الهمس في وسط الضجيج - د.عبدالله بن موسى الطاير
د.عبدالله بن موسى الطاير
تبدو واشنطن، في لحظات التوتر الكبرى، كأنها مسرح مفتوح للمعلومات غير الرسمية، فلا شيء فيها يقال على نحو كامل، ولا شيء يخفى بشكل تام. أجهزة دول العالم، والإعلام يتسوق في هذا الفضاء المفتوح، يلتقط من حركة صغيرة، أو صورة عابرة، أو تسريب محسوب، ما قد يكشف اتجاه الأحداث قبل أن تتحول إلى عناوين كبرى.
واشنطن تعرف كيف تتكلم بصمت مطبق، وتبيع الإشارات قبل أن تصدر البيانات، وتتيح قراءة النوايا قبل أن تعلن القرارات إلى الأمة. من النادر إعلان حروب واشنطن قبل أن تبدأ، ومن الأندر أن تعلن بالخطب المباشرة.
تكون العيون والآذان في حالة استنفار في الساعات أو الأيام التي تسبق ضربة عسكرية، تحاول التقاط مشاهد تبدو للمتابع العادي مصادفات طبيعية، كرئيس يقطع رحلة خارجية على نحو مفاجئ، ومستشار مقرّب ينشر صورة لحاملة طائرات عند الغروب، وجنرال يدخل منشأة أمنية في توقيت غير مألوف، أو مناسبة اجتماعية تلغى بلا ضجيج، أما لمن يعرف قواعد التواصل الإستراتيجي، فهي ليست تفاصيل عابرة، بل عبارات كاملة في لغة قديمة تجيدها الحكومات. إنها لغة الغموض المتعمّد، وقد تكون أقوى أثراً من أي مؤتمر صحفي مباشر.
عندما يغيّر رئيس دولة جدول أعماله فجأة، تتنبه أجهزة الاستخبارات في العالم، وعندما يمتلئ حساب مسؤول قريب من مركز القرار بصور عمليات بحرية أو طائرات مقاتلة، فإن الجمهور المقصود ليس داخل الدولة فحسب، وإنما تقرأ الرسالة في طهران وبكين وموسكو، كما تُقرأ في عواصم الحلفاء التي تراقب سلوك واشنطن لحظة بلحظة. إنه ما يعرف باسم «الإشارة الإستراتيجية»، وهي علامة بسيطة وخطيرة في آن واحد؛ فالدولة تلمح إلى نيتها، من دون أن تتحمل تكلفة الإعلان الرسمي، وما يتبعه من التزامات سياسية ودبلوماسية وقانونية. الخصم الذي يحسن قراءة تلك الإشارات يكون قد حصل على فرصة للتراجع أو تعديل السلوك، أما إذا أساء فهمها، أو تجاهلها، فقد جنت على نفسها براقش.
قبل حرب الخليج عام 1991م، كان الحشد العسكري العلني رسالة بحد ذاته، لم يكن مجرد استعداد عسكري قبل هبوب عاصفة الصحراء، بل كان خطاباً مباشراً موجهاً إلى صدام حسين. وقبل غزو العراق عام 2003م، كشفت التسريبات الدبلوماسية والتموضع العسكري اتجاه القرار قبل أسابيع من سقوط القنابل. ليس هذا التقليد خاص بالحروب، بل حتى في العمليات السرية، يبقى النمط واضحاً في تحرك الأصول، وارتفاع وتيرة الاتصالات، وشعور المراقبين بالرجفة التي تسبق الزلزال.
تستخدم التلميحات والتسريبات لتهيئة الرأي العام المحلي لما قد يأتي، من دون الدخول فوراً في تكلفة الإعلان المباشر، وبهذه الطريقة تستطيع الحكومة أن تعبئ المزاج الشعبي، وتحشد الروح الوطنية، وتخفف أثر الصدمة. وفي عصر وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح هذا المسار أسرع وأكثر انكشافاً، فصورة واحدة ينشرها مسؤول رفيع على إحدى المنصات قد تصل إلى ملايين الناس خلال دقائق، دون الحاجة إلى وسيط إعلامي تقليدي، ولا إلى بيان رسمي، ولا إلى متحدث باسم الحكومة. ومع ذلك، يمكن التنصل بسهولة، فهي ليست إعلاناً رسمياً، ولا قراراً، ولا وثيقة ملزمة، لكنها في الوقت نفسه تصل وتحقق هدفها.
اللعبة ليست آمنة تماماً، وإنما محفوفة بالمخاطر، فالغموض الاستراتيجي لا ينجح إلا إذا فهم الخصم الإشارة كما صممها المرسل، وحول هذا جدل كبير في علم الاتصال. أما إذا قلّل من شأنها، أو بالغ في تفسيرها، فقد تكون النتيجة أسوأ من الصمت وأخطر من المباشرة. ففي عام 1950م، فهم خطاب وزير الخارجية الأميركي إذ ذاك وكأنه يستثني كوريا الجنوبية من المظلة الدفاعية الأميركية في آسيا، فأعطى الضوء الأخضر لكوريا الشمالية والاتحاد السوفيتي، فاندلعت الحرب الكورية بعد أشهر قليلة، وكذلك فهم صدام حسين تصريحات السفيرة الأمريكية في بغداد حول الترتيبات الدفاعية الأمريكية الكويتية على نحو خاطئ، وبحلول أغسطس كان يجتاح الكويت. وفي الاتجاه المعاكس، قد تؤدي الإشارات العدائية المفرطة إلى ذعر الخصم ودفعه إلى ضربة استباقية لم يكن ليقدم عليها لولا شعوره بأن الهجوم وشيك، فعندما تعلن دولة، ولو تلميحاً، أن الضربة قادمة، فإنها قد تسحب من الطرف الآخر حافز الانتظار.
في عالم يستطيع فيه أي مسؤول، أو مصدر مقرب، أو حتى مقاول دفاعي مجهول، أن ينشر مقطعاً لتحركات عسكرية أو صورة من موقع حساس، يصبح العبء على الصحفيين والمواطنين أكبر من أي وقت مضى، فقراءة الإشارات لا تتطلب جنون ارتياب، لكنها لا تحتمل السذاجة واللامبالاة أيضاً. الحرب أخطر ما يمكن أن تقدم عليه الدولة، وما يسبقها من إشارات لا يقل أهمية عن لحظة اندلاع الحرب، فقبل أن تهدر المدافع بلغتها الخاصة، تكون الرسائل قد قيلت بالفعل، لكن بلغة أخرى، وحين تنتهي الخطابات، لا يبقى أمام العالم إلا التاريخ ليحاول تفسير ما كان مقصوداً منذ البداية.
آراء الكتاب
-
الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ
- 707
- 2016-02-09 17:29:26
محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...
-
حراسة الرمز - سعد الدوسري
- 814
- 2016-02-09 17:29:27
سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...
-
الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض
- 684
- 2016-02-09 17:29:30
د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...
-
بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد
- 678
- 2016-02-09 17:29:32
يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...
-
دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي
- 675
- 2016-02-09 17:29:35
ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...
-
التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد
- 881
- 2016-02-09 17:32:18
لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...