قراءة في مجموعة «الخبز والصمت» لمحمد علوان - عبد العزيز السبيل
عبد العزيز السبيل
حين النظر إلى مجموعة «الخبز والصمت» لمحمد علوان في سياق تطور القصة القصيرة في المملكة العربية السعودية، يمكن لي أن أقول، بكل اطمئنان، إنها مجموعة انتقالية مفصلية، تمثل مرحلة تحول من القصة ذات البنية التقليدية، والهم الاجتماعي المباشر إلى القصة الحديثة التي تعنى بالداخل النفسي، والتكثيف، والرمز، وشعرية اللغة، وتجريب الشكل.
قبل الدخول إلى عالم القصص، يستوقفنا غلاف المجموعة «الخبز والصمت»، الذي يعكس برمزياته المتعددة ما تعبر عنه النصوص داخل المجموعة. والغلاف يمثل العتبة التي يجب أن ندلف إلى عالم القصص من خلالها.
يمثل الغلاف رجلا يجلس على قمة مرتفع، يضع يده على خده، ويبدو منهمكا في التفكير. أحسب أنه يسبر غور المجتمع، ويراقبه من علو، فيلتقط الصور الاجتماعية، ويعيد بلورتها وصياغتها بأسلوب أدبي، وتقديمها إلى القارئ برؤية المفكر المهموم بواقعه. وهذه القمة التي يتربع عليها لا تعبر عن علو، بل ترمز إلى الانفصال عن المجتمع. إنها الوحدة والغربة التي يشعر بها الكاتب. يؤكد ذلك تلك الدائرة البيضاء، وما بداخلها من خطوط سوداء تعبر عن الدوامة التي يعيشها، وهو يتأمل الواقع أمامه. وجاء الغلاف باللون الأسود ليعبر عن القتامة والسوداوية التي تلف عالم القصص التي تحويها المجموعة. (هذا الغلاف للفنان المصري الكبير مصطفى حسين. وأجزم أنه أبدعه بعد قراءة واعية لقصص المجموعة. الشكر والامتنان للأستاذ عبد الله الماجد الذي تبنى إصدار المجموعة).
عنوان المجموعة، «الخبز والصمت»، يختصر العالم القصصي الذي يقدمه علوان بكلمتين «الخبز» بما يمثله من حاجة جسدية، وتعبير عن الفقر، والحد الأدنى مما يسد رمق الجوع، والرغبة في الحياة، و»الصمت» بما يمثله من خوف من التصريح، وعجز عن التعبير، وامتثال، لا خيار فيه، للسلطة بأنواعها: التقاليد، والأسرة، والجماعة، وربما أعلى من ذلك. الإنسان يحتاج إلى الخبز كي يعيش، ولكنه يحتاج إلى الكلام كي يكون إنساناً، فبين الحاجة للخبز والرغبة في كسر الصمت تتحرك غالبية شخصيات محمد علوان في هذه المجموعة.
قد تبدو هذه القصص، من القراءة الأولى، وكأنها قصص عن القرية والفقر والجوع والمرض والموت والعلاقات الاجتماعية، لكنها لا تقف عند حدود الواقعية الاجتماعية المباشرة. فعلوان لا يهتم بتسجيل البيئة بقدر اهتمامه بما تفعله البيئة في الإنسان. المكان عنده ليس خلفية، وإنما قوة ضاغطة تدخل إلى النفس وتعيد تشكيلها. وإذا كانت معظم القصص تتظاهر بأنها واقعية تسجيلية لأحداث المجتمع، فإنها تسمو إلى أكثر من ذلك من خلال العين الناقدة، التي لا تكتفي بالعرض الظاهري للقضية، وإنما تسبر أغوار الحدث لتخرج برؤية عميقة ووجهة نظر إزاءها.
وبسبب «الصمت» والمطالبة بالانصياع، تأتي اللغة لتكون المخلص للكاتب، فيتجه نحو اللغة الرمزية الإيحائية الشفافة، التي يخيم عليها الغموض الذي قد يرهق القارئ، ويتوقف أمامها دهشة وتساؤلا، ولكنها تحقق غالبا رؤية الكاتب.
وهنا تبرز العلاقة بين المبدع والرقيب الذي عبرت عنه بوضوح قصة «المطلوب رأس الشاعر». هذا الرأس تدحرج فوق الأرض لأنه أدرك الأشياء، وحاكم الفئران التي «أكلت كتابا مخطوطا يحكي تاريخ القرية وشفاه سبعة من الحملان الصغيرة». التاريخ وعي، والشفاه وسيلة للتعبير!
