قضايا وأراء
- Details
- قضايا وأراء
كتبتُ في الأسبوع الماضي (إسكان بالقطة)، تناولت فيه الفكرة «الخرافية» التي أطلقتها وزارة الإسكان لتحويل نشاطها من بناء وتوزيع المساكن للمواطنين المحتاجين، إلى «بنك لادّخار أموالهم». ولم تمضِ سبعة
- Details
- Details
- قضايا وأراء
يعلم الجميع أن استمرارية نجاح الشركات العائلية مهددة بتحديات جمة وهي تنخفض مع كل جيل وأن نسبة ضئيلة منها تعبر للمستقبل وتتجاوز تحديات تآكل النجاح ولكن هناك وعي برز قد
- Details
- Details
- قضايا وأراء
عبدالعزيز السماري
من التحولات الملفتة للنظر في المجتمع السعودي هو الارتفاع النسبي للوعي الاقتصادي، فالمواطن أصبح يعيش حالة من القلق بسبب المتغيرات الاقتصادية الطارئة، وبسبب ضعف مدخراته المالية، وكأنه بذلك يتأسف على ضياع الفرص في الماضي، والتي ضاعت أولاً بسبب قلة وعيه بأهمية الإدخار، وثانياً لغياب تلك الفرص في خطط التنمية الأولى، وكان البديل العامل الأجنبي الجاهز، والذي كان أشبه بالدجاجة التي تبيض ذهباً للفئات القلية التي استفادت من الطفرة المالية الأولي والثانية.
الوعي الجديد أصبح يدرك أن الاقتصاد هو العامل الأهم للاستقرار، وهو تلك القوة الذي تصنع الدول العظيمة والأحداث التاريخية، لكنها لا تُعلن نفسها أمام الناس، وتجيد الاختفاء خلف المؤثرات الكبرى مثل الدين والوطن والقبيلة، ولهذا السبب تتكدس الثروات عند النخب التي تجيد استخدام هذه المؤثرات، وكان التحدي دوماً عن كيف تصنع اقتصاداً للجميع، وبدون وسائط أو مستفيدين.
كانت الإرث الإسلامي والعربي في علوم الاقتصاد ضئيلاً، ولم يضيف علماء المسلمين الأوائل لنظريات الاقتصاد شيئاً يُذكر، في حين أن الغرب أدرك مبكراً أهمية الاقتصاد، وقدم مدارس مختلفة في النظريات الاقتصادية، كانت عاملاً مؤثراً في الحروب والثورات، ولا يزال يقدم من حين إلى آخر النظريات الاقتصادية التي يُعالج من خلالها أزماته الاقتصادية.
كان آخرهم ميلتون فريدمان، وهو عالم اقتصاد أمريكي بارز، اشتهر بعشقه للاقتصاد الكلي والجزئي والتاريخ الاقتصادي والإحصاء، يطلق عليه «أبو الاقتصاد الحر»، فقد كان من أشد مؤيدي اقتصاد السوق، وأبرز المروّجين للنظام الرأسمالي التنافسي.
كان لأبحاثه ودراساته وقع كبير في تطوير نظريات الاقتصاد الكلي والجزئي، بالإضافة إلى أعماله الرائدة في الاقتصاد التاريخي والإحصائي، وحصل على جائزة نوبل في الاقتصاد سنة 1976م عن نظريته في شرح سياسات التوازن وإنجازاته في التاريخ النقدي وتحليل الاستهلاك، قدم برنامجاً تلفزيونياً يسمى «حرية الاختيار»، وألف عنه كتاب حاز على نسبة مبيعات عالية.
كان الطرح الإسلامي في بداياته يعادي البنوك والرأسمالية والاشتراكية، وكان الزهد في الحياة دلالة على مثالية المسلم الحقيقي، وكان ذلك الطرح يتناسب مع الحالة الاقتصادية البدائية في المجتمع، لكن تلك الحالة لم تستطع مقاومة بدايات الطفرة المالية، فاندفع علماء الدين إلى البنوك، وأصبحوا يمثلون في مرحلة ما الوسيط الشرعي بين المعاملات الاقتصادية والمواطن.
المتغير الأهم كان ارتفاع مدخولاتهم المالية، نتيجة للأموال الطائلة التي يستلمونها مقابل مباركة لبرامج القروض في البنوك، والتي تم أسلمتها من خلال عمليات بدائية، لكن أسعار فوائدها المؤسلمة فاقت الربوية، وكان الضحية المواطن، وكان أهم حدث في التاريخ الاقتصادي للمواطن في العقود الأخيرة إنهيار سوق الأسهم الكبير، والذي كان مباشرة نتيجة للتسهيلات المالية المبالغ فيها تحت غطاء الدين.
