قضايا وأراء
- التفاصيل
- قضايا وأراء
الأمن والتنمية والرخاء من جملة المبادئ التي تؤمن المملكة بأنها ركيزة أساسية وجزء أصيل في إدارة البلاد، لذا كان الهاجس التنموي حاضراً في كل عهد من عهد الحكم السعودي، فالاستمرار في الإنفاق ودعم وتأسيس حياة هانئة وهادئة وآمنة لكل شخص يطأ أرض المملكة رهان واستحقاق لا يقبل إلا التحقيق، واختلفت الطريقة في أداء ذلك وبقي المبدأ.
واليوم تراهن المملكة التي تعيش في منطقة تشهد مخاضاً تاريخياً أن تكون جزءاً ممن يصنعون المستقبل في هذه المنطقة من خلال إرساء وترسيخ سياسات واقتصاديات متينة لبلادنا يمكن من خلالها استمرار دفق التأثير الذي هو في واقع الأمر حاجة محلية وإقليمية ودولية.. لذا شرعت المملكة في ممارسة ما تتطلبه المرحلة على المستوى السياسي بتفعيل دبلوماسية نشطة على عدة محاور، واتخذت حلولاً بعضها عسكري لمواجهة الطامعين والطامحين في زعزعة أمن المنطقة من بوابة المملكة الحصينة من الإرهابيين ومن يقف وراءهم.. ومن جملة ما دفعت به القيادة من السياسات تلك المتعلقة بالاقتصاد، إذ تعاملت المملكة بواقع تعيشه وتواجهه بأنها دولة تعتمد على مصدر واحد لتمويل ميزانيتها، فاستلت أنظمة وقوانين أعلنت عنها لإرساء نظام اقتصادي من خلال إصلاحات جذرية على المنظومة المالية والتجارية لاقتصاد المملكة المدخل الرئيسي للتنمية التي قلنا في مطلع هذا المقال بأنها مبدأ من مبادئ الدولة السعودية.
وأمام كل الجهود التي تحاول الدولة إحاطة المواطن بها من خلال مكاشفات تجلّت بلقاءات تعقدها القيادة مع العلماء والمسؤولين والوزراء والمواطنين بشكل دوري، وكذلك التعامل مع القضايا الاقتصادية وعلى رأسها الميزانية السنوية التي جاء إعلانها والتعاطي معها هذا العام بشكل مختلف من خلال عرض ينبئ عن رغبة في مأسسة الشفافية والوضوح بإطلاع المواطن على الوضع المالي والاقتصادي لبلاده، إضافة إلى ذلك التفاعل الأمني والسياسي عالي المستوى المواكب لتفاعلات الأحداث الداخلية أو الإقليمية.
إن الجهود التي تقوم بها الدولة على كل المستويات والصعد إنما تقوم بها لأجل المواطن؛ فهو المقصود وهو الهدف النهائي لأي جهد مبذول، وهذا يجعله في موقع يتوجب من خلاله أن يبادر إلى التفاعل مع تلك القرارات بإيجابية وواقعية وثقة بأن المقصود من كل تلك الخطط هو استمرار رخائه وعدم تأثره بالحاصل على المستوى الإقليمي والدولي..
إننا معنيون أيضاً بأن نقود تحولاً يتماهي وينسجم مع خطط الدولة التي من دوننا لن تؤتي ثمارها وأكلها، فبدون عملنا سوياً يداً بيد سنجد تلك الرؤى عصيّة على الترجمة والعمل على أرض الواقع.. إن القناعة الداخلية لدينا بأننا أمام مرحلة وفرصة تاريخية يجب فيها أن نبرهن على رسوخ أقدامنا أمام كل المتغيرات الحاصلة في محيطنا، بل والخروج منها منتصرين لا خاسرين، بدءاً من تطوير أنفسنا على مستوى الفكر، والعمل في محيطنا الاجتماعي الضيق والواسع على حد سواء أمرٌ ضروري عبر إحاطة الأسرة ومنها إلى المجتمع بأن من الواجب علينا أن ننقل بلادنا إلى مصاف الدول المتقدمة خلال فترة وجيزة؛ كما فعلت الأمم من قبلنا والتي لا تختلف عنا بشيء، إلا أنها أرادت أن تقدم لنفسها وبلادها.. فكان لها ما أرادت.
- التفاصيل
- التفاصيل
- قضايا وأراء
يوسف المحيميد
رحلت زها حديد، مهندسة معمارية في عباءة فنانة معاصرة، الحائزة على جائزة بريتزكر (2004) أكبر جائزة في مجال التصميم المعماري، وتعادل جائزة نوبل في القيمة والشهرة، هذه المصممة الفنانة كانت أول امرأة، وأصغر مهندسة نالت الجائزة منذ بدايتها قبل ربع قرن!
هذه المبدعة تتعامل مع تصميماتها المعمارية كقطع فنية نادرة، اتهمها مهندسون معماريون تقليديون بأنها مهندسة ورق، معمارها على القرطاس فقط، لكن تنفيذ تصميماتها في مختلف أنحاء العالم جعلها تبطل أكاذيبهم، فمن يرى مبنى متميزًا ما في مدينة ما، يدرك أن بصمة الفنانة العراقية خلفها، من دار الأوبرا في قوانجو بالصين، وحتى متحف «غوغنهايم والأرميتاج» في ليتوانيا عاصمة الثقافة الأوروبية 2009، والاستاد الوطني الجديد باليابان، ومركز الفنون الحديثة بروما، وغيرها كثير من التحف المعمارية المذهلة!
كم نحن محظوظون بوجود تحفتين معماريتين للمهندسة الراحلة زها حديد، بمدينة الرياض، الأول هو مركز الملك عبدالله للدراسات والبحوث البترولية على طريق المطار، والثاني هو محطة مركز الملك عبدالله في مترو الرياض، فمثل هذه التصميمات النادرة هي قطع فنية جميلة، سواء كنت بداخلها، أو خارجها!