يتجلى عمق الرؤية لدى محمد علوان بأقوى صورة في قصة «الخبز والصمت» نفسها. البيت لا يقدم بوصفه مكاناً للحماية، وإنما يتحول إلى فضاء تكتنفه السلطة والخوف وضرورة السكوت. وحين تكون قادرا على قول «لا» «فأنت تمارس أدنى درجة من الحرية»، كما تقول القصة. يحتكر الأب حق الكلام، ولا يسمح لأحد بالتعبير. ورمزية الأب يمكن أن تكبر إلى مستوى أعلى. والابن قد يمثل المجتمع بأسره. فالصمت تجاوز دلالته اللغوية ليصبح نظاماً اجتماعياً كاملاً. يعود الابن للمنزل من أجل الخبز، لكن الحصول عليه مشروط بالصمت. في القصة تحضر معادلة الخبز والصمت أمام الجوع والكلام. فهل للإنسان في مجتمعه الصغير أو الكبير خيار؟ الخبز رمز الحياة لن يتوفر إلا مع الصمت رمز الخنوع.
من أبرز ما تمتاز به المجموعة أنها تخففت من مركزية الحكاية التقليدية القائمة على بداية ووسط ونهاية، واتجهت نحو الحالة النفسية واللحظة الشعورية والمشهد. ففي قصة «الطيور الزرقاء» لا تكون قيمة القصة في تسلسل ما وقع للطفلة زينة، هذه الوردة الغضة، بقدر ما تكون في حزن الأب، والزهرة، والطيور، والعيون، والليل، والمطر.
وفي قصة «السؤال الثالث» التي تدور في قاعة الامتحانات للطالبات، تصبح لحظة انتظار الإجابة والنجاح حدثاً قصصياً في ذاتها، وتقوم القصة على حركة العين والقدم والقلم والقلق أكثر مما تقوم على حدث كبير.
القضايا التي يكتب عنها علوان ليست غريبة على القصة الواقعية: الفقر، الجوع، القرية، المرض، الموت، المرأة، القهر، السلطة الاجتماعية. لكن الجديد يكمن في كيفية معالجتها. الجوع لا يقدم باعتباره مشكلة اقتصادية فحسب، بل باعتباره حالة تهدد كرامة الإنسان ووعيه؛ والصمت ليس سكوتاً فردياً، وإنما أثر لسلطة اجتماعية؛ وربما أكبر.
أحد الموضوعات التي تناولتها مجموعة «الخبز والصمت»، قضية الطبقية الاجتماعية. وقد جاء ذلك عبر طرح المفارقات الاجتماعية والمواقف الإنسانية بأسلوب وضع المجهر، وتسليط الضوء، دون إثقال في التناول.
في قصة «نعيق الغراب الأبيض»، تأتي المفارقة بين الطبقتين من خلال النص التالي «وقفت في هدوء وسكينة عربة خضراء ليهبط السائق في عجلة من أمره...، ويفتح أحد الأبواب الأربعة عن ساق ناعمة بيضاء. ابتلع الجندي المصلوب على البوابة ريقه، وقال في نفسه: لم أجد في السوق دهانا يصلح لكفي زوجتي، ولم أجد في المخبز قرصا واحدا لي ولأولادي». علوان يمنحك بأسلوب هادئ معبر صورة الطبقية المجتمعية، ويتركك قارئا متأملا لمجتمعك.
أحيانا يكون التصوير الطبقي لديه بصورة أكثر وضوحا وأشد قسوة. في قصة «الجوع كافر»، يرسم علوان صورة الإنسان المسحوق المتمثل في بطل القصة. «يده القذرة السوداء.. الأظافر الطويلة تنقر.. ترفع بقايا الطعام... تضاريس جوع.. أخاديد ألم... يمسح الجدران وأكوام القمامة.. بقايا الطعام جميعها انتهت.. لقد سبقته الكلاب هذه الليلة».
يقابل ذلك في نفس القصة الصورة المخملية: «منزل كبير... الباب يفتح.. تطل منه امرأة تحمل جسدا تبدو عليه آثار الري والشبع... رائحة العطر تملأ البيت». بلغة إيحائية يصور خيانة تحدث في المنزل الكبير. البطل يصرخ: «كلهم خائنون لأنهم سرقوا لقمتي... ضرب الزجاج بقبضة يده.. المرأة لا تزال تصرخ... الدم ينفجر من يده.. الرجل يلوذ بالهرب... يمد ذراعيه محاولا خنقها.. تهرب منه... الناس تصل.. أحدهم يمسك بعنقه... آخر يهوي على رأسه بقطعة من حديد». يتم سحق البطل تماما، لأنه احتج على هذه الطبقية. وهنا نحن لا نقرأ جملا، بل نشاهد مناظر سينمائية قاسية.
