخية ارتبط فيها بناء الدولة وتطور المجتمع بتدفقات النفط.. لكن استدامة أي دولة، مهما بلغت قوتها ومواردها، تقاس في النهاية بقدرة مجتمعها على الوقوف إذا غاب أو تراجع الداعم الأكبر.. من هنا يمكن قراءة رؤية السعودية 2030 باعتبارها محاولة جادة لتفكيك هذه الهشاشة، ونقلنا من معادلة دولة قوية ومجتمع يعتمد عليها كليًا، إلى معادلة دولة قوية بمجتمع قوي ومنتج.
آراء الكتاب
-
الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ
- 853
- 2016-02-09 17:29:26
محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...
-
حراسة الرمز - سعد الدوسري
- 960
- 2016-02-09 17:29:27
سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...
-
الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض
- 847
- 2016-02-09 17:29:30
د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...
-
بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد
- 823
- 2016-02-09 17:29:32
يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...
-
دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي
- 827
- 2016-02-09 17:29:35
ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...
-
التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد
- 1046
- 2016-02-09 17:32:18
لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...