قضايا وأراء
- التفاصيل
- قضايا وأراء
لأن أهل الخليج يتميزون بقابليتهم «للتعولم» قتل الغرب لدينا
- التفاصيل
- التفاصيل
- قضايا وأراء
الإنقياد هو الطاعة والخضوع والإمتثال وهو على نوعين انقياد
- التفاصيل
- التفاصيل
- قضايا وأراء
في مارس عام ٢٠١٣م سجل معدل وفيات حوادث المرور 17 شخصا يومياً أي شخص لكل ٤٠ دقيقة، وبلغ عدد المصابين أكثر من ٦٨ ألفا سنوياً.. ووصف العقيد الدكتور زهير شرف مدير الأنظمة واللوائح في مرور المدينة المنورة تلك الفترة في محاضرة ألقاها أن الخسائر المادية تزيد على ١٣ مليار ريال سنوياً نتيجة لهذه الحوادث وفقاً لما ذكرته صحيفة الاقتصادية.. مالفت انتباهي في هذه المحاضرة القديمة نسبياً ما أشار إليه المحاضر من أن هذه الأرواح التي تُزهق كل يوم هي نتيجة إرهاب شوارع لا تقل خطورته عن الإرهاب المجرم حيث إن المملكة احتلت عام ٢٠١٣ المركز الأول عالمياً في حوادث الطرق.. مالم يتوقف عنده الناس أن السعودية فقدت كما أشار المحاضر في عشرين عاماً ٨٦ ألف شخص نتيجة للحوادث وهو رقم تجاوز عدد ضحايا حروب الأرجنتين والصحراء الغربية وحرب الهند وباكستان واستقلال كرواتيا لأن ضحاياها كانوا ٨٢ ألفا فقط.. عام ٢٠١١ فقدت السعودية ٧١٥٣ شخصاً مؤكداً المحاضر أنه في ٢٠١٩م قد تصل الحصيلة إلى ٩٦٠٠ شخص..!!
في مارس ٢٠١٦ وبعد ثلاث سنوات احتلت المملكة المركز الثاني عربياً بعد ليبيا والثالث والعشرين عالمياً في حوادث الطرق إذ سجلت في ٢٠١٥ وفاة ٧٧٦١ شخصاً.. وهو رقم يتجاوز أرقام ٢٠١٣م.. المثير في التقرير السنوي لمنظمة الصحة العالمية لعام ٢٠١٥م حول سلامة الطرق على مستوى العالم والذي نشرته "الرياض" في ٢٦ اكتوبر٢٠١٥.. هو ما أرجعه التقرير لهذه الحوادث العنيفة إلى غياب القوانين المنظمة لسلوكيات القيادة والسرعة في تلك الدول وعدم تخطيط الطرق على النحو الجيد الذي يضمن سلامة السائقين الأكثر عرضة لمخاطر الطريق.. وآشار التقرير إلى ظاهرة غريبة في الشرق الأوسط وهي أنه حتى الدول الأعلى دخلا ًبالمنطقة ترتفع فيها معدلات الحوادث على عكس الاتجاه العالمي حيث ينخفض المعدل بصفة عامة في الدول المرتفعة الدخل والمتوسطة وأوروبا بالتحديد تحظى بأقل معدلات الحوادث..!
لكن لماذا لدينا هذه الظاهرة الغريبة من ارتفاع الحوادث وهذا الموت المجاني رغم ارتفاع الدخل.. يشير التقرير العالمي إلى عجز دول الشرق الأوسط عن تطوير الطرق وقواعد المرور بالصورة التي تتلاءم مع النمو الاقتصادي السريع الذي تشهده ومايترتب عليه من زيادة عدد السيارات على الطرق..!
عدت إلى مأساة حوادث الطرق بسبب مانشرته جريدة عكاظ عن الحوادث المرورية خلال إجازة عيد الفطر حيث توفي في الرياض ١١ شخصا وفي المدينة المنورة ٩ أشخاص وفي جيزان ٦ أشخاص وفي الباحة ٥ أشخاص وفي عسير١٠ أشخاص وفي الطائف ١٥ شخصا إحصائية ضمت ٥٦ متوفى و٢١٧ مصاباً بعضهم يقضي عمره كله لا يستطيع أن يعود لما كان عليه.. هذه الأعداد اليومية والمتكررة منذ سنوات وبالذات في المناسبات والأعياد لا تختلف عن الأيام العادية التي تحصد أرواحاً بالجملة.. وأعتقد أننا البلد الوحيد في العالم الذي تُغلق الحوادث أبواب أسر كاملة وأحياناً عائلة كاملة لا يتبقى منها إلا فرد أو شخصان.. في جيزان ٨٠٪ من الأسر مرت بحالة صدمة وفقدت عزيزا وأحياناً أعزاء في حادث واحد.. عشرة أشخاص وأحياناً أربعة في حادث واحد على الطريق المؤدي من جيزان إلى جدة.. حوادث مرعبة ومخيفة تشترك في أسبابها الطرق السيئة.. وأحياناً القيادة الرديئة.. والسرعة المخيفة التي يقود بها الشباب والمراهقون.. والرغبة في التجاوز في الطرق التي لا تسمح بذلك.. يضاف لهذه الكوارث السائقون الذين نستقدمهم ويتعلمون القيادة هنا وعلى حساب أرواح الأسر.. ولا ننسى الحوادث التي تقع بسبب التهور ومحاولة التعجل بقطع الإشارة.. والتفحيط الذي ساهم في زيادة الحوادث والدهس..!
