الأحد, تموز/يوليو 19, 2026

All the News That's Fit to Print

د. ناهد باشطح

فاصلة:

«رحلة الاكتشاف الحقيقية لا تكمن في البحث عن مناظر جديدة، بل في امتلاك عيون جديدة»

-مارسيل بروست-

********

في تعامل رسولنا الكريم -صلى الله عليه وسلم- مع الناس من حوله تتجلى قدرته على عدم الوقوع في كثير من الأخطاء البشرية التي نقع فيها بسبب تفسيرنا لسلوك الآخرين من نسج خيالنا، ففي حادثة «حاطب بن أبي بلتعة» -رضي الله عنه-، عندما أرسل رسالة إلى قريش يخبرهم بزحف الرسول إليهم، في وقت كان الرسول صلوات الله وسلامه عليه يجهز جيش المسلمين سراً لفتح مكة فبدا فعله خيانة صريحة، حتى إن عمر -رضي الله عنه- قال: إنه منافق، لكن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يقفز إلى هذا الاستنتاج.

سأله أولًا عن الرسالة والأسباب التي دفعته لإرسالها

واكتشف أن الدافع كان الخوف على أهله، لا خيانة المسلمين وأنصفه.

وكذلك قصة الرجل الذي بال في المسجد فهي من أشهر الأمثلة على عدم القفز إلى النوايا.

اذ دخل الأعرابي المسجد وبال فيه، فهبّ الصحابة غاضبين، ورأوا في فعله قلة احترام للمسجد. لكن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يفترض سوء نيته، بل أدرك أنه يجهل حرمة المكان، فأمر بتركه حتى ينتهي، ثم علّمه برفق، فالعمل نفسه كان خاطئًا، لكن النية لم تكن التحدي الحقيقي، بل الجهل، وهذا غيّر طريقة التعامل معه بالكامل.

وفي حادثة الإفك، لم تكن المشكلة في الفعل، بل في تفسير الناس للأحداث الذين قفزوا الى استنتاج عقلهم إذ رأى بعضهم مشهدًا واحدًا، ثم بنى عليه قصة كاملة، وانتشرت الرواية حتى أصبحت في نظر كثيرين حقيقة.

العقل يميل إلى سد الفراغ بالمخيلة عندما تغيب المعلومات.

تخيل فقط أن شخصا يدخل مجلسا به أناس، فلا يرد السلام.

خلال ثوانٍ يفسره بعضهم بأنه: متكبر، غاضب، يحتقر الآخرين. بينما قد يكون شارد الذهن أو يعاني من قلق.

هذا الموقف في رأيي يمثل منهجًا ذهبيًا: قبل أن تفسر السلوك... اسأل عن القصة.

أخطر ما يفعله العقل ليس أنه يجهل الحقيقة، بل إنه يكره الفراغ، فإذا غابت المعلومات، ملأها بأي تفسير... ثم عامل هذا التفسير وكأنه حقيقة.

والسؤال المهم هل في تفسيري لسلوك الآخرين أعرف كل الظروف... أم أنني أكمل القصة من عندي؟

هذا السؤال وحده يخفف كثيرًا من سوء الفهم الذي نقع فيه لأسباب ثلاثة:

1- التركيز البصري.

نراقب الشخص ونتجاهل ظروفه.

2- الاختصار العقلي.

يحتاج العقل لجهد أقل لتصنيف شخص أنه وقح أو فاشل بدلا من البحث في ظروفه المعقدة.

3- نقص المعلومات.

خاصة إذا كان الآخرون غرباء.

لو سألت نفسك كم مرة غضبت من شخص، بينما كنت في الحقيقة غاضبًا من القصة التي كتبتها عنه في ذهنك؟

تأخر الصديق، نسيان الشريك لشيء مهم، عدم إنهاء الأبناء لمهمة محددة، والأمثلة كثيرة ومختلفة في حياتنا، وجميعها تثبت أننا في تفسيرنا لسلوك الآخرين لا نسأل الآخر لماذا فعل هذا السلوك بل نقفز الى الاستنتاج وهو خطأ العقل الذي اعتاد ألا يحتمل الفراغ أو الغموض، ويبني تفسيراته على التجارب السابقة

بل ويحب نسج القصص وحبكتها.

