قضايا وأراء
- التفاصيل
- قضايا وأراء
صيف حار، وحوادث حارة مقلقة تتوزع وفق أجندة الاستهداف.. إلا أن منطقتنا التي لم تعرف صيفاً هادئاً منذ ما يزيد على خمس سنوات، هي الأكثر حرارة بل قل الأعظم ضراماً وقتلاً وتلوثاً وسحقاً للإنسان والشجر والحجر وما تبقى من مقومات الحياة
كما بدأ صفينا هذا العام شديد الحرارة، بدت الأحداث حولنا وفي العالم شديدة الحرارة مع حالة من القلق والإرباك والتخبط وسيادة حالة من عدم اليقين.
تكثر الإجازات في فصل الصيف، وتكثر أيضاً في هذا العام حوادث ساخنة ومقلقة وموحية بمستقبل يحيل الفصول القادمة إلى مزيد من التغييرات في درجة الحرارة حد إشعال الحرائق في غابات المناطق النائمة على براكين التوتر والقابلة للاشتعال والضرام في أي وقت.. حتى لو بدت هادئة مسترخية توحي بمواسم الخصب والحياة.
حوادث القتل والاستهداف في المراكز والشوارع والمطاعم.. التي لم تكن أولها جريمة نيس الإرهابية ثم حمى القتل العشوائي في المانيا أو الاستهداف في فرنسا.. جعل أوروبا تقف على أطراف أقدامها في صيف تتوسل فيه الهدوء، فإذا هو اشتعالات تحت عنوان الإرهاب الذي اختلط حابله بنابله.. فمرة الفاعل إرهابي ومرة مختل وأخرى خلافات شخصية ورابعة بدافع من اليأس والتخبط واللامعنى، التي تحولت حتى إلى أدوات القتل البدائية من سكين أو سطور.. أو ما تقع عليه يد القاتل!
أما في الولايات المتحدة الأميركية، فليس الحال بأفضل مما هو عليه في بعض دول أوروبا المستهدفة.. والقتل العشوائي لم يكن مستغرباً هناك، فالسلاح الفتاك بيد الجميع والدوافع كثيرة، إلا أنه ليس ثمة حادث يأخذ باعلام العالم بأسره وينشر قلقه ويحرض ساساته سوى ما يصنف اليوم بالإرهاب.. أو ما لا يتردد البعض في نعته بالإرهاب الإسلامي!!
في بلادنا يحبس العقلاء أنفاسهم عند ظهور أي من تلك الحادثات.. حتى تنكشف غمامة الخبر المضطرب.. ويتنفسون الصعداء فقط عندما لا تعلن داعش الإرهابية مسؤوليتها أو يظهر ما يبعد شبح ما أصبح يدعوه البعض هناك وبلا مواربة بالإرهاب الإسلامي.. وإن كان كله إرهابا، والقتل يبقى قتلا.. إلا أن أولئك القتلة خارج دائرة المسلمين لا يثيرون شهية المسكونين بما ادعوه من إرهاب إسلامي أو يحبط عمل المخططين الذين يترصدون هذه المنطقة المنكوبة من العالم.
بعد كل عملية إرهابية في أميركا أو أوروبا يعلن عنها تنظيم داعش أو تُعلن نيابة عنه.. يتحسس العقلاء والعارفون والمدركون للمخاطر لا أقول مسدساتهم.. وإنما قلوبهم إدراكاً منهم ان ثمة مشروعا كبيرا للهدم والتقويض.. وليست تلك العمليات إلا حشدا مبررا لتراكم الإنذارات به والخوف من تطوراته.
صيف حار، وحوادث حارة مقلقة تتوزع وفق أجندة الاستهداف.. إلا أن منطقتنا التي لم تعرف صيفاً هادئاً منذ ما يزيد على خمس سنوات، هي الأكثر حرارة بل قل الأعظم ضراماً وقتلاً وتلوثاً وسحقاً للإنسان والشجر والحجر وما تبقى من مقومات الحياة.
ماذا يفعل أو كيف تبدو استجابة من يشاهد ساعة بساعة ذلك التدمير المبرمج لسورية.. تصرخ ضمائر بعض العرب، إدانة لروسيا التي باتت خنجراً في خاصرتهم أو لأميركا الشريكة مهما توارت خلف رقائق التصريحات الكذوب التي باتت مكشوفة للقاصي والداني.. أو الدور الإيراني الحليف الإقليمي لبرامج الإبادة والتصفية والتهجير وإعادة رسم الجغرافيا السكانية في العراق وسورية..
صيف حار، لم تزده تصريحات ترامب المرشح الجمهوري هناك سوى ملح وحرارة لتظهر أسئلة المستقبل القريب عما يراد لهذه المنطقة بأسرها في قابل الأيام.
ثمة شكوك وثمة ارتباكات وثمة حوادث شنيعة وثمة قتل للبشر وسحق عنصري طال العرب في أوسع طوائفهم وأكثرها انتشارا.. وثمة صيف حار يلفح الوجوه وينذر بالمزيد.