ورغم كل هذه الأسباب الأساسية إلا أن السبب الأهم والذي تترتب عليه كل الأسباب السابقة هو عدم سن قوانين حاسمة ورادعة ضد المتهورين ومرتكبي الحوادث بالتعمد من خلال السرعة أو قطع الإشارة أو التفحيط.. نحتاج أن نأخذ من قوانين الأنظمة الأوروبية ونحتاج أن نكرس تجارب الدول التي سجلت أقل الحوادث في العالم.. ما الذي يمنع من تطبيق عقوبة منع القيادة للمتهورين وسحب رخصهم ومعاقبتهم مالياً بعقوبات تزداد إن كسروا العقوبة كما يطبق في أوروبا.. لماذا لا نطبق العقوبة على أب سمح لطفل لم يتجاوز ١٢ سنة بالقيادة.. وجلس بجانبه.. أعرف نساء لديهن أطفال في سن ١١ سنة يقودون سيارات والأم سعيدة بذلك وتصرّ أنه شاطر في السواقة وسط ذهول المستمعات.. في هذه الحالة يمنع الأب من القيادة ويغرم مادياً..!
لماذا لا يتم سجن المتهورين الذين قضوا على أسر كاملة أو قتلوا أشخاصاً بالتهور بالسجن والغرامة الكبيرة والمنع من القيادة.. ولماذا يعود المتهور الذي قضى على أسرة أو أفراد للقيادة بعد شهور أو حتى أيام من جريمته؟
اسألوا من تكبدوا أوجاع الحوادث.. فستجدون أن الوسطاء قد بدأوا بالتوسط للعفو عن المتهور وأحياناً بالتعمد قبل أن يدفن المتوفى.. بعبارة رحم الله ميتكم.. وغفر له.. والعفو من شيم الكرام.. وعمر ميتكم انتهى وكان سيموت على يد المتهور أو بيد أخرى.. طالما نحن ندور في هذه الدائرة لن تنتهي الحوادث ولن تتحسن أرقام الأحياء بل ستزداد أرقام الأموات.. ولن يتذكر أحد أن بيننا من لا يستحقون أن يقودوا سيارات وينبغي الحجر عليهم ومعاقبة من يساعدهم على القيادة..!!
- التفاصيل
- التفاصيل
- قضايا وأراء
د.علي القرني
من أسوأ مظاهر الشخصية غير السوية، هو عندما يخرج مسئول من منصبه أو يغادر إلى مكان آخر يظهر بعض الكتاب بشخصياتهم غير السوية؛ ليتحدثوا عن مواقف أو خصال أو افتعال قضايا أو مشاكل وطرحها للرأي العام، وهي في حقيقة الأمر مجرد محاولة لصناعة بطولة من لاشيء. وهؤلاء الكتاب يحاولون أن يصنعوا بطولة لهم من دون أدنى درجة من الاستحقاق لمثل هذه البطولات الزائفة.
وللأسف، ينهج بعض هؤلاء الكتاب، وعلى مر السنوات هذه المنهجية المعتادة منهم، فهم يبدأون أول مقالاتهم بنقد غير مبرر لشخصية مسئولة في جهاز إداري مهم في منطقة الكاتب، هدفها هو لفت انتباه المسئول الجديد إلى هذا الكاتب. فمثل هذا الكاتب يسعى دائما إلى ترضي المسئول الحالي لأسباب عديدة على حساب المسئول السابق، وهذا للأسف نهج يعكس منهجية مريضة اعتاد أن يقتات عليها بعض الكتاب، أثناء تحولات المناصب وتدوير الشخصيات الناجحة.
ومن المعروف أن من السهولة دائما أن نبحث عن عثرات أو زلات لأي شخصية في أي منصب إداري، ولكن أن يكون صلب القضية هو شائعات أو مجرد تلبسات مريضة لأشخاص عادوا النجاح داخل المؤسسة أو خارجها، فهذا منهج مرفوض من العقل والمنطق والعرف والتقاليد. وبدل أن نشد على أيدي الناجحين المخلصين نعاديهم ونتربص بهم، ليس وهم في سدة المسئولية ولكن عند مغادرتهم كراسي المؤسسات.
إن هدف مثل هؤلاء من الكتاب هو مجرد لفت انتباه المسئول الجديد، وكأنه يقول «أنا هنا موجود» أرجو أن تنتبه لي. ونحن في القطاع الإعلامي والقطاع الأكاديمي نتابع دائما بعضا من هؤلاء الكتاب الذين يظهرون بعيد التعيينات الجديدة للوزراء أو مديري الجامعات، ونضعها دائما في سياق الظهور الموسمي لهؤلاء الكتاب، فقضاياهم ظاهرها الوطنية ولكن داخلها - ومغلف بها - محسوبية أشخاص ومصالح وقتية، وظهور مرغوب ورزات إعلامية. وهذا ما نلاحظه من ظهور هذه الأصوات وهذه الكتابات في مواسم التعيينات الملكية.
