قضايا وأراء
- Details
- قضايا وأراء
في رأيي أن مهنة القاضي ومهنة المحامي تتصلان بصفة مباشرة أو غير مباشرة ببعضهما. قصدي أقول إن المهنتين تهدفان إلى غاية واحدة هي العدالة، ومن هنا قال التاريخ القضائي البريطاني بضرورة وجود الاحترام بين القاضي والمحامي، وأن يفهم كلّ منهما الحدود التي رسمها له القانون. وفي الهند وقبلها انجلترا يلتقي الطرفان دائما على المودة والصفاء، حتى أثناء التخاطب في القاعة.My learned colleague
وتتفق آراء فقهاء القانون أن المحامي هو الذي يساعد القاضي ببسط الأدلة أمامه وسياق الحجج والبراهين. وتحفل الكتب ذوات المصدر التاريخي بالنوادر والمِلَح عن تلك الفئة التي يُفترض فيها التزمّت والوقار. لكنها – واعني فئة اهل القانون - لا تخرج عن كونها من البشر وتحب مجالسة أهل المرح والأدب والمِلح الاجتماعية من نكات وما أشبه. وربما كان هذ الدافع الأول لتأليف أسفار عن حياتهم وذوقهم الفني والأدبي.
وقد تكون المحاماة أخصب المهن لتعلم النكت. ليس لأن المحامين أهل ظرف ولكن لأن حرفتهم وعدتها الإقناع تفسح المجال للكلمة الجميلة والجواب القاطع والحجة. وتلك الأمور لا يتعلمها المحامي داخل قاعات الجامعات أو التحضير للامتحانات، لكنها في ذات المتقدم لكلية الحقوق وجمعيات المهن القانونية. يعني أن المحامي فيه خصال قد لا يملكها الكثير.
ومن طبيعة المحامي التطويل والثرثرة. وفي احدى الروايات السينمائية يستهل محامي الدفاع بالبحث عن نشأة الكون، وخلق الأرض والسماء والكواكب وتكلّم في هذا المجال وامتداده حتى ملّ القاضي ونفد صبره، فصرخ بالمحامي: يا أستاذ وصّلنا اليوم إلى سنة الطوفان!.
بمقابل ذلك وجدنا مكاتب المحاماة في الشرق عامة لا تبحث الفلك والكواكب لقصور فهمهم في هذا الميدان. لكنها تعمل جاهدة لخلق فرص علاقات عامة وتصافي بينهم وحفلة عشاء، وأخرى استقبال لتركيب الحل على واقع الحال. حتى ينقلب الحق إلى باطل.
ولدينا في أكثر مدننا مكاتب محاماة يحاول أصحابها الوصول إلى المثالية العلمية والعملية، لكن وصولنا المتأخر إلى هذا النوع من المهن قد لا يرينا النتائج المرجوة في القريب.
- Details
- Details
- قضايا وأراء
ضجيج الدراما في رمضان تعدى حدود المنطق، أعمال تلفزيونية بالجملة تزخر بها المحطات الفضائية تتعدى تكاليف الإنتاج للعمل الواحد عشرة ملايين دولار وأكثر، وأجور فنانين أصبحت بأرقام فلكية خارج حدود المنطق، والنتيجة تكرار في النصوص واستخفاف بالعقول وقلة في الإبهار.. إلا البعض القليل من الاعمال التي اختلفت عن السائد وتميزت واستحقت التقدير.
في معادلة الدراما الرمضانية المعلن هو سيد الموقف، وهو المحرك الرئيسي لهذا الكم من الإنتاج وتحمل تلك التكاليف الباهضة في الإنتاج والأجور، فحين يقبل المعلن على ضخ كم كبير من الإعلانات في مسلسل معين فهو يسعى لتتبع خطى المشاهد وما يشاهد من أعمال في رمضان، ولأجل عيون المشاهد الذي يتبعه المعلن تسعى شركات الإنتاج إلى خلطات عديدة يجب أن يتضمنها العمل الدرامي لتحقيق هذا الاستقطاب المستهدف، ونجد أن نص العمل الدرامي تم حشوه بمشاهد أو عبارات أو لقطات فقط لتحقيق نسبة المشاهدة العالية، وللأسف الشديد أن البعض منها لا يراعي حرمة الشهر الفضيل وقدسية الايام المباركة التي نعيشها، فنجد الكثير من الإسفاف والابتذال في بعض الأعمال الدرامية.. تحقيقا للمقولة الشهيرة (الجمهور عاوز كده!).