الجانب المهم من حياة زها حديد، المولودة في بغداد (1950)، أنها هاجرت إلى بريطانيا عام (1977)، أي قبل ثلاث سنوات فقط من حرب طاحنة مع إيران امتدت ثماني سنوات، مات خلالها من مات، وجاع من جاع، وتشرد من تشرد، كان يمكن أن تصبح زها حديد مدرسة في مدرسة ابتدائية آنذاك، ولو نجت من حرب العراق إيران، فقد لا تنجو من حرب تحرير الكويت (1991)، ولو نجت منها، فقد لا تنجو من الغزو الأمريكي (2003) ولو نجت من ذلك، فقد تصبح سبية بين أيدي داعش، إن لم تُقتل، أو تُرجم!
وقد يكون السؤال الأكثر أهمية، كم يوجد في العراق العظيم من موهبة مذهلة لم تنفذ بجلدها من بلد مجنون وعبثي، لا يخرج من حرب إلا يدخل في غيرها، ولا يتخلص من دكتاتور حتى يقع في براثن عصابات قتل وتشريد؟ كم من زها حديد ترددت في الهجرة من العراق، ومن غيرها في العالم العربي الكبير؟
ها هي السيدة أودري أزولاي، من أصل مغربي، تستلم حقيبة وزارة الثقافة والاتصال الفرنسية، وهي ثالث فرنسية من أصل مغربي، تتقلد حقيبة وزارية في الحكومة الفرنسية، بعد نجاة فالو، ومريم الخمري، وهؤلاء السيدات لو بقين في المغرب، فلن يحظين بأكثر من فرصة مربية أو معلمة رياض أطفال في أحسن الحالات!
ما الذي يجعل العالم العربي لا يثق بالمرأة، ولا يمنحها الفرصة الكاملة كي تُنجز، وتُبدع بحرية، دون ملاحقة وتعقب وشكوك، إنني أدرك أن ثمة نساء عربيّات متميزات، وملهمات، ولديهن القدرة على مفاجأتنا بقدراتهن الاستثنائية، فقط دعوهن يحلقن بأفكارهن بجناحين من حلم، أليست تصاميم زها حديد كانت عبارة عن أحلام، اعتقد المهندسون أنها غير قابلة للتنفيذ، لكنها أصبحت وجه العالم الجديد.
- التفاصيل
- التفاصيل
- قضايا وأراء
سعد الدوسري
أنا لا أحب أن أوجَد في اللقاءات الإعلامية مع الوزراء؛ لأنني أؤمن بأن هذه اللقاءات هي شكل من أشكال العلاقات العامة، التي لن تجدي في تغيير الواقع السلبي للمؤسسات، بل ستزيده سوءاً.
معظم المسؤولين الذين وقعوا في مشاكل مع الإعلام لم يكونوا محظوظين بمديري علاقات عامة جيدين!! لقد كانوا يورطونهم بلقاءات تنعكس سلبًا عليهم، ثم لا يدفع الثمن سوى المسؤول الكبير، أما مدير العلاقات العامة فيبقى في انتظار ضحية جديدة!
لقد جاء لقاء وزير المياه والكهرباء مع الكتّاب ليثبت حقيقتين مهمتين:
أن الوزارة وصلت في موضوع المياه إلى طريق مسدود جدًّا، أكثر انسدادًا من موضوع السكن.
أن إدارات العلاقات العامة والإعلام في مؤسساتنا صارت عبئًا كبيرًا على الأجهزة.
لماذا لا نقولها بصراحة: لقد تورطت وزارة المياه بآليات التعرفة الجديدة وتطبيقاتها، آليات لا معنى لها، ولا دراسة لها، ولا مبرر لها، بل لقد تورطت الوزارة في سبيل شركة، لا ينفع معها سوى إعادة النظر فيها من الجذور.
هل الحديث عن مشهد الفواتير التعيس الراهن هو ما سوف ينسينا مشاكل المياه في السعودية؟!
لا..
هناك أساس كبير يجب ألا نغفله:
شركة المياه بالأداء المتواضع الذي تدار به لا تليق بالعصر الحديث..
ولا علاقاتها العامة قادرة على إقناع المواطنين، طالما أن العدادات لا تقرأ بشكل صحيح، فضلاً عن تدني مستوى العمل المهني فيها.
- التفاصيل
- التفاصيل
- قضايا وأراء
محمد آل الشيخ
هناك حقيقة أجدها اليوم أكثر وضوحاً وإلحاحاً من أي وقت مضى، مؤداها (ضرورة تجديد الخطاب الديني)، بالشكل والمضمون والهدف، الذي يواكب ما استجد من المتغيرات على الساحة الدنيوية وما يتماهى مع متغيراتها؛ فالإنسان المسلم اختلط عليه الأمر، فكثير من المسائل التي كانت تعد ثوابت لا خلاف عليها في ما مضى، ها هي تصبح اليوم من الممنوعات دولياً، بحسب ما اتفق عليه العالم المعاصر، مثل الرق المترتب على السبي في الحروب، وجهاد الطلب (الغزو)، مثلاً لا حصراً.
داعش - مثلاً - وممارساتها، لم تهبط علينا من السماء، ولم تأت بجديد، بل هي استقت أغلب شرائعها التي تمارسها من أمهات كتب الفقه، ومن أقوال علماء شرعيين، حول تفسير بعض النصوص وتطبيقاتها على أرض الواقع، ومن تشكك في الأمر، فليرجع إلى أمهات كتب الفقه، ليجد ما أقول واضحاً جلياً. وإذا كانت القاعدة الفقهية، وكذلك المنطقية، تقول: (الحكم على الشيء جزء من تصوره)، فكيف لنا والحال هذه أن نرجع ونتبع أقوال واجتهادات ومقاربات فقهاء لم يُعايشوا واقعنا ليتصوروه قبل الحكم عليه؟ ... من الطبيعي أن يحكم الحاضر على الماضي، لكن لن يستقيم لا عقلاً ولا شرعاً أن يحكم الماضي على الحاضر. وهنا أس مشكلتنا المعرفية والخلل المنطقي الذي يتحكم في استنتاجاتنا واستدلالاتنا.