ثم بدأت ذلك مرحلة جديدة أبطالها ليس علماء الدين، ولكن المحللين الاقتصاديين، والذين ملؤوا الدنيا تحليلاً وتعليقاً على المتغيرات الاقتصادية، وأصبحوا يقدمون آراءهم الاقتصادية بدون غطاء ديني، وانتشرت المنتديات الاقتصادية، وساهموا في إثراء الحوار الكبير حول أهمية الاقتصاد كبنية أساسية للمجتمع الناجح.
في هذا العقد أصبح المواطنون يدركون أكثر من ذي قبل أن الاقتصاد شريان الحياة، وأن الدول التي لا تقوم على اقتصاد متين يعود بمنافعه على مواطنيه تتأثر خططها الاقتصادية سلباً، وربما تضطر إلى سياسة شد الحزام، والتي يكون لها أثار مؤلمه، وقد تكون أشد تأثيراً لأنها جاءت بعد دخول المجتمع إلى مرحلة الرخاء بدون جهد.
ما يحدث الأن هو تطور مرحلي نوعي في الوعي الاقتصادي، وبقدر ما نسعد بخروجه من الطرح التقليدي، لازلنا نأمل أن يكون أكثر قدرة على تقديم الحلول الاقتصادية، وأن يبتعد عن فقط تحقيق الإثارة الإعلامية، وأن يتطور ذلك إلى خروج مدارس اقتصادية تقدم الحلول والأبحاث والتقارير والأطروحات عن أزماتنا الاقتصادية، والتي يأتي في مقدمتها طريق الخروج من اقتصاد المورد الواحد.
- Details
- Details
- قضايا وأراء
د. أحمد الفراج
حفل الأسبوعان الماضيان بأحداث كبيرة، أصبحت حديث المجتمع، وليس دوري هنا هو التعليق عليها، أو الانتصار لهذا الطرف أو ذاك، فقد أشبعت الأحداث بحثاً وتنقيباً، وانتهى الأمر، كالعادة، إلى صراع تافه، يقوده من يفترض أنهم أحرص الناس على حماية الأمن والسلم الاجتماعي.
ففي عالم تويتر، دشن أحدهم وسماً تحريضياً، أعلن فيه الحرب على الإعلام الحكومي، ورموزه، من مثقفين وكتّاب رأي وصحفيين، ولم يقصر هو ذاته بالشحن والتأليب، ولأنه آخر من يتعلم من أخطائه التي لا تحصى، فقد فات عليه أن من يدخل يده في جحر الثعبان، فإنه لابد أن ينال من السم، إذ انبرى له مجموعة من المتطوعين، نبشوا في أرشيفه المليء بكل ما لا يسر، من تجاوزات باطلة بحق بلده، مروراً بمخالفاته للنظام، ونهاية بالكذب البواح، والذي تم توثيقه، ونشره صوتاً وصورة، ولأن مثل هذه الأعمال منظمة، كعادة المتحزبين في التنظيمات المسيسة، فقد أصبحت هذه المعركة المفتعلة هي القضية، ونسي الناس القضية الأساس، والتي يقال إن من أشعل هذه المعركة التافهة كان من أركانها، وذلك من باب التغطية والتمويه.
المؤلم في الأمر هو أن هذه المعارك التافهة لم تقتصر على السوشال ميديا، بل إن بعض المتحزبين نقلوها إلى دور العبادة، إذ انتشرت مقاطع صوتية لخطباء جمعة رسميين، وهم يدعون بالويل والثبور على خصومهم من الإعلاميين!!، أي أن المسجد الذي يقصده المتعبدون للصلاة والدعاء، طلباً للراحة والطمأنينة، تحول بفضل دعاة الفتنة إلى مكان للتحريض على العنف، ولتصفية الحسابات الشخصية والحزبية، وهذا مبدأ خطر، ما لم يؤخذ على أيدي هؤلاء السفهاء، فالتحريض على أي فئة، أو شخص، من على منبر المسجد، يجب أن يكون خطاً أحمر، فمثل هذا قد يفهم من قبل بعض المغرر بهم على أنه الرأي الشرعي المعتبر، بينما هو، في حقيقته، رأي شخص متطرف ينتصر لحزبه وجماعته، ولا علاقة له بالدين من قريب أو بعيد، ومع أن مثل هذا الأمر له سوابق تاريخية، إلا أنه عاد بقوة مؤخراً، وبشكل عدائي لم يسبق له مثيل.