ومن أسوأ هذه الكتابات هو ما يكون مبنياً على معلومات زائفة أو حقائق مغلوطة ومصادر موهومة، ولا توجد أي مستندات نظامية أو تفسيرات منطقية لمثل هذه المقولات الزائفة. وهدف مثل هذه الكتابات هو صناعة بطولة للكاتب على حساب التشويش على شخصيات وطنية خدمت مؤسساتها بكل حكمة واقتدار، وعبرت بتلك المؤسسات إلى بر الأمان وارتقت بمنسوبيها إلى مصاف التنافسية على مستوى الوطن. ويظل هدف مثل هذا الكاتب هو إدارة مجده الشخصي في وسائله المرهونة إلى نزعاته الشخصية وأهوائه الباطلة.
إنني وغيري، وبكل تقدير، نحترم كتّابا شرفاء في وسائل إعلامنا يكتبون وينتقدون بكل مسئولية أي مؤسسة من مؤسساتنا، ويخاطبون المسئول وهو على كرسي المسئولية؛ حيث إنه يمتلك كل مسوغات الرد والتوضيح، ولكن أن تكون مثل هذه الكتابات بعد خروج المسئول من أروقة المؤسسة وبعد تنحيه أو تحوله إلى موقع آخر فهذه منهجية ضعيفة ولاتنبئ عن مصداقية أو قبول من الرأي العام. كما أننا نعلم علم اليقين أن بمقدور أي كاتب انتهازي أن يفبرك عشر كلمات في مقالة ويصيغها بلغة شكية، ويطلب فيها استدعاء مؤسسات نزاهية أو قضائية أو بعض المسئولين هنا أو هناك، فهذه أهون الأمور لدى هؤلاء الكتاب الموسميين.
وستبقى الحقائق هي خير شاهد على صفاء النفوس وإخلاص الأعمال مهما حاول هؤلاء أن ينالوا من شخصيات خدمت وطنها وساهمت في نهضته وعايشت أحداثه، وأوصلت مؤسساتها إلى مصاف التطوير والنماء والتقدم. وسيبقى نبض الوطن حياً في قلوبنا يقودنا دائما إلى مزيد من النجاحات، وإلى التصفيق لهذه النجاحات ودعمها ومساندتها.
ولن نجد مبررا لأي شخص أو كاتب يحاول أن يعبث بمقدرات النجاح، فأوجه النجاح وعلامات التقدم ومظاهر الريادة واضحة للجميع بدون مقدمات أو عناوين، كما أن لعبة الاستقواء بوزير أو أمير باتت مكشوفة لدى هذا الأمير أو ذاك الوزير.
- التفاصيل
- التفاصيل
- قضايا وأراء
سعد الدوسري
نهتم كثيراً بالإشادة بشبابنا وشاباتنا المبدعين في كافة المجالات، سواء الاختراعات أو الابتكارات أو ريادة الأعمال أو الإنجازات أو حتى الإسهامات الاجتماعية. وفي خضم هذه الإشادات، يجب ألا ننسى المبادرات الإنسانية، التي قد تنقذ فرداً أو مجموعة من الأفراد. ولأن الأم هي أكثر من يضحي من أجل أبنائه، وهي من تخاطر بصحتها ومالها للحفاظ على حياتهم ورفاهيتهم، فلم يكن مستغرباً أن تتبرع السيدة فاطمة يوسف الحمودي، بجزء من كبدها لطفلها بعد معاناته مع مرض الفشل الكبدي.
وتقديراً لهذه المبادرة، فلقد كرَّمت لجنة المتابعة الأهلية في بلدة «الحليلة» التابعة لمحافظة الأحساء السيدة فاطمة، وذلك من خلال زيارة وفدين رجالي ونسائي لمنزل الأسرة وتقديم التهاني نيابة عن الأهالي بمناسبة نجاح العملية، كما قدم الوفدان الشكر وبعض الهدايا وباقات الورد للأم التي ضحَّت بجزء من كبدها لإنقاذ حياة طفلها.
لا بد أن يفتح هذا التكريم المستحق، الباب لجميع شرائح المجتمع، ليكونوا على دراية بأهمية التبرع بالأعضاء، لصالح مرضى الفشل الكلوي أو القلبي أو الكبدي أو الرئوي، والذين يعانون أشد المعاناة، وقد يصل بهم تهديد هذه الأمراض إلى الموت، لا سمح الله. وتجدر الإشارة إلى أن التبرع يشمل المتوفين دماغياً في حوادث، والأحياء الأصحاء. وكل تبرع سينقذ بإذن الله مريضاً، وسيمنحه حياةً جديدة. ولذلك، فإن التكريم للمتبرع هو أقل ما يمكن أن نقدمه لها أو له.
- التفاصيل
- التفاصيل
- قضايا وأراء
د. حمزة السالم
الشباب جذوة نار، تُحرق غالباً دون الاستغلال الأدنى لها، ولا أقول الاستغلال الأمثل. فالاستغلال الأدنى لفترة المراهقة والشباب يَنتُج عنه مهرة الأخصائيين في شتى العلوم. والطلبة المجتهدون حقا والمثابرون بعد ذلك في عملهم على تعليم أنفسهم وتطوير مهارتهم، مثال على أدنى الاستغلال للشباب. وأما الاستغلال الأمثل فذاك يَنتُجُ عنه أعظم العلماء والمبتكرين ونوادر المخترعين.