وفي تقديري أن هذه النقطة الجوهرية هي مشكلتنا التي أنتجت أولاً (القاعدة) ومن ثم (داعش).
(داعش) و(القاعدة) قبلها -يا سادة- هما أفضل مثالين يُجسدان ما أقول، ولا يمكن تفريغ حركتيهما بالقول إنها (لا تمثل الإسلام)، في حين أن أغلب ممارساتها جاءت من كتب التراث الماضية، التي كانت آنذاك تعالج أموراً حسب متطلبات وشروط وأعراف عصرهم، الذي يختلف عن عصرنا؛ لذلك فلا بد من استنباط أحكام فقهية توائم عصرنا، وليس عصوراً ماضية. وهذا ما جعلني أدعو، وما أزال أدعو، إلى ضرورة تجديد الخطاب الديني، وتطويره، وجعله معياراً عملياً وموضوعياً للتعامل مع خطاب عصرنا.
وفي تقديري أن أول ما يجب أن نبدأ به لتنفيذ هذه المهمة الشائكة، والصعبة، تقسيم الخطاب الإسلامي برمته، إلى (ثوابت) لا تمس، وتبقى كذلك في كل زمان ومكان، و(متغيرات) تدور مع مصلحة الإنسان المسلم ومن يتعايش معه من غير المسلمين، حيث دارت واتجهت. فإذا توصلنا إلى هذه الغاية، وميزنا بين الثابت والمتغير، نكون قد وضعنا أقدامنا على أول الطريق.
ومن يقرأ تاريخ الإسلام سيجد أن كثيراً من القضايا الفقهية وأحكامها في كتب الفقه، جاءت لعلاج بعض النوازل التي لم يكن لها وجود في زمن الرسول. وهذا لا ينحصر على مجال بعينه، وإنما يشمل كل المجالات الدنيوية، والشرط هنا هو (العدل)، وكما يقول ابن القيم: (حيثما كان العدل فثم شرع الله)، مثلاً: عمر بن الخطاب كان لا يكترث في شؤون التعاملات الدنيوية بقاعدة (لا اجتهاد مع وجود النص)، فقد اجتهد في مناح عدة، كان فيها نصوص ثابتة قطعية لكنه اكتشف أنها لا تتماهى مع العدالة في زمن عمر الذي اختلف عن زمن الرسول عليه الصلاة والسلام؛ ولعل أهم هذه الممارسات العمرية كانت إلغاء حق المؤلفة قلوبهم في الزكاة مع أنه جاء ضمن نص قرآني. كذلك الأمر في كثير من القضايا التي وصفها الفقهاء القدامى في مصنفاتهم (مسائل السياسة الشرعية). إضافة إلا أن الفقهاء تساهلوا في المسائل التي سموها حصراً (ما عم به البلاء)، وأشهرها على الإطلاق وجود قبره صلى الله عليه وسلم داخل مسجده في المدينة، بعد أن اضطر المسلمون لأسباب موضوعية لتوسعة مسجده في المدينة، مع إجماعهم تقريباً على أن وجود القبور في المساجد لا يجوز.
كل ما أقوله هنا أن نبتكر خطاباً دينياً معاصراً وموضوعياً يلائم المستجدات والنوازل الدنيوية، وإلا فلينتظر العالم كله، المسلم وغير المسلم، داعش، وربما (تكفيريين) جُدد، يحكمون بتكفير كل من يقترف حتى صغائر الذنوب، والدعوة إلى قتلهم.
إلى اللقاء
- التفاصيل
- التفاصيل
- قضايا وأراء
خالد بن حمد المالك
مستقبل العرب تحكمه مجموعة اعتبارات، أهمها أنه مرهون بالعلاقة السعودية - المصرية، وأصدق هذه الاعتبارات أن قوته يستمدها من التوافق والتفاهم بين القاهرة والرياض. وما من مشكلة تحل بالأمة إلا وكان حلها ومرجعيتها بالتدخل العاقل والحكيم من هاتين الدولتين. وأي تفكير بغير ذلك وبأن الحلول إنما تأتي من الدول الكبرى ومن دون أن يكون لمصر والمملكة دور فيها هو تفكير ناقص، ومن يتحدث به لا يعرف شيئًا عن القوة والتأثير والدور الذي يلعبه التحالف السعودي المصري في إضفاء القوة على المسار العربي في مجمل الأحداث.
* * *
الملك سلمان يزور القاهرة بعد غد الخميس زيارة رسمية. هذه الزيارة لا ينظر لها العالم وكأنها زيارة مجاملة لمصر شعبًا وقيادة، ولا يقيمها على أنها زيارة مقابل زيارات سابقة للرئيس المصري، كان قد قام بها للرياض، وإنما هي زيارة تستمد أهميتها من بُعدها التاريخي والاستراتيجي، ومن أهميتها السياسية والاقتصادية، ومن الدور الفاعل لكل من سلمان والسيسي، وتأخذ وضعها أمنيًّا وعسكريًّا ضمن الترتيبات التي تتجدد بشكل دائم لجعل العلاقات الثنائية ومن ثم العلاقات العربية - العربية في وضعها الصحيح، في ظل الغليان والفوضى الأمنية التي تعصف ببعض دول المنطقة، ومن أن الخروج من هذا الوضع المأساوي لا يمكن أن يتحقق بدون التفاهم والتعاون بين الزعيمين الكبيرين سلمان والسيسي.