لقد حان الوقت للجم دعاة الفتنة أياً كانوا، وهم معروفون، ففي ظل التحديات الحالية، فإن آخر ما يريده الجميع هو شق الصف الداخلي بمعارك مفتعلة، بل وتافهة، ولا أظن أن هناك ما هو أخطر من استخدام بعض السفهاء لشعبيتهم، وذلك للتحريض، والاستعداء، والحط من قيمة الأعلام الوطني، ورموزه، خصوصاً وأن هذا الأعلام يعتبر هو المساند الأكبر لجنودنا المقاتلين في الجبهات، ولو أسأنا الظن لقلنا إن هذه الحرب المفتعلة ضد الأعلام الوطني هدفها الحقيقي هو اشغال الأعلاميين عن القيام بمهامهم الوطنية، وأيا يكن الأمر، فإن الأمر يستوجب وقفة رسمية صارمة ضد كل من يفتعل المعارك الداخلية بهدف التحريض، والاستعداء، وزعزعة السلم الاجتماعي، فالخطب أعمق من هذا بكثير، وسنتفاءل بأن هذا ما سيحدث -بإذن الله-.
- Details
- Details
- قضايا وأراء
د.عبد الرحمن الحبيب
خلال مناقشات برنامج التحول الوطني الذي ينظمه مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية برئاسة الأمير محمد بن سلمان، ويشارك بها مسؤولون ومؤسسات وأفراد مستقلون،
نحتاج للاعتبار بتجارب «النمور الآسيوية»، وليس فقط «الدببة الغربية».. فإذا كان الدب يمشي على نور فالنمر لا يقفز في الظلام..
كوريا الجنوبية لم تأخذ بنصيحة البنك الدولي في الستينات بعدم الاستثمار في قطاع الحديد الذي أكد لها عدم قدرتها على منافسة دول الحديد التي سبقتها بباع طويل.. كان خبراء الغرب يتهكمون على جراءة دولة بائسة فقيرة! في الثمانينات أصبحت الشركة الكورية باسكو من أفضل منتجي الحديد.. وهي الآن من أكبر منتجي الحديد في العالم، بلا فضل للبنك الدولي..
نصيحة البنك الدولي على ماذا استندت؟ على النموذج الغربي للاقتصاد الرأسمالي، بفصل السياسي عن الاقتصادي، وأن ينحصر دور الدولة في توفير المنافع العامة والضروريات (كالدفاع والقضاء والبنية التحتية) للبيئة الاقتصادية المستقرة.. دون تدخُّل في السوق إلا نادراً وقت الأزمات، تاركة الأسواق وآلية الأسعار حرة ليزدهر الاقتصاد طبيعياً عبر المنافسة وآلية العرض والطلب؛ فتَدخُّل السياسيين في الاقتصاد يشوهه بالمحسوبية والبيروقراطية ويعطل التنافس الحيوي بين المنتجين... إنه النموذج الحديدي!
كوريا الجنوبية جازفت بكسر هذا النموذج.. فما الذي حصل؟ كان الناتج المحلي الإجمالي للفرد في كوريا الجنوبية نصفه مقارنة بالبرازيل عام 1950، فبلغ ضعفه في 1995، وخلال عام 2005 صار ثلاثة أضعافه، حسب كتاب علم الاقتصاد لدار دي كي (2015)، الذي سيستند عليه المقال. هذا ينبهنا في «التحول الوطني» إلى ضرورة مراجعة الاستشارات والنصائح الغربية (خطة ماكينزي مثلاً) بما يتلاءم مع أوضاعنا الخاصة وليس نماذجهم الجاهزة كالعلب لكل الدول..
دول النمور الآسيوية أخذت حساباً لأوضاعها الخاصة وتدخلت في الاقتصاد عبر مجموعة من الاستثمارات الحكومية الفعالة التي حولت اقتصادياتها الراكدة إلى قوى صناعية عالمية. المقصود بالنمور الآسيوية: كوريا الجنوبية، هونج كونج، سنغافورة، تايون.. لحقت بها: ماليزيا، تايلاند، إندونيسيا، ثم الصين. خلال نهاية القرن العشرين صارت النمور الآسيوية الأربعة تتمتع بمستوى معيشة ينافس غرب أوربا.. تغير تاريخي غير مسبوق في الثروة مما دعا لتسميتها «معجزة شرق آسيا».