والطفرة الرقمية من الشواهد الحاضرة المعلومة على ذلك. فعشق بعض المراهقين للكمبيوتر وملحقاته، جعلهم يستنهضون ملكاتهم العقلية في استغلال جلد الشباب استغلالا أمثلا. فسعيد الجَدِ من سُخر له بيئة علمية وصناعية متطورة فأصبح مخترعاً عظيماً، وسيئ الحظ، يعود هكراً أو إرهابياً أو جسداً محطماً في قبو من الأقبية.
ولهذا نرى، أن كل الإنجازات العظيمة في الكمبيوتر والإنترنت ونحوها انطلقت من أمريكا وحول جامعاتها، بغض النظر عن جنسيات مُلاكها، كقوقل وغيرها. فالبيئة الأمريكية تصبح رحما للبذرة المخصبة ثم أما حنونا ترعاه صغيرا، ثم أبا قويا يدافع عنه ويحفظ له حقوقه. حتى إذا ما شب وقوى ساعده، وجد السوق اللازمة لاستمرار حياته ولاشتداد شبابه، قبل أن يهرم فيرثه آخر.
فدورة الكون من المهد إلى اللحد، وأرث القوي للضعيف الهرم، سُنة لا تقتصر على الأحياء والحياة الفطرية خاصة، بل هي سنة من سنن الله الكونية في كل شي به يستمر الكون، وبه يتطور ويتبدل ويتغير.
فماذا عن نبوغ الشيوخ ممن تعدى الأربعينات من عمره ممن ينبغ فجأة بلا سبق استغلال يُذكر لمراهقته وشبابه؟ ما زلت أعتقد اعتقادا ظنيا تأمليا محضا، أن ذكاء الناس متساوي غالبا عند ولادتهم. كتساويهم غالبا في أجسادهم وأعضائهم. والعضو الذي لا يعمل من طفولته، يكسل فيمرض فيموت. والقيود السياسية أو الدينية أو الاقتصادية أو الاجتماعية تُعطل العضو اختياريا عن عمله، كعدم مشي القدم كسلا. وقد يُقيد العضو جبرا، حتى يضمحل وهو في حال شلل، أو يتضخم لاستمرار نموه فيكبر حتى ينفجر.
فبخلاف من يستغل مراهقته وشبابه استغلالاً أمثلا، فيظهر نبوغه مبكراً ويتواصل إنتاجه ويتطور، فإن نبوغ الشيوخ من غير سابقة تُذكر، والله أعلم، هو انفجار ذكاء مُتضخم قد طال قيده طويلا، مع بقاء نموه وتطوره. ولهذا لا يعيش النوابغ طويلا. فانفجار الذكاء، إيذانا بنهايته. وقد ذكر الطب العربي عن بعض النوابغ عبارة «أن عقله يأكل نفسه فمات صغيرا أو سريعا».
ولعل ندرة أعمال النوابغ، تشهد على هذا. فتجد الواحد منهم يُفجر كتابا أو ابتكارا أو اختراعا عظيما ثم لا يلبث أن يُقال إنه مات أو جُن. فإن سلم حينا، استدركه قومه فقتلوه أو سجنوه أو أخرجوه طريدا شريدا جبرا، أو اختيارا شخصيا بعد أيس وأسف.
فالذكاء يَنتُج عنه فكر جديد، والجديد مرفوض حتى ولو لم يكن مخالفا للقديم. فمعارضة التغيير هي من فطر الإنسان التي حافظت على استمراريته، كما حدت أيضاً من تطوره، لتتحقق سنة الله الكونية في التدرج.
فبخلاف المخترعين والمبتكرين، الذين غالبا ما ينحصرون في تخصص واحد منذ شبابهم المُستغل جيداً، فإنك تجد النابغة عبقريا في كثير من الأمور. فانفجار ذكاءه ليس مقيداً بتوجه أو محدود بتخصص، فتراه يضرب بفكره يمنة ويسرة. ولعل هذا مما يُعجل عليه بالنقمة من مجتمعه فلا تجد له مؤازراً، فيكثر حساده، فيعجلون به للفناء سريعا، ثم يُقال جُن الرجل أو مات. وشواهد ذلك كثيرة ظاهرة عبر المجتمعات والعصور، لا يتسع المقام لها.
- التفاصيل
- التفاصيل
- قضايا وأراء
عبدالعزيز السماري
في ثقافتنا المعاصرة طغت مقولة «الشيطان في التفاصيل» على مختلف المقولات التي سبقتها ولحقتها، وتعود المقولة في الأصل إلى «الله في التفاصيل»، وكانت مقولة مشهورة ومتداولة في الحضارة المسيحية قبل قرنين من الزمان، ثم خرجت منها بعد ذلك مقولة الشيطان في التفاصيل، ثم الحكومة في التفاصيل، وهكذا، وتختلف المعاني حسب استخداماتها عند التعبير عن أمر ما.
لكن مقولة الشيطان في التفاصيل راجت في الثقافة العربية المعاصرة، وكأنهم وجدوا ضالتهم في هذا التعبير على وجه التحديد، والذي يحكي بعضاً من أوجه الأزمة، فالانحياز موجود في صورة متضخمة في التفاصيل، كذلك تجد مرابع الفساد تسود مساحات التفاصيل، وتهيمن بقدراتها على تطويع التفاصيل لمصالحها، لهذا يصرخ الجميع «الشيطان في التفاصيل»، وليس في الخطوط العريضة.