إننا لا نعرف نوايا الناس فمن المهم أن نعتاد ألا نبني على سلوكهم قصصاً تدينهم أو تبرئهم، إنما نتعامل بمنهج الرسول الكريم-صلى الله عليه وسلم- في السؤال عن الدافع للسلوك قبل إصدار الحكم، فقد كان رسولاً للعالمين لا ينطق عن الهوى، ومع ذلك لم يكن يدعي معرفة النيات ولا يتجاهل السلوك إذا تكرر أو ظهرت عليه بيّنات، إنما كان يسأل ويلتمس الأعذار ليعلمنا ان النوايا عالم لا نعرفه تماماً ولا يستطيع مواجهته العقل البشري بعدالة.

آراء الكتاب

  • الدول العربية والديمقراطية والفساد - محمد آل الشيخ

    محمد آل الشيخ أصدرت (منظمة الشفافية العالمية) تقريرها عن معدلات الفساد في كل دول العالم للعام الماضي 2015. الأوربيون كانوا في المقدمة، وفي مقدمتهم (النرويج) وليس في ذلك مفاجأة طبعا، بل سيكون مفاجئا لي لوحصل العكس؛ فأنا أرى أمم الغرب، وبالذات الأوربيون أنزه الأمم وأكثرها شفافية وأمانة وعدالة اجتماعية...

  • حراسة الرمز - سعد الدوسري

    سعد الدوسري الحرص على سلامة المسجد، ليست مقتصرةً على النظافة، بل على كل الجوانب التي من شأنها تعكير صفو الرسالة الأساسية لبيت الله. الكثيرون منا لا يسهمون مطلقاً في خدمة المسجد، وفي نفس الوقت، يريدونه مكاناً مثالياً يحقق رغباتهم وتطلعاتهم. بعضنا يستغله لنشر فكره، حتى وإن كان مخالفاً لأمن واستقرار وطنه، دون أن يجد من...

  • الجانب الأرقى في الحضور العام - د.ثريا العريض

    د.ثريا العريض أكتب من دبي حيث أشارك في الملتقى السنوي «قلب شاعري» مع شعراء من العالم شرقا وغربا. وأتابع عن بعد أحداث مهرجان الجنادرية المميز الذي عايشت تأسيسه منذ ثلاثة عقود.. كما أتابع عن قرب جهود الهيئة العليا للسياحة والتراث عندنا في محاولة بناء صناعة سياحية وبيئة جاذبة و ثقافة عامة تستوعب أهمية التاريخ...

  • بطالة حملة ماجستير ودكتوراه! - يوسف المحيميد

    يوسف المحيميد في يونيو من العام الماضي كتبت عن التقرير الرسمي لوزارة الخدمة المدنية، بأن أكثر من سبعمائة ألف مواطن يرغبون في العمل الحكومي، ومن بينهم 149 من حملة الدكتوراه، وأتذكر أنني تلقيت اتصالا من نائب وزير سابق، حاول أن يفند المعلومة وعدم صحتها رغم أنها صادرة في تقرير رسمي، ومن وزارة مختصة بالتوظيف! كم أشعر...

  • دبي.. قمة الحكومات العالمية..! - ناصر الصِرامي

    ناصر الصِرامي غداً تختتم القمة الحكومية في نسختها العالمية بدبي، والتي أصبحت التجمع الأكبر عالمياً والمتخصص في استشراف حكومات المستقبل بمشاركة أكثر من 125 دولة حول العالم و3000 مشارك و125 متحدثاً وأكثر من 70 جلسة، طبقاً لمنظميها. القمة حدث حقيقي ومؤثر، ارتقت بعد 4 سنوات على خريطة المحافل العالمية، بزخم إعلامي وحكومي...

  • التنوير رافد السياسة - أيمـن الـحـمـاد

    لأن دور المفكرين هو التنوير، ولأن العالم العربي اليوم يعيش لحظة تنشط فيها قوى الظلام وأفكار الشر التي اتشحت بالدم، وتوشحت بأداة القتل والتدمير، كان ولا بد من وقفة مع تلك النخب المؤثرة التي يُناط بها إجلاء العتمة والبحث عن بصيص أو قبس من نور يبددها قبل أن ترخي بسوادها على عالمنا الإسلامي الذي يعرف...