هل هي معجزة فعلاً أم لأنها كسرت القالب الغربي؟ البيئة التي ظهرت فيها هذه النمور تشكلت عبر علاقة مكثفة بين الدولة والاقتصاد.. نمط أصبح يعرف بالاصطلاح الاقتصادي بـ»الدولة التنموية»، حيث يتشكل الاقتصاد فيه بتوفير الدولة للحوافز وتوجيه الاستثمار نحو المنتجين الصناعيين والتكنولوجيين، وإعطاء الشركات الناجحة فقط معاملة تفضيلية (قروض ومساعدات فنية)، مع وضع معايير أداء وإنجاز مُحدد لها موعد نهائي تحرم بعدها الشركات الفاشلة من المعاملة التفضيلية. ترادف مع ذلك، الاستثمار الضخم في التعليم لدعم المصانع الجديدة بالكفاءات.. وتوفير البيئة العدلية لضمان الحقوق وكسب ثقة المستثمرين.. والبنية التحتية للحد من تكاليف الشركات المنتجة..
لكن يزعم بعض الاقتصاديين أن نمط السوق الحرة الكلاسيكي لم يتغير في اقتصاديات شرق آسيا الناجحة، فالدولة شجعت التنمية عبر دعم الأسواق بطرق تتماشى من اقتصاد السوق الحرة، وليس عبر التدخل فيه.. «الدولة التنموية» في شرق آسيا نجحت لأنها تبعت اقتصاد السوق وليس لأنها قادته.
فهل هذه الدول قادت السوق أم تبعته؟ كلاهما، وفقاً لعالم الاقتصاد روبرت ويد، لأنها وجهت التوسع للصناعات الواعدة عبر تقديم القروض والإعانات ليس حسب ما تراه الدولة بل حسب ما تتحكم به الأسواق؛ مما يفسر خلق الميزة التنافسية للصناعات الجديدة. فعندما تبدأ صناعة جديدة تكون أسعارها غير قادرة على المنافسة ولا بد من دعمها. وفي ذات الوقت، فالمنتَج الجديد يتطلب الإعداد للمساندات الأخرى والبنى التحتية وتنسيق الإنتاج الأولي... تنسيق هذه العملية صعب جداً إذا ترك للقطاع الخاص وليس للدولة.
إنما لا نستعجل الحكم على نجاح تدخل الدولة في الاقتصاد، فخارج شرق آسيا لا يبدو أنها ناجحة، مما لطخ سمعة نموذج «الدولة التنموية» بالوحل. في أمريكا اللاتينية وأفريقيا، لم تكن المعاملات التفضيلية مرتبطة بالمخرجات الاقتصادية بل بالسياسيين وأصحاب النفوذ والمصالح الضيقة: فلم تفرض معايير إنجاز، فالشركات ذات العلاقات النافذة تتلقى معونات وحماية، وليس الشركات الأكثر إنتاجية. هذه الشركات تستنزف ميزانية الحكومة وتستحوذ على الموارد بدلاً من إنتاجها. هنا، لم يساعد تدخل الدولة في بناء الميزة التنافسية للمصانع الجديدة، بل قاد لإنتاجية رديئة وركود اقتصادي.
لذا، ثمة شكوك بنموذج «الدولة التنموية»، وما زاد فيها الأزمة المالية التي ضربت النمور الآسيوية في التسعينات، واعتقد كثيرون أن المؤسسات التي تم تعزيزها بنمو صناعي سريع فقدت فاعليتها أواخر القرن العشرين. لكن الصعود الهائل للاقتصاد الصيني أعاد إحياء فكرة نجاح تدخل الدولة..
فهل نموذج «الدولة التنموية» ناجح؟ بيتر ايفانز الذي عكف لسنوات على دراسة هذا النموذج، يطرح فكرة اختلاف الدول في طريقة تنظيمها وارتباطها بالمجتمع مما يساعد في حالات ويعوق في حالات أخرى. بعض الدول، مثل زائير، الدولة «مفترسة»، تستنزف الموارد دون تقديم شيء. على نقيضها دول، مثل كوريا، تعزيز النمو الصناعي. وفي دول أخرى لا تزال بين بين، كالبرازيل والهند. عمل الدولة الناجح يتطلب فهم حدوده الخاصة، ووجود علاقة واقعية مع الاقتصاد العالمي، والجمع بين التنظيمات الداخلية المتماسكة والصلات الوثيقة مع المجتمع. إيفانز أطلق على أسواق الدول التنموية الناجحة مصطلحه المشهور «Embedded Autonomy» ما يمكن ترجمته: الاستقلال والدخول في التفاصيل. أي أن الحكومة لا بد أن تحصل على معلومات مفصلة من الجهات الفاعلة غير الحكومية، وفي نفس الوقت تكون مستقلة عن المصالح الخاصة.