* * *
وليس هناك من شك بأن اهتمام العالم بالزيارة، وقراءاته المتعددة لما سينتج عنها، والتحليلات والتعليقات الكثيرة التي سبقت بدء سلمان زيارته المرتقبة لمصر، ومتابعة وسائل الإعلام لكل إشارة عنها بالآراء والتوقعات، ووضع كل الاحتمالات لمدى تأثيرها على مجريات الأحداث في المنطقة وفي العالم، إنما يعبر كل ذلك عن أهميتها، وتأكيد نجاحها قبل أن تبدأ؛ فتوقيت الزيارة يُظهر تصميم الدولتين والزعيمين على رفض كل ما يخطط ويرسم لمستقبل المنطقة، طالما أنه لا يصب في مصلحة دولها وشعوبها، وإصرار الملك والرئيس على أن دول المنطقة لن تقبل بأقل من أن تكون آمنة ومستقرة، مع رفض أي تدخل في شؤونها الداخلية، بحسب ما يجمع عليه المحللون، ويؤكده المتابعون، ويقول به من يرى أن المملكة ومصر هما صمام الأمان لاستقرار دول المنطقة.
* * *
وإذا كان الاهتمام بالزيارة الملكية بهذه الصورة على المستويَيْن العربي والدولي، فإن من ينظر إليها من زاوية العلاقات الثنائية بين المملكة ومصر سوف يتأكد له حرص القيادتين على تطورها ونموها، والسعي إلى تحقيق التكامل فيما بين الدولتين، وصولاً إلى إنجاز كل ما يخدم الشعبين الشقيقين، خاصة أن الزيارة تأتي مواكبة للاستقرار الذي تنعم به مصر الآن بعد فترة عصيبة وقلقة مرت بها، إثر الفوضى وتفشي الإرهاب الذي ساد البلاد بعد تولي تنظيم الإخوان المسلمين السلطة، وتلك الفترة الأولى التي رافقت إقصاءهم من الحكم.
* * *
وفي ظل هذه الصورة المضيئة عن العلاقات السعودية - المصرية، وأهمية الزيارة بحسب ما يراه المراقبون والمتابعون، فإن أحداً لا يمكن أن ينظر إلى المباحثات التي سيجريها الملك سلمان مع الرئيس المصري السيسي إلا أنها فاتحة خير لخروج دول المنطقة من هذا النفق المظلم، والتحرك باتجاه إعادة الأمل والعمل معاً بأن تكون دولنا في وضع أفضل، من حيث الاستقرار والأمن، والوصول بالوضع المعيشي والاقتصادي إلى ما يلبي حاجة المواطنين، ويعينهم في بناء مستقبلهم.
* * *
وفي كل الأحوال، وإن كان من السابق لأوانه معرفة ما سيتم الاتفاق عليه في مباحثات الزعيمين، إلا أن التوقعات تشير إلى أن دعم المملكة لمصر اقتصاديًّا وسياسيًّا سيكون ضمن الأولويات في جدول المباحثات، وأن القضية الفلسطينية، والتصدي للإرهاب، ومراجعة ما تم الاتفاق عليه من تحالفات عربية وإسلامية، ستكون حاضرة وبقوة، فضلاً عن استعراض التعاون الثنائي المشترك في كثير من المجالات، ومراجعة واستكمال ما سبق أن تم الاتفاق عليه بين الدولتين من اتفاقيات ثنائية لتعزيز وتجذير العلاقة التاريخية التي تربط الدولتين والشعبين الشقيقين.
- التفاصيل
- التفاصيل
- قضايا وأراء
د.عبد الرحمن الحبيب
سألت نفسي: ما الذي يمكن أن تقدمه كمشورة لوزير تعليم يعد الأكفأ نظرياً وتطبيقياً في المجال التربوي؟ كيف تقدم له نصيحة وأنت في أغلب مقالاتك عن إصلاح التعليم تستند على أفكاره المميزة.. فلا جديد لديك لتقدمه.. الأولى أن تلزم الصمت..
لكن فكرت بأن الذي يراقب المشهد ويراه من خارجه غير الذي يحركه ويعيش في معمعته.. فكرت أيضاً بأنه مهما وضع القيادي الإداري من خطط سليمة فثمة عراقيل قد يتسبب هو بها عن غير قصد.. فلا أخشى على وزير التربية والتعليم من الأخطاء الاعتيادية بل من ذكائه الحاد ومهارته الفائقة.. كيف؟
خلال السنة الفارطة ناقشت العديد من كبار الموظفين في القطاعات التي يرأسها وزير جديد يتميز بالذكاء الحاد والكفاءة العالية.. أكثر ما أدهشني تكرر شكوى مزدوجة بقلة مقابلة المسؤول الجديد لكبار المسؤولين، يقابلها حدة مركزية القرارات وفجائيتها.. إنهم لا يعرفون ما يريد، وهو لا يعرف ما يريدون! عذر الوزير الجديد كثرة انشغالاته وجسامة مسؤوليته؛ لكن لا يكفي أن تكون خطته الجديدة سليمة، ما لم يقتنع بها الذين سيطبقونها، ويناقشهم بها ويستمع لهم. ليس على الوزير الجديد الاقتناع بما يقولونه بل الاستماع لوجهات نظرهم وأخذها بالحسبان، ثم محاولة إقناعهم بقراراته الغريبة عليهم، فهم في المحصلة من سيطبقها.
تؤكد الدراسات الحديثة (موقع بيت كوم) ضرورة أن تكون المرحلة الأولى للمسؤول الجديد مخصصة لتعلّم تفاصيل الوظيفة الجديدة وطرح الأسئلة أكثر من الأجوبة.. الاستماع أكثر من الكلام.. وترك انطباعات إيجابية مع القائمين على العمل، وليس لإحداث تغييرات جذرية مفاجئة قبل معرفة تفاصيل الوضع عن كثب. فهو بحاجة أولاً إلى دعم ومشورة العاملين وكسب ثقتهم واحترامهم قبل كل عمل يقوم به. الغريب أن آخر الدراسات العلمية (برادبري، 2015) تشير إلى أن الشخص الذكي جداً قد يرتكب أخطاء لا يقع فيها الأشخاص العاديون، عندما ينتقل إلى قطاع جديد؛ وأن التفكير العقلاني والذكاء لا يميلان للسير معاً في اتجاه واحد في مجال الإدارة. فكيف تفسر الدراسات هذه المفارقة؟
كثير من الأذكياء اعتادوا منذ صغرهم على التفوق والمديح في المنزل، وفي المناسبات الاجتماعية.. ثم في المدرسة.. وبعد ذلك في بدايات عملهم تجد أنهم يلفتون الأنظار وينالون الثناء من رؤسائهم. هذه النوعية من الأذكياء اعتادوا أن يكونوا أصحاب الريادة في الأفكار وتقديم النصائح للآخرين، واقتنعوا باكتفائهم الذاتي عقلياً وبقدراتهم الذهنية فوق الآخرين. ذلك سيكون له نتائج محتملة من الأخطاء عندما يصبحون قادة إداريين، بعضها أخطاء عادية وبعضها كوارث إدارية.. سألخصها هنا حسب ما أوضحته الدراسات.
