اليمين المتطرف.. حكم قابل للاستئناف - د.عبدالله بن موسى الطاير
د.عبدالله بن موسى الطاير
ليس السؤال الأهم في صعود اليمين المتطرف في الديموقراطيات الغربية هو لماذا ازدادت شعبيته، ومن الملام في ذلك، بل لماذا أصبح قطاع متزايد من الناخبين مستعداً لمنحه فرصة الحكم، مع ما يكتنف خطابه من مخاطر على مؤسسات الديمقراطية نفسها؟ كل بضعة أشهر تأتي نتيجة انتخابية لتعلن تقدم حزب قومي، أو دخوله الحكومة، أو تحوله من قوة هامشية إلى منافس على السلطة، والأمثلة شاهدة في إيطاليا وهولندا والنمسا وألمانيا وفرنسا، وفي الولايات المتحدة لم يحتج التحول إلى حزب جديد؛ فقد استطاعت حركة ماغا أن تعيد تشكيل الحزب الجمهوري من داخله. لذلك لم يعد صعود اليمين المتطرف حادثة انتخابية عابرة، ولا ظاهرة تخص بلداً دون آخر، بل تعبير عن أزمة أوسع في علاقة الناخبين بالنظام السياسي القائم.
اليمين المتطرف نجح لأنه جمع شكاوى متفرقة في قصة سياسية واحدة فصولها الوظائف التي اختفت، والمدن التي تراجعت، والخدمات العامة التي ضعفت، والهجرة التي بدّلت ملامح بعض الأحياء، والنخب التي تبدو بعيدة عن الحياة اليومية، ثم قدّم المهاجرين خصماً واضحاً يمكن تحميله المسؤولية.
الموضوع أبعد من الهجرة، فقد بدأ جانب من هذا التحول قبل 2015م عندما تراجعت الصناعات التقليدية على مدى عقود، ثم جاءت الأزمة المالية في 2008م وسياسات التقشف التي أعقبتها لتزيد شعور مناطق كاملة بأنها دفعت ثمن التحول الاقتصادي من دون أن تنال مكاسبه. تقارب أحزاب يسار الوسط ويمين الوسط في السياسات الاقتصادية وإدارة الدولة إلى درجة تلاشت معها الفروق عند الناخبين. وحين تفشى القلق من الهجرة والخوف على الهوية، تراوحت استجابة الأحزاب التقليدية بين التقليل من شأن ذلك القلق والخوف من جانب، واستعارة لغة اليمين المتطرف نفسها، من جانب آخر. في الحالتين خرج الأخير رابحاً، فمرة لأنه بدا الوحيد الذي يصغي، ومرة كسب لأن خصومه أكدوا، من حيث لا يريدون، أن أسئلته هي الأسئلة الصحيحة.
وصول اليمين المتطرف إلى السلطة كشف أنه ليس عقيدة سياسية واحدة، فجورجيا ميلوني في إيطاليا أدارت السياسة الخارجية داخل الإطار الأطلسي والأوروبي بدرجة أكبر مما توقعه كثيرون. وفي المجر بنى فيكتور أوربان خلال ستة عشر عاماً نموذجاً أكثر صرامة في إخضاع مؤسسات الدولة، وتغيير قواعد المنافسة السياسية، قبل أن يخسر الانتخابات هذا العام. ومع أن التجربتين مختلفتان، لكنهما تكشفان أن الاختبار الحقيقي لا يكمن في الشعارات الانتخابية بقدر ما يكمن في علاقة الحاكم بالمؤسسات التي يمكن أن تقيد من سلطته.
التحول الأخطر في الديمقراطيات لا يبدأ عادة بإلغاء الانتخابات أو ظهور الدبابات في الشوارع، وإنما بتغييرات تبدو قانونية وهادئة كإعادة تشكيل المحاكم، والضغط على الإعلام العام، والتضييق على الجامعات والمجتمع المدني، وتغيير قواعد الانتخابات، وتوسيع سلطة الحكومة على المؤسسات المستقلة. ومع أن صناديق الاقتراع تبقى مشرعة الأبواب، فإن البيئة التي تعمل فيها تكون أقل توازناً، ومع الوقت تتحول الديمقراطية من نظام يتيح تداول السلطة إلى نظام يتيح الانتخابات من دون أن يضمن تكافؤ المنافسة عليها، أو الاعتراف بنتائجها.
وصف ملايين الناخبين بأنهم متطرفون لا يحل المشكلة، فبعضهم قد يحمل بالفعل مواقف عنصرية أو إقصائية، لكن آخرين يستخدمون التصويت لليمين المتطرف ورقة احتجاج على أوضاع يشعرون أن النظام السياسي لم يعد قادراً على تصحيحها، ويبدو أن جانباً من هذا التصويت يجري، باستعارة المقولة العربية الشائعة، ليس حباً في علي بقدر ما هو كره في معاوية؛ أي أن الناخب لا يصوّت مقتنعاً ببرنامج اليمين المتطرف، وإنما عقاباً للأحزاب التي حكمت طويلاً ولم تعد تسمع معاناته.
لذا فإن من المنطق القول إن صعود اليمين المتطرف ليس حكماً على الهجرة أو العولمة أو تغير القيم الاجتماعية، بل حكم على أداء الأحزاب والمؤسسات التي أدارت الديمقراطيات الغربية خلال العقود الماضية. وهو لا ريب حكم قاس، لكنه ليس نهائياً، فخسارة أوربان في المجر تذكّر بأن المؤسسات والانتخابات تستطيع أن تستعيد قدرتها على التصحيح إذا بقيت مساحة المنافسة مفتوحة، وهو ما يجعل الانتخابات النصفية الأمريكية القادمة حالة خاصة في نتائجها.
باب الاستئناف لا يبدأ بالشعارات المضادة، بل بسياسة أكثر مشقة وأقل إثارة كإعادة بناء المدن والمناطق التي تُركت وراء التحول الاقتصادي، وإدارة الهجرة بوضوح وكفاءة، والحديث مع الناخبين بصدق عن مكاسب التغيير وأثمانه، واستعادة المسافة بين أحزاب الوسط حتى يصبح للاختيار الانتخابي معنى. والأهم هو الدفاع عن المؤسسات قبل أن يصل إلى السلطة من يكتشف أن الطريق الأسهل للبقاء فيها هو تفريغ تلك المؤسسات من مضمونها.
ما يجعل كاتباً في بيئة بعيدة ومختلفة يهتم بحالة غربية خاصة هو تأثير تقلب السياسات في دول عظمى مؤثرة في فلكها، فما يصيب العواصم الغربية الديموقراطية يُلمس تأثيره في أطرف هذا العالم المترابط، وإذا عطست أمريكا وأوروبا اجتاحت قشعريرة الحمى بقية دول العالم.
آراء الكتاب
-
الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ
- 860
- 2016-02-09 17:29:26
محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...
-
حراسة الرمز - سعد الدوسري
- 968
- 2016-02-09 17:29:27
سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...
-
الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض
- 859
- 2016-02-09 17:29:30
د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...
-
بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد
- 831
- 2016-02-09 17:29:32
يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...
-
دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي
- 835
- 2016-02-09 17:29:35
ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...
-
التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد
- 1054
- 2016-02-09 17:32:18
لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...