ربما تتضح الصورة أكثر عندما يسافر أحدنا لدولة أوروبية على سبيل المثال، ثم يخرج من المدن الكبرى إلى حيث التفاصيل في الأرياف، عندها تتضح الصورة، فالحضارة تكمن بالفعل في التفاصيل، وتشاهدها في ارتفاع مستوى الخدمات في مختلف أصغر القرى والضواحي والأماكن النائية، كما تبرز في الشوارع الصغيرة، وفي التزام الإنسان الصارم بحقوق المشاة في الشوارع، وبالانضباط المروري التام.
كانت التفاصيل في غاية الروعة عند تأمل البيئة، والتي تلقى اهتماماً بالغاً من الجميع، وتبدو في كامل زينتها بسبب تدني مستويات التلوث البيئي، كما تظهر في انعدام مناظر مخلفات المباني في الأودية، أو في تصاعد الروائح المؤذية من المستنقعات المائية، وتبرز في اقتراب المظاهر العامة بين الناس، فلا توجد عمالة سائبة أو شحاذة عند الإشارات المرورية، والتي تُعتبر أحد أهم إفرازات عفريت المصالح الذي يسكن في التفاصيل..
كان من أهم ملامح التفاصيل ذلك الغطاء القانوني في مختلف تعاملاتهم، فالتواصل من خلال تفاصيل القانون يُعد مهارة ودليل تقدم اجتماعي مذهل، وذلك لأن القانون يسري على الجميع بدون استثناء، لذلك من السهل أن تحمي حقوقك في بلادهم، إذا كنت تتعامل معهم من خلال القانون، أو تتقن لغة القانون ومصطلحاته، وذلك متطلب أساس لأي مجتمع يسعى إلى توطين أوجه الحضارة في التفاصيل.
كذلك تبرز في عصر «الحضارة في التفاصيل» غياب الصور الكبرى، والتي عادة تُستخدم لإخفاء التفاصيل، كما تختفي المقولات العظمى، والتشدق بالأقوال الخالدة، ولكن تطفو على السطح تفاصيل المنجزات الحضارية، وتذوب في أعماق المجتمع مختلف الصور والمقولات والأيدولوجيات، كما تتحول الوطنية إلى أرقام ومنجزات ومعدلات تنموية وصحية وتعليمية.
لا شك أن الفارق الحضاري بين الفشل العربي والمنجز الأوروبي يحكي مختلف التفاصيل، لكن علينا أن نحاول دائماً توثيق تلك الحكاية بكامل فصولها، لعل وعسى أن تتحرك الجهود نحو ذلك الطريق، فالإنسان مهما تشدق بمقولات أو صور أو جغرافيا، ستظل المنجزات على الأرض المقياس الرئيس لنجاحاته، وسينسى التاريخ كل الألسنة التي حاولت تزييف الحقيقة من أجل حفنة من مال أو منصب أو جاه..
بكل أمانة تعيش دولنا العربية بعض أوجه زمن الفشل مرحلة «الشيطان في التفاصيل»، والتي أفسرها بالمصالح الشخصية التي تجري خلفها بعض المشاريع والطرق والمنجزات وعدد من القرارات، وما زالوا في أقصى درجات البعد عن زمن الحضارة في التفاصيل، والتي تعني أن تصل الخدمات والحقوق إلى الجميع بدون استثناء..
الطريق إلى زمن الحضارة يبدأ بخطوات التعليم ومشاريع التنمية، إذا تخلت مجتمعاتنا العربية تماماً عن العفاريت التي في التفاصيل، والتفرغ لمهمة إيصال الإنسان إلى مرحلة الوعي بالحضارة، ومن ثم إخراج الحالة العربية من وضع الغيبوية الحضارية، والتي من أهم أسبابها الجهل والأمية المعرفية، وذروتها أن يقبل الإنسان أن يكون إمعة لغيره، ليتحكم فيه كيفما يشاء، والله المستعان.
- التفاصيل
- التفاصيل
- قضايا وأراء
بعد كل هذا البحث المعرفي/النقدي الذي نهض به الفلاسفة منذ بداية عصر النهضة في أوروبا، مروراً بعصر التنوير في القرن الثامن عشر، وإلى اليوم، وبعد كل معارك الجدل، وبعد كل جهود التنظير، تلك التي كانت تدور رحاها حول إشكالية التسامح بعلائقها المعرفية والواقعية، بعد كل هذا؛ وصل الجميع إلى حقيقة مؤداها: أنه لا بديل عن التسامح إلا التسامح، وأن التسامح أصبح - بقوة قانون الواقع؛ قبل قانون العقل؛ بل وقبل قانون الأخلاق، هو الخيار الوحيد للحياة، وللحياة تحديداً. وأما الموت فلا تزال خِياراته مفتوحة للجميع، مفتوحة على كُلِّ صُور الانتحار التي يتصدّرها - خاصة في عالمنا العربي/الإسلامي - خِيار الانتحار بالاحتراب الديني أو الطائفي، هذا الخِيار الذي يبدو اليوم وكأنه بدأ ينتقل من عالم النظرية/التجريد الممتد على مساحات الجدل اللاهوتي العقيم، إلى مستوى التطبيق في الواقع المتعين/الراهن.