معادلة صعبة، لكن ليست معجزة.. هذا ما فعلته دول النمور الآسيوية بقابليتها لمقاومة ضغوط المصالح الخاصة، واضعة معايير إنجاز محددة الموعد، بعد تهيئة البنية التحتية والصحية والعدلية والتعليمية بما يناسب سوق العمل.. لكن قبل كل ذلك كانت المعادلة وفقاً لظروف مجتمعات هذه الدول.. وهذا ما نأمله هنا، لأنه أحد توجهات برنامج «التحول الوطني» الذي يحدد موعداً لقياس الأداء من خلال مئات المؤشرات لقياس مكوناته الرئيسية، وكان المجتمع فيها أكثر المحاور في عدد المكونات.. فالخطة الرائعة التي لا تستند على مكوناتها الاجتماعية قد تكون جميلة الأقوال معاقة الأفعال..
- Details
- Details
- قضايا وأراء
د. جاسر الحربش
يبدو أننا مقبلون على صراع إقليمي وربما عالمي كبير، نحتاج فيه إلى الهدوء والسكينة ودفن أو تأجيل مزايداتنا الداخلية من كل نوع. من نتائج هذا الصراع أن تحسن رصيد المملكة الإعلامي كثيرا في العالم العربي والإسلامي، ولكن ذلك استثار -كما هو متوقع ومحسوب- الإعلام الأمريكي/الأوروبي/الروسي/الإيراني، لتشن حملات في منتهى الشراسة والتشكيك في المملكة ومقاصدها وتحالفاتها الدفاعية. لم يكن الإعلام الغربي والروسي والإيراني معتادا من قبل على مواقف مبدئية ومحسوبة من أهل المنطقة، مفترضا أن تفتت الجبهات العربية قد تغلغل بما يكفي إلى داخل كل دولة على حدة وأصبحت الفرائس جاهزة للتوزيع والاقتسام. كل ذلك، بظواهره الإيجابية (الإعلام العربي والإسلامي) والسلبية (الإعلام المضاد) متوقع، لكن الغير محسوب ولا متوقع تعكير وإزعاج الموقف الوطني الجمعي في مثل هذه الظروف العالمية الحرجة بتصرفات فئوية محلية غير مقبولة ولا مسوغة، إما تحت ذريعة الاحتساب الشرعي، أو بحجة التحذير من تيارات إسلامية مسيسة، لها أجنداتها الخاصة.
الدولة تعرف بالتأكيد كل مكوناتها الاجتماعية، وتعرف من يقدم مصلحة الوطن بقناعة وإخلاص، ومن يزايد ويثير البلبلة لأسبابه الإنمائية الخاصة، وتعرف أيضا متى يجب حسم الأمر ولكل حادث حديث. الذي تأمله الدولة كعنوان للمواطنة الصالحة خصوصا في الظروف الاستثنائية هو التزام الهدوء والتقيد بمتطلبات العقد الاجتماعي المحددة بوضوح في فصول وفقرات النظام الأساسي للحكم، وليست مطروحة للطموحات والاجتهادات الفئوية والمذهبية.
رحم الله من أهدى إليّ عيوبي، تحت هذا العنوان تدار البلاد، وهو عنوان مفتوح من قمة الهرم على التكامل التكافلي وليس على المزايدات في ادعاءات الصلاح والأصالة والمحافظة على الهوية، ولا على المزايدات في ادعاء المواطنة الأفضل والولاء الأكمل.
أعود لعنوان المقال «وزارة لفك الاشتباك». اقتبست العنوان من وزارة السعادة التي استحدثتها شقيقتنا الوفية المتوثبة نحو المستقبل دولة الإمارات العربية المتحدة، أسعدها الله دولة وشعبا وحكومة. نحن هنا في السعودية لسنا بحاجة لوزارة سعادة، على الأقل ليس بعد، بسبب الاختلاف الاجتماعي على تعريف السعادة، وهل هي سعادة الدنيا أم الآخرة، أم سعادة الاثنتين معا، لكن الحديث في ذلك مما توجب الظروف تأجيله، والمستقبل مبشر إن شاء الله. السؤال المتوقع بعد قراءة العنوان هو: أي اشتباك؟ إنه بالتأكيد ليس الاشتباك مع أعداء الخارج فهؤلاء معروفون، ولأول مرة يحصل الاشتباك معهم بالطرق الواضحة والمطلوبة بشروط الوطن والعروبة والإسلام. الاشتباك الذي نحتاج إلى وزارة للتعامل معه هو التلاسن والمزايدات الداخلية حول الأخلاق وخوارم المواطنة والدين والمروءة، حول ما هو صلاح أو فساد وما يجب أن يؤخذ به أو يترك، وحول حدود حريات الفرد ذكرا أو أنثى، المكفولة له نظاما وتشريعا داخل المجموعة، وحدود صلاحية المجموعة للتدخل في حالة جنوح الفرد داخل نفس النظام والتشريع، بدون اجتهادات فئوية أو شخصية. مهم جدا أن تعرف الأطراف المتشابكة أنها تتخاصم حول مستقبل الوطن في وقت غير مناسب.