أولها، السرعة المفرطة في اتخاذ القرار مما يؤدي لارتكاب أخطاء في حل المشاكل أكثر من أخطاء المسؤول العادي الذي يتأنى في التفكير. كذلك، مركزية قراراته المعتمدة على ذهنه دون مشاركة الآخرين الذين قد لا يفهمون مقاصدها فيسيئون تنفيذها، فيتهمهم بالجهل والتقصير. يترافق مع ذلك صعوبة تقبل النصيحة والنقد من المحيطين به لأنه يراهم أقل ذكاء منه، مما يؤدي إلى ظهور علاقات مسمومة معهم على الصعيدين المهني والشخصي! وأخيراً، تهميش الآخرين.. فالمسؤول الجهبذ وحده هو الذي يفهم ويحل الأزمات، ويتحول كبار المسؤولين إلى مجرد متلقين للأوامر وتنفيذها دون تفكير، وبالتالي لن يكونوا مستعدين أبداً لتحمل المسؤولية ولا لحل المشاكل..
طبعاً ينبغي الحذر من التعميم، ولا أظن أن وزيرنا يمكن أن يقع فيها، لكنها منبهات لتحاشي أمثال تلك الأخطاء والعراقيل التي تواجه أي مؤسسة تريد التغيير. خلال دراساته الميدانية للسلوك أثناء تحول خطة المؤسسة، ابتكر المفكر كورت لوين «نظرية المجال» التي تدرس أنماط التفاعل بين الفرد وبيئته، وتسبر أغوار القوى المؤثرة أثناء التحول.. مميزاً بين قوتين متعارضتين: قوى مساعدة وأخرى معرقلة. وضع لوين نموذجاً للتغيير كمرشد لنجاحه لأية مؤسسة، تتمثل في ثلاث مراحل إجرائية. الأولى كسر الجمود عبر الاقتناع بضرورة التغيير. الثانية البدء بإجراء التغيير الذي سيمر بارتباك خلال تفكيك الأساليب القديمة. الثالثة تثبيت الوضع الجديد. نموذج لوين شهد نجاحاً ملموساً واستعانت به الحكومة الأمريكية، وأصبح مثالاً يحتذى للمؤسسات الأمريكية حتى يومنا هذا.
لو أردنا تطبيق نظرية المجال في إصلاح نظامنا التعليمي، يمكن بداية التمييز بين قوتين متعارضتين: قوى مساعدة وأخرى معرقلة. المساعدة هي أن هناك قناعة عامة بالحاجة لإصلاح نظام التعليم، وأن الوزير الحالي من أكفأ من يقوم بها؛ والمعرقلة هي أن ثمة قناعات خاصة ضد التطوير سواء كانت إيديولوجية أو بيروقراطية.
المرحلة الأولى للتحول تعد أصعبها، فالنفس البشرية تقاوم ما ألفته من روتين يومي، لذا فهي تتطلب حرصاً في التهيئة النفسية للعاملين. هذه التهيئة تتم عبر إيجاد مناخ ملائم للتغيير ليثق الموظفون والمدرسون بالتحول، وذلك عبر التواصل معهم في أجواء ودية، وإشعارهم بأهمية آرائهم مع إقناعهم بضرورة التغيير، وإشراكهم بفاعلية في النقاشات أثناء وضع خطة التحول ودعمهم نفسياً لإزالة توترهم..
في المرحلة الثانية تبتدئ إجراءات التحول، وهنا يتخوف الموظفون والمدرسون أثناء تطبيقهم للنظام الجديد من الفشل وما يتطلبه من مهارات جديدة. هنا، لا بد من تخفيف قلقهم بدعمهم وإعطائهم معلومات جديدة تنقصهم وتخليصهم من المعوقات التي تواجههم.. لا بد أيضاً أن يكون النمط الجديد متوافقاً مع بيئتهم التقنية والعملية وثقافتهم الاجتماعية.
المرحلة الأخيرة حين يكتمل تنفيذ الخطة الجديدة، يجب أن تكون جزءاً من ثقافة الوزارة لتنجح؛ فالأفكار والإجراءات والسلوكيات الجديدة ينبغي أن تصبح روتينية عبر توضيح تطبيقاتها للعاملين، وأن تُكشف لهم منافعها لتوفر لهم شعوراً إيجابياً بتنفيذها.. وأن تمنح مكافآت لذلك، ودورات تدريب لمهارات جديدة، وتوفير نشرة إرشادية بالخطة الجديدة توزع على جميع الموظفين والمدرسين.
الخلاصة أن التواصل الودي مع العاملين أثناء التغيير يهيئ بيئة إيجابية لإزالة توترهم من خلال تعبيرهم عما يساورهم من قلق وإجلاء غموض فهمهم لهذا التغيير، فالجهاز البيروقراطي الذي يديره كبار الموظفين السابقين هو وحده من سيطبق برنامج المسؤول الجديد أو يعرقله أو حتى ينسفه مهما ظن هذا المسؤول أن الكرة دائماً في ملعبه.. فهو قادم جديد وقد يرحل سريعاً، وهم الراسخون في المؤسسة...