إذا انتفى كل خيار غير خيار التسامح، فأصبح التسامح هو الخيار الأوحد؛ فلا بد من البحث عن كل ما من شأنه أن يعزز التسامح كخيارَي قلوب وعقول الجماهير. وفي الوقت نفسه، لا بد من البحث عن كل عوائق التسامح لتفنيدها وترذيلها..
في سياق الخيارات الإيجابية، نحن أمام خيار مصيري لحياتنا؛ لا لموتنا وانقراضما: إما التسامح، وإما التسامح. الخيار الآخر الوحيد، هو الخيار المقابل: خيار اللاّتسامح. وهو خيار يقع خارج نطاق الحياة، خارج منطق الحياة حتى في معادلاتها البدائية.
نحن في العالمين: العربي والإسلامي، أمام خيار واضح، خيارٍ ليس غائماً ولا ملتبساً؛ فيما يخص هذه المسألة (التسامح) تحديداً. إذا لم ندعم خطاب التسامح، ونؤسس له، فمعنى ذلك أننا – بالضرورة - ندعم الخطاب المضاد، فنُقرّ خطاب الكراهية والعداء، ونمنح الشرعية المفتوحة للجميع؛ ليمارس الأقوى (كما في الحالة الديكتاتورية)، والأكثر (كما في الحالة الديمقراطية)، كل ما يستطيعه من أنواع التهميش والاضطهاد والاستعباد والقهر والإذلال.
لا أظن الجماهير البريئة - على امتداد العالمين العربي والإسلامي - ترضى بأن تكون حطباً لنار الكراهية والعداء؛ إلا بعد أن تتم أدلجتها على يد سدنة الاحتراب الطائفي، أولئك المتكسبين من كراهية الجميع للجميع. فالجماهير تدرك - بتلقائية جمعية، وخاصة بعد تجاوزها منطق الغزو والسلب - أن رفاهيتها مرهونة بمستوى ما يتحقق من سِلم اجتماعي يمنح الفرصة للإنتاج المؤدي - في الحالة السلمية الطبيعية - إلى الخير العام.
ولا يسري الوهن إلى هذا الإدراك الجماهيري التلقائي، إلا عندما يتم وضع الجماهير في سياق اعتقاد عنصري مُعادٍ للحياة، اعتقاد يُصوّر لها أن رفاهيتها ليست جزءا من رفاهية الآخرين، بل هي رفاهية على حساب رفاهية الآخرين (وفق عقلية النهب والسلب: فسالب ومسلوب، وناهب ومنهوب. وبناء على هذا التصور الاحترابي، ليس ثمة عمل مشترك، تكون الشراكة فيه إضافة إيجابية لكل الأطراف)، إذ - وفق هذا المنطق الاحترابي - لا يُضاف شيء إلى رصيد الذات إلا بسحبه من رصيد الآخر، والعكس صحيح؛ لأن الصراع هنا صراع على منتج محدود، وليس على عملية إنتاج تنافسية، تتضافر فيها الإرادات للتخفيف من حدة البؤس الإنساني المتحدم منذ وُجد الإنسان على هذا الكوكب العليل.
عندما يكره الإنسان أخاه الإنسان فإنما يكره نفسه، وعندما يضطهده فإنما يضطهد نفسه. اضطهاد الإنسان، أيا كان هذا الإنسان، هو اضطهاد للإنسانية ذاتها ممثلة في فرد من أفرادها، أي الإنسانية التي يُشكّل المُضْطَهِد (الفاعل) جزءا لا يتجزأ منها، في الوقت الذي يعكس فيها وجودها الأعم. فمن ينتهك الحرمات الإنسانية، فإنما ينتهك – في الوقت نفسه - حرماته بوصفه إنساناً، أي ينتهك ذاته في صورة انتهاك الآخرين. وكراهية الآخرين هي - في بعدها السيكولوجي الأعمق - ما هي إلا نتاج كراهية الذات واحتقارها وإدانتها؛ حتى ولو كانت تدّعي - في سياق التنرجس المَرَضي- أنها خَيّرة، وأنها إيجابية، وأنها راضية بذاتها، وأنها من نسل خير أمة أخرجت للناس.
إذا انتفى كل خيار غير خيار التسامح، فأصبح التسامح هو الخيار الأوحد؛ فلا بد من البحث عن كل ما من شأنه أن يعزز التسامح كخياري قلوب وعقول الجماهير. وفي الوقت نفسه، لا بد من البحث عن كل عوائق التسامح لتفنيدها وترذيلها، أقصد تلك العوائق التعصّبية التي تكمن - غالباً - في صلب المقولات اللاهوتية التي تتأسس عليها الأديان والمذاهب، وتصبح عند الأتباع المُقلدين ليست مجرد مقولات ظرفية عابرة، بل عقائد راسخة، وأكثر من ذلك، عقائد يُراد لها أن تتجذّر كأصل من أصول الإيمان في معظم الأحيان.