وفي قصة «الجسر» صورة أخرى، أبطالها أطفال يستجيبون لنداءاتهم البريئة ويتبادلون الابتسامة، دون وعي بالطبقية، لكن سرعان ما تصرخ الأم المخملية لتنهي العلاقة بين الأطفال.
وجاءت قصة «شمس الموتى»، وهي القصة الختامية، لتجعل مفهوم التحديث موضع تساؤل. فدخول المشروع الحديث، والكهرباء، والفريق القادم من الخارج، لا ينتهي بالضرورة إلى خلاص بسيط. فبعد سنوات، تتغير القرية، وتسقط منازل ويهاجر أهلها، فتبدو الحداثة قوة إنقاذ وهدم في آن.
وهنا يتضح أن علوان ليس داعية إلى القديم في مواجهة الجديد، ولا إلى الجديد في مواجهة القديم؛ بل هو معني بما يفعله التحول بالإنسان. وهنا تبرز رمزية الحبيبة/ الوطن، والوطن/ الحبيبة، وعالم التآمر عليه من الداخل والخارج لتغيير هويته. أضطر البطل إلى مغادرة القرية/ الوطن، وعاش متجولا بين المدن المتشوهة. وكأن طلاق الزوجة/ الوطن، جاء احتجاجا على محاولة طمس هوية الوطن.
موضوع الاغتراب يسري عبر كثير من القصص. وإن أردنا أن نعطي مثالا صارخا لهذا الاغتراب فسنجده يبرز بوضوح في قصة «الجدران الترابية». ابن القرية الفنان القادم من سفر طويل، ونجاحات خارجية في معارضه الفنية، يلقى السخرية والصدود من مجتمعه. وفوق ذلك جمعوا لوحاته الفنية، وأشعلوا فيها النيران. وحين حاول إنقاذها أكلت النيران أصابعه. يغرق علوان في التكثيف الرمزي، وكل قصة يمكن التوسع في مدلولاتها ورمزيتها.
في محاولة تصنيف مجموعة الخبز والصمت، سنجد أنها تتجه نحو الواقعية النقدية في تناولها لموضوع الفقر والطبقية، لأنها ترصد هذه القضايا بدقة وتسلط عليها الضوء، وتعبر عن حجم المعاناة والظلم، لكنها لا تقدم حلولا، فليس ذلك من مهمة الأدب. ففي معظم قصص المجموعة يتواصل القمع والتهميش والمعاناة، دون أن يحقق الأفراد نجاحا، نتيجة محاولاتهم ونضالهم لتغيير الواقع. أما الكتاب المنتمون للواقعية الاشتراكية، فإنهم ينتصرون لإبطالهم، حيث تتجه أعمالهم نحو التفاؤل في التغيير، والانتصار لطبقة العمال والمهمشين، ويحققون الفوز غالبا على الطبقات العليا، لكنه انتصار يحدث على مستوى الخيال الأدبي، لا الواقع الاجتماعي.
أخيرا اسمحوا لي أن استحضر محمد علوان الشاعر، فأقرأ نصا جاء في بداية قصة «يحكى أن»:
ظلام حالك
أمواج البحر زبد
وغيوم ولآلئ
ورمال صفراء
تحفر قبرا فوق الشاطئ
صياد يغمض عينا،
والتبغ حلقات من أحلام مدحورة
ضاقت في الصدر
خرجت دخانا وهباء
بيد معروقة
يجمع صيدا يخذله
ويعود لستة أفواه مبقورة ....
شكرا لكم.
آراء الكتاب
-
الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ
- 941
- 2016-02-09 17:29:26
محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...
-
حراسة الرمز - سعد الدوسري
- 1055
- 2016-02-09 17:29:27
سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...
-
الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض
- 939
- 2016-02-09 17:29:30
د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...
-
بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد
- 911
- 2016-02-09 17:29:32
يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...
-
دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي
- 903
- 2016-02-09 17:29:35
ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...
-
التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد
- 1135
- 2016-02-09 17:32:18
لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...