- التفاصيل
- التفاصيل
- قضايا وأراء
عبدالعزيز السماري
ذهنية التطرف والجمود ليست وليدة اللحظة أو نتاج لمرحلة الصحوة الأخيرة، لكنها قد تمثل الأصالة التي نشيد بها من حينٍ إلى آخر، ونمجدها كلما مرت حالة نقدية لتلك العقلية المتحجرة، بينما يُعتبر التنوير أو محاولات تفكيك الذهنية المتطرفة حالة طارئة وجديدة على المجتمع، ولهذا نحن أمام أكبر تحد في تاريخنا المعاصر، فالتطرف والتعصب والتزمت مستقر في أراضينا، ويسكن عقولنا، ويرفض الخروج منها بسلام.
يصعب في هذه المقالة تحديد بداية تلك الحقبة، وكيف استطاعت بعض العقول في عصور الأمية والتخلف تحويل الدين العظيم إلى سجن أشبه بالصندوق المغلق من جميع الاتجاهات، وحالة من العتمة التي تمنع دخول النور والعلم حتى من الثقوب المتناهية في الصغر، وذلك من أجل أن تستمر حالة الظلام في العقول ويستمر التعسف والاستبداد والتسلط كأدوات للتواصل مع الآخرين.
هذه العزلة والانغلاق الشديد ليس لها علاقة بالدين العظيم، فقد ساهم المسلمون الأوائل في إثراء الإنسانية بمختلف الاكتشافات العلمية، ومن أجل فهم ما أريد الوصول إليه أحيل القارئ إلى الاطلاع على كتاب بيت الحكمة لجوناثان ليونز عن إسهامات علماء المسلمين أمثال جابر بن حيان والرازي وابن سيناء وابن رشد والخوارزمي وغيرهم في العلم والاكتشافات العلمية والفلسفة، وعندما ينتهي المرء من قراءة هذا الكتاب ربما يدرك أننا نعيش بالفعل خارج تلك الحقبة المستنيرة.
لم يحدث الانهيار فجأة، ولكن بعد عدة نداءات أطلقها بعض الفقهاء تحت دعوات إحياء علوم الدين، وأدت إلى سقوط العلم والمعرفة والتنوير، وإلى طرد العقول بعد بدء حملة تكفير موجهة إلى العلماء والفلاسفة، واتهامهم بالزندقة، ووصل الأمر إلى تحريم الكيمياء وتحويل الطب من علم التجربة والاكتشاف إلى الطب النبوي وأنه وحي مرسل، واعتماد تلك النصوص الظنية الثبوت كمرجعية مطلقة لعلاج الأمراض والأوبئة.
كانت النتيجة تلك الحالة التي كان عليها أجدادنا، والذين كانوا يعيشون حالة من العزلة الشديدة العداء للعلم والمعرفة والمجهول، وكانت أشبه بالصندوق المغلق من مختلف الاتجاهات، ووصلت إلى مرحلة تحريم السفر إلى الخارج، لذلك لازلت أعتقد أننا نفتقد إلى إدراك تلك المرحلة، والسبب حالة الإنكار التي نعيش فيها، فالأصالة عندنا لازالت تلك الحالة المظلمة في تاريخنا الوسيط، والتي ليس لها علاقة بالإسلام العظيم على الإطلاق، ولكنها تمثل حالة من الآثار المدمرة لما فعله الفقهاء الأوائل بحضارة المسلمين المشرقة.
في الصغر كان بعض الدعاة يوزع على تلاميذ المدارس كتاب «ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين» لأبي الحسن الندوي، وتم استخدامه في بدايات مرحلة الصحوة الدينية، وقد نجحوا في إخفاء الحقيقة المرة، والتي لا يختلف عليها اثنان أن الفقهاء بتحريمهم العلم والفلسفة والكيمياء وزندقة علماء أفذاذ أمثال جابر بن حيان والرازي وابن سيناء وابن رشد ونجاحهم في ذلك كانت أحد أهم أسباب سقوط حضارة المسلمين.
ولو رجعنا للمرحلة المتأخرة في صراع الأجداد مع العلم والاكتشافات العلمية وموقفهم منها لاتضحت صورة الانغلاق، فقد رفضوا مختلف الاختراعات الحديثة بدءا من المايكروفون إلى التويتر، وكانوا دوما بعد رفضهم يعودون وينضمون إلى الركب ثم يستخدمونه لمحاربة العلم والثقافة، وكان إنكارهم الأولي لتعليم البنات ومنع الرق يمثل أحد أهم أمثلة حالة العزلة، وليس الدين الحنيف.
أجدادنا كانوا ضحية لمرحلة انغلاق طال أمدها، وتحولت مع مرور الزمن إلى عقيدة متشددة ضد الجديد، وضد الآخر، وليس لها علاقة بالدين، وكانوا دوما ما يطلقون المواقف المتطرفة جداً لكل قادم جديد، ثم يرضخون للأمر الواقع، ويعود الأمر برمته للسياسي الذي نجح طوال العقود الماضية في تمرير التحديث، وفي إدخال النور إلى بعض أجزاء الصندوق.
في الوقت الحالي يظهر على بعضهم حالة من التصميم على إسقاط ما تم إنجازه خلال العقود الماضية، وكأنهم بذلك يعيدون المحاولة التي فعلها الفقهاء الأوائل في أوج حضارة المسلمين، من خلال دعوة إحياء الدين، وذلك لضرب العلم والتنوير والانتقال إلى المجد وإثراء الحياة بالإنجازات العلمية والاقتصادية، ولا يخفى على أيا كان حالة الترويج للعودة إلى الصندوق مرة أخرى ثم الانغلاق داخل الكهوف لقرون أخرى..