القارئ يعرف ما هي التيارات التي تثير الزوابع في هذه الظروف الحرجة، ولذلك لا داعي للتسميات. القارئ يعرف أيضا أن هناك تحريض متبادل وتشويه سمعة مستهدف وتربص، وأن هناك دس وافتراء وتنافس على كسب الأغلبية الصامتة من الجماهير بطريقة تتنافى مع الاحتكام للعقل والإخلاص لثوابت التعايش النظامية، في وقت نحن فيه أحوج ما نكون إلى الظهور أمام العالم كتلة واحدة متراصة لا وجود للثغرات بين مكوناتها. من خلال الثغرات فقط حين توجد يستطيع المتربص التسلل إلى الداخل.
العوار الأول في الاشتباك الحاصل هو ادعاء كل طرف أحقيته في تعريف المواطنة الصحيحة وأسبقيته في الوطن، بناء على تزكية النفس ونبز الآخر دونما بينة لا لهذا ولا على ذاك، بل مجرد مزايدات فئوية وصلت إلى استباحة الكذب والتدليس وتسميم التعايش الاجتماعي.
العوار الثاني هو أن كل طرف لا يقبل الاحتكام إلا للجهة الحكومية التي يعتقد أنها تنصفه، فلا وزارة الإعلام المخولة بالنظر في الرأي المكتوب أو المنطوق ترضي الطرفين، ولا القاضي يرضيهما، بسبب التوجس من التعاطف المؤسساتي بناء على انطباعات من اشتباكات سابقة.
من أجل وطن للجميع وما دامت ظروفنا الاجتماعية لا تتطلب وزارة جديدة للسعادة، ما رأيكم في المطالبة بوزارة جديدة لتقريب وجهات النظر وفك الاشتباك، إلى أن تخضع كل الأطراف لشروط المصلحة الشاملة لكل المكونات الوطنية.
- Details
- Details
- قضايا وأراء
سعد الدوسري
لماذا أطلب من الرئيس العام لرعاية الشباب، الأمير عبدالله بن مساعد، أن يكلّف المعنيين في الرئاسة بتوزيع المسؤوليات الاجتماعية على كل مباريات الدوري للموسم القادم، مباراة مباراة، وأن يلزم كل الأندية بتنفيذه؟!
* لأن المتابعين للمباريات، داخل أو خارج الملعب، هم من فئة الشباب. والاهتمام بتوعية هذه الفئة هي من أهم مسؤوليات الرئاسة.
* لأن الرسالة التي ننقلها من خلال الملعب، أو من خلال النقل التلفزيوني للمباراة، ستصل للشاب أو الشابة قبل أية وسيلة توعوية أخرى.
* لأن التكاليف المادية تكاد تكون معدومة.
* لأن ترك المسألة خاضعة للمزاج الشخصي للأندية ستقتل الرسالة، وتجعلها تظهر مرات محدودة، دون أن ترسخ في أذهان الشباب.
من هنا، فإن الاستعداد المبكر لتوزيع المسؤوليات الاجتماعية على كل مباريات موسم دوري المحترفين القادم، دون استثناء لأية مباراة، سيجعلنا قادرين على تحقيق ما لم تستطع مؤسسات التوعية تحقيقه، في إيصال الرسائل المهمة للشباب والشابات، في المجال المروري والصحي والغذائي والتربوي والأخلاقي والسلوكي والشرعي، في مجال نبذ التطرف والتعصب ومكافحة التدخين والمخدرات، وفي الالتفات للأيتام وذوي الاحتياجات الخاصة والمسنين ومرضى السرطان والفشل الكلوي.
لدينا اليوم ساحة مثالية لإيصال الرسائل التوعوية، هي ملاعب مباريات دوري المحترفين، والشاشة التلفزيونية التي تنقلها، لكن هذه الساحة مهدرة للأسف الشديد، لأن البعض لا يريد أن يعمل خارج إطار تنافس اللاعبين على الكرة.