لقد اعتقد الفيلسوف الليبرالي جون ستيورات مل أن التسامح يمتنع مع الاعتقاد بحقيقة مطلقة؛ لأن الاعتقاد بمثل هذه الحقيقة يفتح الباب على النزاعات اللاهوتية التي تؤسس رؤى الافتراق؛ لأن الجدل اللاهوتي سيسير في طريق تأكيد الحقائق المطلقة التي لا تقبل أنصاف القناعات، ومن ثم لا تقبل أنصاف الحلول، بينما الشراكة الاجتماعية، ذات المنحى التسامحي الذي ينبذ الاضطهاد، قائمة على أنصاف الحلول ضرورة، وعلى الاشتغلال على المشتركات بمستوى المشترك فيها، لا بمستوى ما عليه الخلاف.
في اعتقادي أن الحقيقة المطلقة نوعان: حقيقة مطلقة على مستوى الاعتقاد بعوالم الغيب، تلك التي لا يتعدى أثرها حدود ذات الفرد (فالغيب فردي التصور حتما؛ لأن رسم معالمه يتم من خلال اللغة التي تُحيل إلى ما لم يتحدد مدلوله في الوعي سلفا عن طريق الحواس)، وحقيقة مطلقة من حيث هي قانون/تنظيم نافذ على الجميع في مستوى الفعل الاجتماعي أو السياسي.
وبناء على هذا، فالحقيقة المطلقة من النوع الأول لا تمنع التسامح، ولا تفسد الشراكة الاجتماعية؛ لأنها لا تعمل في المجال الاجتماعي الذي هو ميدان التسامح (كما هو ميدان التعصب أيضا)، بينما الحقيقة المطلقة من النوع الثاني تقف - بلا شك - عقبة ضد كل رؤية تسامحية تحاول أن تجد طريقها إلى الواقع المُتعيـّن؛ لأن من يعتقد أنه يمتلك الحقيقة المطلقة، فسيعتقد أنه يمتلك الحق المطلق، ومن ثم، فهو يمتلك الحق في التصدي لكل من يقف في طريق تمكين هذا الحق المطلق ليأخذ أقصى درجات الفعل في الواقع، وبالمطلق أيضا.
إشكالية الحقيقة المطلقة أنها ليست حكرا على طرف واحد، بحيث يُسلّم لها جميع الأطراف بذلك، بل هي حقيقة مطلقة عند كل طرف، إذ كل طرف يدّعيها، بل وكل طرف يعتقدها يقينا إيمانيا. وعندما تحضر هذه الحقائق في السياق الاجتماعي المشترك، فلا بد أن تتصادم؛ لأن المطلق لا بد أن يكتسح كل المجال الذي أمامه (والذي يتضمن مجال عمل المطلقات الأخرى)؛ لأنه يرى نفسه مشروعا للحقيقة/الحقائق الكبرى، مشروعا عابرا للزمان وللمكان.
وإذا كان جون ستيوارت مل رأى أن الاعتقاد بالحقيقة المطلقة مانعا من التسامح، دون أن يحدد مجال هذه الحقيقة بالمستوى الاجتماعي، فإن جون لوك في (رسالة في التسامح) أكد مرارا على أن التسامح يبدأ من الفصل بين مجال الاعتقاد الخالص الذي لا ضير من حقائقة المطلقة، وبين مجال التعامل المدني الذي يجب أن يتساوى فيه جميع الناس.
جون لوك يرى أن التسامح هو أن لا يُحاكم الناس على أساس دينهم، بل يُعاملون مدنيا على أرضية يتساوى فيها الجميع بلا تمييز ولا تحيّز من أي نوع. ومن يقرأ كتابه التأسيسي (رسالة في التسامح) يرى أنه يؤكد مرارا، ومن أول الكتاب إلى آخره، على ضرورة أن يبتعد رجال الدين عن سياسة الشأن العام؛ لأن دخولهم فيه (الشأن العام: موضوع الفعل/التفكير السياسي) سيؤدي حتما إلى وجود تحيّزات في التنظيم الاجتماعي، تحيّزات لا بد أن تكون لحساب طائفة أو مذهب على حساب بقية الطوائف والمذاهب الأخرى.
لقد رأى جون لوك أن من حق القائمين على أي دين، أو على أي مذهب، أو على أية طائفة، أن يُخرِجوا منها من لا يعترف أو لا يلتزم بأصول عقائدها أو مبادئها الأساسية، ولكن بشرط أن تكون أرضية التعايش مدنية خالصة، بحيث تسمح بأن يتساوى الجميع تماما في كل الحقوق والواجبات. بمعنى ألا يترتب على الحرمان الديني/الروحي أي حرمان مدني من أي نوع، بل وألا يكون التصنيف الديني أو المذهبي توطئة أو تشريعا لممارسة الاضطهاد، أيا كان نوع هذا الاضطهاد، وأيا كانت درجته، حتى ولو كان متمثلا في بعض عبارات التنقص أو إشارات التبخيس أو ممارسات الازدراء.
إن الاضطهاد الذي ينتج عن عدم التسامح مع الخلافات العقدية، لا يُؤزّم المجتمع، ولا يشعل فتيل الاحتراب الداخلي فحسب، وإنما هو - أيضا - يصنع مجتمعا نفاقيا، مجتمعَ رُعبٍ يفتقد للحدود الدنيا من الشجاعة. ومجتمع كهذا، لن يصبح بيئة خوف فحسب، وإنما سيصبح بيئة تخلف أيضا. فالمجتمع الذي يقسر أفراده - أو بعضاً منهم - على رُؤية محددة، بحيث يُضطهد من خالفها، لا يستطيع أن ينهض بنفسه؛ لأنه معاق على مستوى الرؤية، وعلى مستوى الإرادة. فمن جهة؛ الرؤى ستبقى حبيسة الصدور حتى تتآكل وتموت، ومن جهة أخرى؛ الإرادة ستجد نفسها مكبلة بالأغلال حقيقة أو مجازا!.