لهذا السبب لازلت أؤمن أن الحل ليس عند العوام من أجل الخروج من الصندوق بسلام، ولكن عند النخب الدينية المستنيرة والسياسية والاقتصادية، التي تتحمل مسؤولية إكمال المسيرة وتصحيح مسارها، وذلك من خلال إصلاح الإدارة والاقتصاد وتوطين ثقافة الحقوق، وإيجاد الحلول للبطالة والتطرف عبر إشاعة العلم والتنوير بين شرائح المجتمع، ثم التخلي عن فكرة ربط الانغلاق بالأصالة، والتي تعني لي ذلك المجد الذي سطره الأجداد أمثال جابر بن حيان والخوارزمي وأبو القاسم الزهراوي، وليست سير التطرف ودعوات الانغلاق تحت شعار إحياء علوم الدين..، الله المستعان.
- التفاصيل
- التفاصيل
- قضايا وأراء
خالد بن حمد المالك
مع كل حديث أو تصريح يدلي به ولي ولي العهد، يمتد تفاؤله المعلن بمستقبل المملكة الواعد إلى كل مواطن، يقتل ما يقوله سموه ما قد يكون بداخل كل منا من أوهام، يقضي على الشكوك، يكرِّس التفاؤل لدينا، يمحي من خارطة متابعاتنا ما نسمعه أو نقرأه للمرجفين والمحبطين وذوي النوايا السيئة، ممن يحاولون زرع الأشواك في طريق تقدمنا، بينما يأتي كلام الأمير الجميل وكأنه يزرع الورود في الطرقات وميادين التقدم لتحقيق ما هو أجمل.
***
هكذا هو محمد بن سلمان لمن يتابعه، ويتواصل مع رؤاه، لمن يتعمق في قراءة أفكاره وطموحاته ويربطها بإنجازاته، مدعوماً ومسانداً من ملك حكيم وخبير يعرف حجم قدرات سموه وتطلعاته نحو آفاق مستقبلية أفضل للوطن والمواطن، ما أشاح من أجوائنا ما يقوله عنا الأعداء والحاقدون، وبالتالي أفشل كل جهد عدواني يتربص بنا.
***
فمن أحاديثه لنا -رؤساء التحرير- ما لم يُنشر خلال الزيارات الرسمية الخارجية للملك أو لولي العهد ويكون سموه ضمنها، أو في زياراته الرسمية منفرداً، تكون هناك فرصة ليتحدث لنا عن تفاؤله بما يسرّ الخاطر، ويبوح بما لديه من جديد يهمه أن نتعرف عليه، وفي كل لقاء يكون لديه ما يستحق أن يفصح عنه، بالأرقام والإحصاءات، مدعوماً بوجهات نظر متفائلة، ترتكز على المتاح من الإمكانات وفق قراءة مسحية لكل الجوانب التي يتحدث بها وعنها.
***
وجاء التحول الوطني الذي يتبناه الأمير الشاب، ليرسم لنا خريطة متفائلة للوطن في المستقبل، وكأنه يذكِّرنا بأننا أمام بناء اقتصادي طموح لن يعرِّض الوطن للشح طالما أننا نتعامل مع الموارد الأخرى، ولن يجعله رهينة للنفط حيث تقلباته وعدم استقرار سعره وسقف إنتاجه، أو أن يكون عرضة وسبباً في تراجع إيقاع التنمية في البلاد فيما لو أصبح البترول ليس كما هو الآن السلعة الوحيدة والرئيسة التي تعتمد عليها المملكة في الإنفاق على المشروعات.
***
ففي حواره مع وكالة (بلومبيرج) العالمية مؤخراً أفصح عن كثير مما يدخل ضمن إطار هذا التفاؤل الذي نعنيه في عنوان هذا المقال، فالمملكة -كما يقول الأمير- تخطط لتأسيس صندوق بتريليوني دولار لحقبة ما بعد النفط، وتحويل (أرامكو) لتكتل صناعي، مع توجه نحو تنويع الاستثمارات، وأن اقتصادنا لن يكون معتمداً على النفط، وليس لدينا مشكلة حقيقية بانخفاض سعره، فهناك حلول سريعة لجزء من خطة التحول الوطني، وأن المملكة من الآن تعمل على زيادة كفاءة الإنفاق، ومن بين أهم ما قاله الأمير محمد: تستطيع المملكة من خلال صندوق التريليوني دولار شراء أكبر أربع شركات عالمية في البورصة.
***
الأمير محمد لا يتحدث من فراغ، فهو قريب من الملك الذي يرسم هذه السياسة، وما يتحدث به إذاً هو توجيه ملكي كريم يتبنى الأمير تنفيذه بحسب توجيه خادم الحرمين الشريفين، كما أن مواقعه المهمة والكثيرة في مسؤوليات الدولة برئاسته لمجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية، وكونه رئيس المجلس الأعلى لشركة أرامكو السعودية، وكونه ولياً لولي العهد، ونائباً ثانياً لرئيس مجلس الوزراء، ووزيراً للدفاع، كل هذه المسؤوليات تجعل بين يديه هذا الكم من المعلومات التي تمكنه من أن يقول وينفذ بتفاؤل ما قرأناه في حديثه للوكالة العالمية.
***
الأمير محمد في حديثه التفاؤلي هذا وفي غيره لا يكتفي بطمأنة المواطن، والتأكيد على أن المملكة قوة اقتصادية كبيرة بالبترول وبدونه، وإنما يريد أن يكون المواطن أيضاً قريباً من خطط وبرامج التجديد وآفاق التحول الاقتصادي الذي تمر به المملكة، وكأنه يريد من المواطنين أن يكونوا شركاء معه بأفكارهم في كل إنجاز يتحقق، وأن تكون مصادرهم للتعرف على المعلومات الحقيقية عن الوضع الاقتصادي في المملكة باعتمادهم على المرجعيات التي تملك المعلومة الصحيحة ولا تتردد في الإفصاح عنها، والمقصود هنا الجهات الرسمية المعنية بالشأن المحلي.