والملاحظ في هذا العام أن الشركات المعلنة الكبيرة، تريثت كثيرا قبل أن تبدأ بحشو حملاتها الإعلانية عبر المسلسلات، لأنها ستتبع خطى المشاهد وأي الأعمال الدرامية حقق نسبة مشاهدة عالية قبل أن ترمي بثقلها في هذا السباق المحموم، وسنلاحظ في الأيام المقبلة ازدياد حصص الإعلان على بعض المسلسلات التي حققت صدى واسعا، ومتابعة جماهيرية كثيرة، وسيتم إغراقها بالإعلانات، وسيكون الحل للجمهور، الهروب من إزعاج الإعلان إلى متابعة أعمالهم المفضلة عبر اليوتيوب والتي ستكون خالية من أي إعلان.. وهي حيلة بدأت تنتشر كثيرا، وأتوقع في الأعوام المقبلة سيتجه المعلن أكثر إلى المواقع الإلكترونية واليوتيوب وغيرهما.
بالنسبة لي، فقد حقق برناج #سيلفي جماهيرية كبيرة، وواضح أن القصبي ورفاقه يجهزون مفاجآت ساخنة عديدة هذا العام، وسيكون #سيلفي هو الأكثر مشاهدة بين بقية الأعمال الرمضانية.. لكنني أيضا أستمتع في رمضان بمتابعة عمل ذي فكرة جديدة ومختلفة وأنصح به بشدة هو مسلسل #ونوس، للرائع يحيى الفخراني، الذي خرج عن النمطية في الأعمال الدرامية الرمضانية إلى طرح قضية مهمة جدا نعاني منها جميعا، وبعيدة عن الاستهلاك السخيف في تكرار القصص والحكايات التي تعرض كل عام.. ودمتم سالمين.
335
- Details
- Details
- قضايا وأراء
- Details
- Details
- قضايا وأراء
محمد أبا الخيل
منذ أن أفضت حروب الردة إلى عودة المرتدين لحياض دولة الإسلام، لم يتقابل جيشان من المسلمين في حرب جهادية رغم اتساع رقعة الخلافات المذهبية بين كثير من فرق المسلمين، حتى أيامنا هذه التي نعاصر كثيرا من المسلمين يقتتلون فيما بينهم في حروب كل منهم يسميها جهاد في سبيل الله، تقابل المسلمون في كثير من المواقع الحربية وقتل بعضهم بعضا ولكن كانت كل تلك الحروب لتحقيق قناعات سياسية أو حروب على السلطة والمال، وكل من المتحاربين كان يعلم أن في الطرف الآخر مسلمين لهم حق المسلم على المسلم، لذا كان المنتصرون يدفنون القتلى من المهزومين كما لو كانوا قتلاهم. ولكننا اليوم نعاصر فئة جديدة من المسلمين، فئة نسميها المتطرفين وهم في كل جانب من الخلاف المذهبي والطائفي، هؤلاء المتطرفون باتوا يحتكرون الإسلام لهم تفسيراً وممارسة، ويرون كل من يختلف معهم إما ضال أو كافر، لذا باتوا يسمِون صرعاتهم وقتلهم واعتدائهم على الآخرين من المسلمين بالجهاد الذي يستحقون فيئة أو شهادته.