لقد أصبح من بدهيات الرؤية السياسية المعاصرة أن الدولة المدنية هي دولة المساواة، ومن ثم، فهي دولة المواطنة (نسبة إلى الوطن/الأرض، وليس إلى أي هوية فكرية عابرة للجغرافيا) التي يتساوى فيها كل أحد مع كل أحد، وتحمي الدولة فيها كل أحد من كل أحد؛ دونما تفريق. وأي اعتداء على هذا الأصل المدني للتعايش المشترك، يعني اهتزاز مفهوم المواطنة من أساسه، ومن ثم اهتزاز مفهوم الوطن، إذ لا وطن بلا مواطنين متساوين بمجرد الانتماء إليه ككيان محدود بحدود الجغرافيا، وليس كفكرة أو كرؤية عابرة للقارات. ما يعني أن الأرض وما يشترط بها من مصالح مادية هي محور الانتماء، بعيداً عن خيارات الأفكار التي تخضع لقانون الاختلاف والتضاد، بل ولقانون التبدل والتغير والتحول، لا على مستوى الأفراد فحسب، وإنما على مستوى الجماعات أيضاً.
- التفاصيل
- التفاصيل
- قضايا وأراء
لم يكن منظراً مبهجاً ما أرسله لي أحد الزملاء، كانت صوراً لحاويات قمامة وقد تناثر حولها وبداخلها كميات كبيرة من الطعام تكفي قرية أفريقية وتفيض، رز ولحم خضار وفواكة، مما يجعلنا نستغفر الله مرات ومرات، وربنا لا تؤاخنا بما فعل السفهاء منا.. رغم أن هناك أفواهاً جوعى، وهناك جمعيات لحفظ النعمة. يسهل الاتصال بهم.
هذا الإسراف والكفر بالنعمة الذي يتجلى في المواسم والأعياد، يجعلنا نتمنى لو قننت المشتريات. وعمل محاضرات وندوات واستنهاض للفكر الجيد، متخذين من قوله تعالى (لا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسوراً).
التبذير ظهر لنا واستشرى بعد الطفرة، وكثر لدرجة كبيرة، ناسين أننا بلد بلا موارد غير البترول الذي لا شك ناضب. ايضا ناسين ما مر من فقر وجوع.. فالناس أكلت الحشائش وكادت تأكل بعضها، وارتحل الكثيرون لبلاد قريبة وبعيدة طلبا للعيش، ولم نكن أحسن حالا من دول نرى شعبها في كل مكان هنا، فالمتعلم يجد فرصة جيدة وغير المتعلم لن يجد شيئا يستحق الغربة من أجله. كل ذلك هربا من الجوع والبطالة.
هذا التبذير يدخل ضمن الإهدار العام وبالتالي التكلفة لن يتحملها الذي رمى النعمة إنما الدولة الداعمة أيضاً.. هذا مما يستوجب معاقبة المسرفين أيا كانوا.. ولا يصعب الاستدلال على الفاعل.
لولو القطامي أول رئيسة لجمعية نسائية بالكويت في كتابها بنت النوخذة تأتي بقصة لطيفة ومعبرة، كانت في الخمسينات من القرن الماضي مع أخيها في لندن، أحد أصدقاء أخيها سرق حماماً من حمام الساحات وهذا الحمام يعتبر حمام الملكة لا أحد يمسه بسوء، انتبه عامل النظافة لذلك وجد أرجل الحمامات، فأبلغ عنهم وتمت محاكمتهم ودفعوا غرامة خمسين جنيها وهو مبلغ كبير جدا على الطلبة. أوردت المثل هنا حيث يسهل الاستدلال على مبذري النعمة.
رمي النعم بالحاويات يعطي فرصاً للذباب والتفريخ مما يعني جهدا آخر للتنظيف والتعقيم وأيضا جهودا مضاعفة في علاج الحالات المرضية، ولا يخفى على أحد مسالة النزلات المعوية خاصة في الصيف، ولعل السلسلة تطول مما يستوجب معاقبة مهدري النعمة.
نستورد كل شيء الماشية بما في ذلك الضان، والسكر والرز وحتى البهارات، ولا ننسى الأيدي العاملة مستوردة ويدفع لها ويتم تحويل المبالغ للخارج بمعنى الدولة لا تستفيد منه.. وهذا الدفع وإن كان ظاهرا من حساب الذي رمى النعمة لكنه يؤثر على الموارد وعلى الميزانية العامة، ويسرق حق الأجيال القادمة.
لو حسبنا كم ما يمكن أن تطعمه فائض الأكل في العدد فقط لهالنا الأمر.
النعمة زوالة والمشكلة عندما تزول عمن يصونها وعمن لا يصونها، هل نتذكر قصة (لافونتين) النملة والصرصار. أخشى أن نرقص بالشتاء كما فعل صرصاره.
- التفاصيل