***
قبل ذلك بفترة كان الأمير محمد قد استقبل الكاتب الأمريكي الشهير «توماس فريدمان»، فكتب الكاتب عن ذلك اللقاء مقالة في «نيويورك تايمز» واصفاً لقاءه بالأمير بأنه غيَّر كثيراً مما كان يعتقده عن المملكة، فقد أخبره الأمير بأن تنظيم داعش ظهر نتيجة للقمع والممارسات الوحشية التي عانى منها أهل السنة في العراق على يد حكومة نوري المالكي، ومثل ذلك سحق نظام بشار الأسد المدعوم من إيران للسنة في سوريا، وبسبب الفراغ الذي خلَّفه الانسحاب الأمريكي غير المنظم من العراق، فأنتج عنه دخول إيران لتعميق الفتنة الطائفية القائمة هناك.
***
يقول «فريدمان» في تفاصيل أخرى عن لقائه بالأمير: قضيت أمسية مع محمد بن سلمان في مكتبه، وبطاقته المتفجرة رسم الأمير أمامي خططه بالتفاصيل، مشروعه الرئيس هو لوحة قيادة للحكومة على الإنترنت، من شأنها أن تعرض كل وزارة أهدافها بشفافية، بمؤشرات الأداء الرئيسة الشهرية التي سيحاسب عليها كل وزير، فكرة الأمير أن تشارك كل أطراف البلاد في الأداء الحكومي، ويضيف أن الأمير أخبره بأن القرارات الكبرى التي كان إنجازها يحتاج من الوزير سنتين يتم تنفيذها الآن في غضون أسبوعين.
***
وعن تفاؤل الأمير الذي اخترناه عنواناً لهذا المقال، ينقل الكاتب الأمريكي الشهير عن سموه في مقاله المشار إليه، بأن المملكة حتى ولو انخفض سعر البترول إلى ما دون 30 دولاراً للبرميل، فسوف يكون للرياض الإيرادات الكافية للاستمرار في بناء الدولة، دون الحاجة لاستنفاد كل الاحتياطيات، فهل بعد هذا القول ما يمكن أن يخالج أي مواطن الشك باستمرار وتيرة العمل والإنجاز بالقوة ذاتها وبالإيقاع الذي هو عليه ودون توقف؟
***
باختصار شديد، ليس الأمير محمد هو الوحيد المتفائل، فكلنا ذلك الرجل - كما يقال - صحيح أن التحديات كثيرة وكبيرة، ولكنها ظاهرة آنية في كل دول العالم، وسرعان ما تزول، وقد مرت المملكة في سنوات خلت بأصعب مما تمر به الآن من انخفاض في أسعار النفط، وتمكنت من التغلب على التحديات التي واجهتها، وواصلت مسيرتها دون أن تتأثر برامجها أو خططها بظروف تقلبات سوق النفط، فكيف لا تتغلب عليها الآن، وهناك عمل وتخطيط بمثل ما تحدث به الأمير المتفائل محمد بن سلمان.
***
مجلة (أيكونوميست) من جانبها هي الأخرى وجهت سؤالاً للأمير مفاده: كونك مسؤولاً عن الدفاع والاقتصاد، وممثلاً للجيل الشاب، ما السعودية التي تريد بناءها؟ يجيب الأمير: «السعودية التي آمل ببنائها، هي السعودية التي لا تعتمد على النفط، السعودية باقتصاد متطور وبقوانين شفافة وذات موقع قوي في العالم. السعودية التي يمكنها تحقيق أحلامها أو طموحها، من خلال توفير حوافز وحكومة مناسبة، نريد سعودية قادرة على الاستمرار، وتضمن مشاركة الجميع في اتخاذ القرار، السعودية التي تعد إضافة جيدة للعالم، وتشارك في الإنتاج العالمي، وتشارك في التصدي للمعوقات والتحديات التي تواجه العالم. أحلامي كوني شاباً سعودياً، ويشاركني الكثير من المواطنين السعوديين، كثيرة، وأحاول التنافس معهم ومع أحلامهم، ويتنافسون مع حلمي، من أجل أن تكون السعودية في وضع أفضل».
***
لهذا نقول من جانبنا عن ولي ولي العهد وبثقة واطمئنان، إنه الأمير المتفائل حقاً، ونحن كذلك.
- التفاصيل
- التفاصيل
- قضايا وأراء
سعد الدوسري
مرحباً ألف يا سينما..
مرحباً بقرار وزارة الثقافة والإعلام بتعميم تجربة مهرجان أفلام السعودية الذي نظمه فرع جمعية الثقافة والفنون بالدمام، الأسبوع الماضي.
مرحباً ألف بمثل هذا المهرجان في كل المدن السعودية، من نجران لسكاكا، ومن المدينة المنورة للأحساء.
كنا جميعاً، كصناع للسينما أو كعاملين في الحقل الإداري لإنتاجها، نأمل أن تلتفت الوزارة لهذا الفن الأهم في تسجيل الشهادات الاجتماعية لوطن ظل يفتقد من يسجل شهاداته. ولقد كتبت من قبل منتقداً غياب قرارات الوزارة الداعمة للسينما في هذه الزواية، وها أنا اليوم أعود من باب إحقاق الحق، لأشكره على إيصال التفاتة الدولة لمهرجانات السينما، ولتكريسها في كل المدن. وشكري هذا لأثبت للمهتمين بالشأن الاجتماعي أننا بقدر ما ننتقد، فإننا نثني؛ ليس عيباً أن يحدث ذلك. العيب أن تمر مبادرة إيجابية، دون أن نشكرها. وهل هناك مبادرة أكثر إيجابية من دعم الشباب والشابات الذين يحاولون أن يعبروا عن هموم أمتهم، من خلال النص ومن خلال الصورة، مهما كان الموقف الفكري والثقافي لهذا الشاب ولهذه الشابة، سواءً محافظاً أو حداثياً؟! ليس هناك أهم من ذلك، فالسينما، ستكون ساحة تعبير لكل التوجهات الفكرية والإبداعية، وسنكون نحن كمؤسسات ثقافية مدنية، داعمين لهذا التنوع.
- التفاصيل