هُزِمت أميركا في حربها في فيتنام مطلع السبعينات الميلادية من جماعات (الفيتكونج) المقاتلة بالدعم السوفيتي والصيني، ثم ردت أمريكا الصاع صاعين للاتحاد السوفيتي عندما دعمت المجاهدين الأفغان في دحر الجيوش السوفيتية بالعتاد والسلاح والذخائر وشجعت ويسرت تجنيد الآلاف من المجاهدين العرب والذين دبت فيهم روح (الصحوة) حين ذاك، هُزِمت أمريكا في فيتنام وتحول (الفيتكونج) لدولة وحكومة كرست جهودها في بناء المجتمع الفيتنامي ليصبح مجتمعا منتجا، فقد كانت حرب الفيتناميين حرب تحرير سياسي وطموح لبناء مجتمع نامي، أما في أفغانستان فقد تحررت البلاد من الاحتلال السوفيتي وانشغل المجاهدون بقتال بعضهم، وتعصب المجاهدون العرب كل مع فريق، وكانت خياراتهم في ذلك خيارات مذهبية ودينية، لأن حرب أفغانستان تحولت من حرب تحرير سياسي وطموح تنموي لحرب دينية، لذا لم يكتف المجاهدون بالساحة الأفغانية لحسم خلافاتهم، بل انتشروا في بلاد كانت آمنة، في الجزائر وفي الفلبين وفي الصومال وفي الشيشان وأشعلوا نار الجهاد في وجه كل من يختلف معهم، ثم ظهرت منظمة القاعدة وتلاها داعش والحشد الشعبي وأمثالها وما نتج منها من غزوات جهادية مزعومة راح ضحيتها الآلاف من الأبرياء.
وانطلقت شرارات الربيع العربي، وكانت في بداياتها مظاهرات واحتجاجات ما لبث مدعو الجهادية أن حولوها لحروب دينية بين فئة وأخرى وأصبح العالم العربي مشتعل بحروب دينية فئوية من غربه إلى شرقه في ليبيا ومصر والصومال واليمن وسوريا والعراق ولبنان، كل هذه البلدان أضحت في شقاق ونزاع ليس على مستقبلها أو توجهاتها السياسية أو تنميتها الاقتصادية، بل على من يحكمها وبأي تفسير للشريعة والإسلام، فقد استولت العقلية الجهادية على الجميع وبات كل طرف يبرر لنفسه استباحة المخالفين من مواطنيه قتلاً وتعذيباً وتشريداً وأحياناً سبياً وحرق. فأصبح المسلمون عموماً والعرب خصوصاً مختطفين بالفكر الجهادي، الفكر التبريري للقضاء على الآخر وسحق تكوينه الفكري وهزيمة كرامته بحيث يصبح مواطناً من الدرجة الثانية.
التاريخ علمنا أن الحروب السياسية وأطماع السلطة سرعان ما ينتهي تأثيرها الاجتماعي بسيادة فريق على الآخر واستقرار الأمن الاجتماعي ولكن الحرب الدينية يطول أمدها وتلتهم مقدرات الأمة وتحرق ثروتها وتهدم حضارتها وتبيد كيانها فتصبح أمة ضعيفة، فهل هذا هو مصير العرب في آخر الزمان أمة تحترب فيما بينها لخلافات فقهية أو تفسيرات لنصوص دينية أو تلبية لدعوات مهوسسة بقهر وإلغاء الآخر المختلف, أن هذا الأمر يحتاج لتمعن وإدراك من الشعوب قبل القيادات، عندها فقط يكون هناك ضوء بسيط في آخر النفق المظلم.
- Details
- Details
- قضايا وأراء
د. جاسر الحربش
يقسم العالم الساسة الإيرانيين إلى محافظين وإصلاحيين، ويتجاهل حقيقة أن ما يجمعهم هو أنهم كلهم يؤمنون بالمشروع نفسه. العرب كان لهم مشروعهم ونفذوه وانتهى بنهاية الدولة العباسية، وقد بدأ المشروع إسلامياً واستمر كذلك حوالي ستين سنة فقط ثم تحول إلى مشروع الدولة العربية. عندما نضيف الحكم العربي في جنوب أوروبا (إسبانيا وإيطاليا) يحصل العرب على مشروع حكم يزيد على ألف عام. الأتراك كان لهم كذلك مشروعهم، الدولة العثمانية، واستمر أيضاً حوالي خمسمائة عام ثم انتهى لنفس أسباب نهاية المشروع العربي.
الآن جاء دور المشروع الإيراني. المشروع الإيراني الجديد يختلف عن سابقيه جذرياً في اختياره لمذهب واحد من الإسلام لخدمة مشروع الدولة الإيرانية. اختيار المذهب الاثني عشري المعتمد لولاية الفقيه هو اختيار ذكي يهدف إلى تفكيك الجوار الإسلامي إلى مشاريع صراع بين مكوناته التاريخية، ويكتفي المشروع القومي الإيراني مؤقتاً بدور الممول والمخطط قدر الإمكان، وبالتدخل العسكري فقط عند الحاجة ولكن مع إنكار حدوثه.