- Details
- Details
- قضايا وأراء
حاولتُ أن أقوم بتجربة فريدة على مدى 30 يوما قرّرت فيها ألا أخاصم أحداً وألا أرد (منفعلاً) على من وضع نفسه في موقع الخصم أو المهاجم قدر استطاعتي ودون أن أخبر أحداً بهذه التجربة. كنت أدوّن الملاحظات نهاية اليوم وأرى مناطق ضعفي وانفعالاتي للتنبّه لها في اليوم التالي. وخرجت نهاية شهر التجربة بتصور عجيب جديد عن ذاتي وعن كثيرين ممن حولي.
أول مواقف الشهر التجريبي كان داخل الطائرة ونحن في الطريق إلى دولة خليجيّة إذ وجدت لحظة دخولي الطائرة شخصاً يحتلّ مقعدي واضعاً رجلاً على رِجل وهو يتصفّح جوّاله. ابتسمت وقلت: يبدو أن هناك "خلطاً" في ترقيم المقاعد وأشرت إلى مقعدي الذي يحتلّه. نظر إليّ بابتسامة ميكانيكيّة وقال: "معليش متعوّد أجلس إلى جوار النافذة" "وكلّها ساعة ونوصل" ثم واصل ابتسامته التي لا معنى لها. ابتسمت له مرّة أخرى ثم جلست وأنا أشاور نفسي بين الإصرار على مقعدي أو استنطاق هذا المحتلّ باعتذار لائق ولكنّي آثرت ألا أصدم تجربتي في أول يوم لها.
ومن عشرات المواقف التي عايشتها وضعفت في بعضها ونجحت في تجاوز انفعالات بعضها اكتشفت أن معظم الناس ممن يتخاصمون باللفظ والفعل والإشارة أسرى سوء الفهم والأفكار المسبقة ثم تأتي أنانيّة اللحظة والتحاسد متوهمين أنّنا بمواقفنا الغاضبة نفعل الصواب. وأذكر من هذه المواقف موقفاً جمعني بشخص اشتهر بين أقرانه أنّه كثيراً ما "يناقز" على صدور المجالس متقدّماً كبار السن والفضل في اللقاءات الخاصة والعامّة. كنّا وقوفاً نستقبل قادمين فتحرّك متجاوزاً الجميع في مجلس "كبير قومه" فأمسكت بيده خفية طالباً منه أن يبقى إلى جواري. لم يستجب بل سحب يده بامتعاض متجهاً جهة منتصف المجلس ثم حشر نفسه بين الضيفين الرئيسيين وهو يوزع نظراته يمنة ويسرة. وحين خرجنا نظر نحوي معاتباً ثم قال: أعرف أنك أكبر مني سناً ولكن لا يمكن أن أجلس (أمام جماعتي) إلا في صدر المجلس فلا تحرج نفسك معي. ابتسمت له وقلت ولكني بحكم المعرفة والزمالة كنت أحاول تحسين "مجلسك" في كتاب مذكراتي فلم تساعدني.
ومن المواقف التي فشلت في ضبط انفعالي فيها ما حدث مع زميل سليط اللسان اختار أن يكون دوره الاجتماعي هو "التطاول" على الناس مستغلاً مهاراته في توظيف عبارات السخريّة دون حياء. سلّط هذا الزميل لسانه على زميل بسيط مسالم لاستدرار ضحك الحضور ممن يرجو نفعهم فانفعلت ورددت عليه بقسوة ثم تذكّرت التجربة فأمسكت عن المواصلة ولكن بعد فوات الأوان.
بالطبع لم أذكر عشرات المواقف فبعضها شخصي لا يهم إلا صاحبها، وهناك مواقف أطرافها قد لا يتسامحون، ولكني أعرض طرفاً من التجربة لعلّ بعضكم يجد فيها مدخلاً جديداً لاختبار الذات والتسامح مع الحياة. وأعترف لكم أن التجربة لم تكن يسيرة بداية الأمر، ولا أخفيكم أيضاً أنها تعرّضت للأزمات أكثر من مرّة جراء مواقف يكون الانفعال فيها استجابة (لا إراديّة). ولكن متعة (الصبر) فيما بعد حدّت من كثير من الانفعالات وقت الاستفزازات. ومن هنا علّنا نفهم ونستلهم مقاصد الحديث الشريف (إنَّما العلمُ بالتَّعلُّمِ، والحلمُ بالتَّحلُّمِ) حيث يمكن للإنسان إذا راقب سلوكه أن يغير الكثير من ممارساته السلبيّة.
قال ومضى:
على ناصية العمر.. تأمل المشوار الطويل ثم تنهّد وقال: ليت البضاعة تعادل الثمن.