كثيراً ما أسمع بعد اختتام الاجتماعات السياسية العربية، الخليجية منها على وجه الخصوص، عبارات التلطف والتذكير بواجبات حسن الجوار ومد أيدي التعاون لبناء المستقبل المشترك، نحو الحكومة الإيرانية. لا أذكر أنني سمعت مثل هذا الكلام اللطيف من أي مسؤول حكومي إيراني. الكلام الموجه نحو الجوار العربي من حكومة إيران يكون دائماً مشروطاً بتقديم تنازلات، إما جغرافية أو مذهبية أو سيادية مذهبية، والغالب احتواؤه على كل ذلك. كلام السياسي الإيراني الموجه نحو العرب صارم وقطعي دائماً، يحمل نبرة التهديد المصحوبة باستعراض الإمكانيات العسكرية الهجومية، وليس الدفاعية. إيران مطمئنة وجازمة بأنها لن تتعرض لهجوم على أراضيها الإيرانية من دول الجوار لأنها موجودة فعلاً في دول الجوار وتستخدمها لأغراضها الإستراتيجية.
على مستوى الجبهات العالمية المؤثرة، أمريكا وأوروبا وروسيا والصين والهند، واضح أن إيران تلقى قبولاً متزايداً، بافتراضها كدولة انتخابات ومشاركة نسائية في الحياة العامة والسياسية، وبعرضها المستمر للتعاون الاقتصادي والعلمي مع الجميع. العالم يقارن ثم يستنتج أن كلا الطرفين الإيراني والعربي يقول ما لا يفعل، ولكن إيران تقدم عرضاً أكثر جاذبية في إمكانية الانفتاح الحضاري. هذا ما يفترضه العالم، ليس حباً في علي أو معاوية وإنما للتمصلح الأسهل والأوسع من الاثنين، والذكي يكسب في النهاية.
هل لهذا الكلام الكثير من استنتاج؟ نعم، وهو أن الدولة الإيرانية الحالية لها مشروع غير معلن لإمبراطورية فارسية تحكم المنطقة من داخل أراضي الجوار الذي تخطط لحكمه بالكامل. هل ترفض القوى العالمية الكبرى هذا المشروع عندما تطمئن إلى استمرار مصالحها بضمانات إيرانية؟، الجواب لا لن ترفض. الحملات الإعلانية المكثفة على الإرهاب العالمي بمسميات سنية عربية تحديداً تشير إلى استعداد العالم لقبول وتشجيع المشروع الإيراني. الإرهاب الطائفي الإيراني والإرهاب العنصري الإسرائيلي يقعان دائماً خارج التغطية الإعلامية.
هنا يصبح الأهم التحوط وإلغاء كل احتمالات الالتقاء والتسوية مع إيران. إيران لديها مشروع توسعي ضخم تحاول بكفاءة مذهلة كسب العالم لتحقيقه. العرب أصبحوا فعلياً في وضع الدفاع عن النفس، ولكنهم لا يقومون بذلك ولا حتى بمستوى أضعف الإيمان. العرب يحتاجون إلى مشروع عربي مضاد يعيد إيران أولاً إلى داخل حدودها الجغرافية.
- Details
- Details
- قضايا وأراء
- Details
- قضايا وأراء
عند إبعاد المجهر للخلف كي تظهر الصورة الأوسع للمشهد
- Details
- Details
- قضايا وأراء
إعلان نظام الجمهورية الاسلامية الايرانية عن منع الايرانيين من
- Details
- Details
- قضايا وأراء
د.فوزية أبو خالد
كم يشبه شهر رمضان العمر، يبدأ مزدحمًا بالوعود والمواعيد والشجن والبشر، ولا نلبث في رفة هدب أن نجد كأننا كنا نقبض على أثير، أو نمسك شمسًا في مرآة، أو كأن كتابًا يسابق الأجل.
كأن أيام شهر رمضان على وجه التحديد هواء طائر، أو أغصان بها مس، أو عاصفة من عبير يركض في الدم منسكبًا عبر أشرطة الذاكرة أو مكرهًا؛ فيصعب الإمساك بساعة واحدة منها دون الاستعانة ببنات الخيال.
بين رؤية الهلال والهلال من لحظة نشوة حلول شهر رمضان إلى لحظة شهقة الوداع ما لا يمكن أن يكون ثلاثين يومًا، ما لا يمكن أن يكون في كل منها أربعة وعشرين ساعة، وما لا يمكن أن تكون ساعته ستين دقيقة، ودقيقته ستين ثانية.. لا يمكن أن تقاس دقات القلوب في الشهر الفضيل بالدقيقة، ولا يمكن أن يقاس النهار بالخيط الأبيض، أو يقاس الليل بالخيط الأسود؛ فليس من وقت يقاس بين لحظة الغروب ولحظة الشروق، وليس من وقت بين لحظة الإفطار ولحظة الإمساك، ليس هناك إلا سرمد لا يمس بمعيار الزمن المعتاد، ولا يعاش بنفس الوتيرة الرتيبة لترتيب الوقت (الفجر، الضحى، الظهر، العصر، الغروب، العشاء، الهزيع الأول، الهزيع الوسط والأخير من الليل السحر).. ففجة الفجر قد تستمر لساعات، ورابعة الضحى قد تذهب إلى القيلولة باكرًا، والعصر قد يبقى بعد العمر بسنوات، والشفق قد لا يكون لونًا للغروب، بل نهر كهرمان يمتد عبر عقود عديدة.
أما الغسق فليس خطوة أولى نحو الدجى أو تمهيدًا ليبسط السجى سلطانه على الليل إلى مطلع الفجر أو نهاية السحر. ليس في رمضان متسع لهذا التدرج المعتاد في تحولات الوقت. وفي هذا الخروج على منطق التسلسل الزمني يتحرر الغسق من حمولة التوجس منه، ويصير تلك اللحظة المنفلتة للتو من سطوة رحيل الشمس كموجة نجت من نحبها المحتوم على ساحل بحر هائج.
وفي كل الحالات يتحول الأذان لخمس مرات في اليوم إلى موجدة لتجديد مجرى الماء في العروق ومجرى الوقت في العمر ومجرى الطمأنينة في الجهاز العصبي ومجرى مطلق الزمن على لوح الأزل.
وبالمثل، تتحول أوقات التراويح والقيام إلى أجنحة قادرة على حمل أصوات المصلين سنوات ضوئية في رحلة معراج الأنفاس والابتهالات والدعاء إلى المستوي على العرش فوق سبع سماوات.
وإذا كنت ولو بشيء من التبسيط أستطيع أن أعثر معرفيًّا على نوع من «التفاسير» لأثيرية الوقت في شهر رمضان من خلال نسبية آينشتين في حركية الزمن كبُعد تكويني رابع من ناحية، ومن خلال راحة اليقين في ثبات المعتقد من الناحية الأخرى، فإنني أبقى قلبيًّا فاغرة الحواس كتلميذ لا يكبر على الأسئلة في حضرة «لحظية الوقت». والمثل الأوضح بل الأفدح في حالتي الميئوس منها في العلاقة بالوقت أنني لا أستطيع أن أفهم وجدانيًّا مدى انخطاف الوقت المتمثل في «لحظية العمر»، وإن عمَّر الإنسان أو عاش لما بعد العمر. فانخطاف أعوام العمر وإن بلغنا من العمر عتيًّا وكأن عمر أكبر معمر في الكون لا يزيد على عمر عود ثقاب، أو حياة فراشة، سيبقى في ظني لغزًا من الألغاز الربانية إلى أن يرث الله الأرض ومَنْ عليها. كما أن سؤال «لحظية العمر» - وإن طال - يبقى سؤال معمر، ولكنه لا يكبر، وهو من الأسئلة الوجودية القديمة التي لم تحلها نقوش الكهوف ولا الحروف السومرية ولا حنوط الفراعنة ولا قصائد الخيام وأبي نواس، ولا مسرحيات شكسبير، ولا انتظار صمويل بيكيت العدمي لجودو ولا كيمياء مدام كوري ولا حجر ضحك الكيميائي ولا إنا كرنينا ولا آلام فارتر ولا مقولات نيتشه ولا صوفيات جلال الدين الرومي ورابعة العدوية ولا معلقات امرئ القيس وطرفة بن العبد ولا تفجعات الخنساء ولا بردة علي بن أبي طالب ولا تشبيه سيدنا نوح عليه السلام للعمر بالمرور بسم الخياط وهو من عمَّر ألف سنة. وذلك هو نفس السؤال الملحّ حول «لحظية الحياة» الذي عبثًا حاولت مشاكسته تشكيليًّا لوحة الساعات لسلفادور دالي ولوحة الحرب لبيكاسو، وشعريًّا جدارية الوقت لمحمود درويش، والقصيدة اليتيمة لمالك بن الريب، وموسيقيًّا لحن الخلود لفريد الأطرش ولحن النهر الخالد لمحمد عبدالوهاب، وروائيًّا رواية ما بعد الغروب لمحمد عبدالحليم عبدالله ورواية بداية ونهاية لنجيب محفوظ ورواية المغزول لعبدالعزيز المشري، ومعماريًّا قصر الحمرا بغرناطة وتاج محل بالهند والأهرامات بمصر ومدائن صالح والبترا وتدمر.