لمراسلة الكاتب:
- Details
- Details
- قضايا وأراء
فطنت دول الخليج منذ عقود إلى أهمية الإعلام، فرصدت ميزانيات معتبرة من أجل تطويره ودعمه والاستفادة مما يتيحه من تأثير وتثقيف وترفيه، كان ذلك في البدايات إبّان مرحلة الدعم الحكومي، وشمل ذلك كل قطاعاته تقريباً، وفي مطلع التسعينيات وتزامناً مع فترة الغزو العراقي للكويت بدا أن المشهد الإعلامي الخليجي يدخل مرحلة مختلفة ليتخذ شكلاً يعتمد فيه على المهنية النوعية والاستثمار.
في هذه المرحلة سلكت دول الخليج مسارين: تبنت مؤسسات إعلامية منشأة وجاهزة، أو أنشأت منظومات إعلامية جديدة.. وهذه الخطوة شملت الوسائل التلفزيونية والإذاعية والصحافة، وكان لها ما أرادت فحققت عوائد مجزية، كما استطاعت صناعة إعلام ذي محتوى مواكب للتطورات مثير وناقد ومؤثر، لدرجة بلغ معها أن بعض هذه الوسائل أصبحت عينة لدراسات أكاديمية رصينة لاستقصاء قدرات تلك القنوات التأثيرية في صناعة القرار السياسي وتوجيه الرأي العام.
وفي خضم هذه التحولات الإعلامية افتقدت بعض القنوات الخليجية القدرة على ضبط المشهد الإعلامي بما يواكب مصلحة دول التعاون، فخان بعضها التعبير أو فشلت في مواكبة الأحداث التي تمر بها المنطقة.. ولعل ذلك يعود في أساسه إلى أمرين مهمين:
الأول: الافتقاد إلى خطاب إعلامي خليجي يعبر عن مواقف دول المجلس، ويدافع عن أجندتها، ومصالحها السياسية والاقتصادية والثقافية، بحيث يرسي هذا الخطاب ثوابت يجب المحافظة عليها وعدم المساس بها.. هذا الخطاب يُفترض ألا يؤدي إلى تقييد أو فرض توجيه يفتقد معه الإعلام الروح الإبداعية والمرونة اللازمة لأي منظومة إعلامية، بل يجب أن يعتمد هذا الخطاب على تبني الأفكار والمبادرات النيّرة وتخليص الإعلام من البيروقراطية الإدارية المقيتة التي تحوّل الممارسة الإعلامية من مهنة إلى وظيفة.
الأمر الثاني: الكفاءة المهنية الوطنية؛ إذ افتقدت كثير من الوسائل الإعلامية الخليجية وجود عناصر وطنية قادرة على مواكبة الأحداث، والتطورات المتسارعة في العالم، لاسيما في مجال السياسة والاقتصاد، وهذا يكشف جانباً آخر مرتبطاً بتأهيل إعلاميين مهنيين.. فمع الانفتاح والثورة الاتصالية لم تكن دول الخليج قادرة على الدفع أو تشكيل جيل من الإعلاميين الخليجيين يمكن المراهنة عليهم في المجال التلفزيوني والإذاعي وحتى الصحافي، فالعمل في هذه القطاعات يبدو أنه ليس مغرياً بالنسبة لجيل خليجي شغوف بمتابعة وسائل الإعلام.. يعكس ذلك الشغف بالمتابعة توجه سوق الإعلان بغزارة نحو منطقة الخليج، ويمكن اكتشاف قلة الكفاءات الوطنية عبر نظرة عامة للوسائل الإعلامية الخليجية التي يعتمد أغلبها على كفاءات عربية يفترض أننا تجاوزنا مرحلة الاعتماد عليها منذ فترة طويلة.
إن التأثير الذي يُسهم في صناعته الإعلام أصبح أكثر صعوبة مع تعدد المشارب والقنوات التي بات الفضاء يضيق بها بين غث وسمين، يضاف إلى ذلك دخول منافسين جدد أعادوا صياغة النموذج الإعلامي على المستوى النظري والتطبيقي.. ونشير هنا إلى وسائل الإعلام الاجتماعي التي تمتلك قدرة كبيرة على تعبئة الرأي العام وراء قضية معينة، وهو ما يجعلنا أمام عدة فرص وتحديات في آن واحد، ويتزامن ذلك مع حراجة الأحداث التي تمر بها المنطقة ما يتوجب معه الحفاظ على سياسة إعلامية تخدم المنظومة الخليجية، وتعزز من قوتها ودورها ومكانتها، وتدافع عن قضاياها، وتدحض بمهنية وموضوعية كل من يتعرض لها ويُقال حولها.
- Details