وحين لجأت في هذا المقال إلى جوجل للبحث عن المعنى «اللحظي الانخطافي للعمر» فوجئت بما عثرت عليه من كم الأسئلة مقارنة بالنزر القليل جدًّا من كيف الإجابات. فقد وجدت ما لا يحصى مما يشبه المراثي على لحظية العمر، وما يشبه الهجاء في مراوغة الوقت، وما يشبه النسيب في التغزل بمفاتن مرحلة الشباب، وما يشبه النقمة في الحديث عن الشيخوخة، وما هو الهلع بعينه في الكتابة عن النهاية، وما يشبه ندبات الندم الدائمة في تناول تبدد العمر، وما يشبه ثقل الجبال في الكلام الوعظي عن اغتنام الوقت وعن قيمة السنوات وعن الزمن كمشروع استثماري ربحي وإن كان قصير الأجل أنى طال، إلا أنني لم أجد في أي منها وقفة تأملية كافية ولا كلمة واحدة شافية عن المعادلة المريعة التي تجعل من خمسين عامًا أو مئة عام عشناها أو قد نعيشها مجرد لحظة خاطفة، وكأننا كنا نقرأ سورة الكوثر أو سيرة أهل الكهف.
وكأن قصيدة الشاعر خالد الفيصل النبطية بإيقاعها البطيء العميق تعبير عن ذلك الانخطاف بإيقاعه السريع الطائش
مرت الستين والشايب طفل
توي أدرس في كتاتيب الحياه
مرت الستين ما زال الجهل
كل ما جيت أستره يكشف غطاه
مرت الستين فكري ماشتعل
كل ماشعل جذوته وقتي طفاه
مرت الستين دربي ماكمل
واقف في راسه اتأمل مداه
وسيبقى سؤال «لحظية الوقت» - على ما يبدو - جرسًا معلقًا لأجيال وأجيال على جدار الوقت. فالسؤال منذ كنت طفلة يتجدد سنويًّا عن السر الذي يجعل من ثلاثين يومًا في شهر رمضان تمر مرور البرق في السحاب. فما إن نلمح البريق إلا ويفرد البراق أجنحته ويطير لولا ما يعلق بأرواحنا من حلاوة الصيام. فما أشبه العمر بهذا الشهر الفضيل؛ فكل منهما يأتي ويذهب على عجل، وليس لنا إلا أن نقبل تحدي الامتحان قبل أن تنسحب الورقة من أيدينا على حين غرة.
تغريدة
وضع مساء أمس أ. زاهر عثمان على تويتر صورة تضم فقيد الوطن د. سليمان السليم وقبله فقيد الوطن د. أسامة عبدالرحمن - رحمهما الله -.
فكتبت كلمة تحت الصورة قلت فيها:
«صورة مؤثرة تعلن على الملأ أن الجيل الذي سبقنا بالدرجات العلمية العليا مما كان جديدًا على المجتمع السعودي بشهادات الدكتوراه وبطروحات التجديد الجريئة ها هو ذا مثل ما فعل عبدالعزيز الخويطر وأحمد الرشيد وغازي القصيبي يسبقنا قليلاً اليوم أيضًا. ولا بد أن تتابع هذا الرحيل يدعو الجيل التالي لهم للعمل في اللحظات الأخيرة على ترك بصمة أو ريشة قبل أن نلحق بهم. أكرم الله مثواهم في مستقر رحمته».
- Details