تحتفل ذاقية بشار بالصيف على شاطئ المدينة الأوسطية التي صارت إلى قبضة الطائفة وجمهور الطائفة.. بينما تتراكم جثث الأطفال والنساء والشيوخ والشباب تحت وطأة القتل اليومي والتهجير اليومي في حلب وإدلب وغيرها من المدن السورية المنكوبة.. وبأسلحة ذات بأس شديد تقوض ما تبقى من جدران وأبنية ومشافٍ وأسواق وبشر ليسوا كالبشر، تركوا لمواجهة أبشع جريمة في هذا القرن.
يضطرب العالم جراء شاب صغير مشكوك في سلامة قدراته العقلية، وهو يشرع في إطلاق رصاص مسدسه على المتسوقين في إحدى مراكز ميونخ التجارية.. ولكن هذا العالم ينام ويصمت، بل وربما شيء آخر.. وهو يرى كل يوم عشرات القتلى.. فيهم من لا حول له ولا قوة من الأطفال والنساء والعجائز تحت وابل القصف والتدمير بقنابل الطائرات والصورايخ الموجهة والبراميل الطائفية القاتلة.
تباشير الصيف وطأة الحر الثقيل.. وكوابيس الصيف مسلسل من التردي لم تعرفه هذه المنطقة من العالم من قبل.. وكأنه إنذار أولي ينتظر الراقدين على أوهام المناعة التي لم يعد لها وجود سوى ما يجريه الله رأفة بعبادة... إلا أن سنن الله ماضية بالبشر، مالم يدركوا أنهم متواكلون لا متوكلون.. مشغولون بما يحمي ذواتهم الصغيرة.. متجاهلين أن حرائق البيت لن تسلم منها غرفهم القصية.
اليمن حكاية أخرى وصيف آخر.. الثمن باهظ، ولقاءات الكويت الساخنة جدا لم تقو أجهزة التكييف الضخمة عن تبريد وقائعه لدرء بعض الخطر أو حقن الدماء في يمن يشكل حلقة أخرى من الصراع.. صراع تسترخص فيه الدماء وتتكاثر فيه المؤامرات وتتعدد فيه الأطراف. الجاني يمني والمجني عليه يمني آخر.. محرقة تلتهم حتى ما تبقى من حياة مليحة عاشقاها السل والجرب.
(ماذا أحدث عن صنعاء يا أبتي... مليحةٌ عاشقاها السل والجربُ).. رحم الله البرودني. ما كان سيقول في الصيف الخانق القاتل، الذي التهم ما تبقى من حكمة وملاحة اليمن ولم يدع له سوى المصابين بالجرب.
أما تركيا الجديدة فلم تكن تنجو من صيف كان سيغرقها في وحل جديد.. لولا إدراك من نخبها وشعبها لخطر الاستسلام لشهية الإيقاع.. ولولا حبل من الله وحبل من أولئك المؤمنين بمستقبل تركيا لرأينا جرحا جديدا مفتوحا على كارثة كبرى.
ماذا أُحدث عن بغداد يا أبتي.. والصيف هناك ليس ككل صيف.. محنة العراق أوسع وأكبر من أن تكون توقفاً للبكاء على الأطلال.. أو استذكارا لكوارث الصيف.. انه صيف طويل طويل تصبغه الدماء بلوحة لا عنوان لها سوى بغداد.. وكل مدينة عراقية هي بغداد..
عذرا لمن لم يعد يقوى على مواصلة مشاهدة مسلسل العار والنار والدمار.. فثمة شيء في الرأس يحترق ويتهاوى.. لا شيء سوى الرماد ورائحة الموت وسردية اللامعقول، والمجنون المتفوق على الجنون.
أما انتم أيها الهاربون من حر بلادي... الراحلون من واد لواد... السابحون في سروج الخيال.. الحالمون بأعين لم يطفئها السهاد... ستعودون حتما... فترون أن رحلة الصيف.. لم تكن.. سوى قيد يشد وثاق... مرحى بالهجير وجمرة القيظ... إذا احتشد به حلم... يوقظ من جفوة ورقاد.
- التفاصيل
- التفاصيل
- قضايا وأراء
د.عبدالعزيز الجار الله
رحل عن دنيانا أكثر الناس دراية بالراحلين لأنه مؤرخ وحافظ للسير الكاتب د. عبدالله العسكر -رحمه الله رحمة واسعة-، غاص في أغوار الأزمنة وحفر الحزوز الموغلة في الحقب وسنوات البشر المديدة، عاش مع البلدانيين والمستشرقين ورحالة جزيرة العرب ومع أمم عربية كانت تمشي مع قوافل الزمن في صحراء عطشى لا صوت فيها إلا عزف الرمال وهي تحتك بأبرق الجبال. كان عبدالله العسكر يجمع حكايات الأمس بوعي الحاضر حكاية المجمعة وسدير والقصيم ويمامة الخرج وحجر الرياض، وملح أحجار جبيل الخليج وشطآن بحر جدة، وحمادة الشمال ونهايات ربعنا الخالي جنوب، يجمعها ليحمي ممتلكاتنا التاريخية، يحميها من غزاة الفكر ومن المتربصين على تخوم أطراف بلادنا.
في كل مرة ألتقي بها بالدكتور العسكر-عليه رحمة الله- في المؤسسات الإعلامية وفي الجامعات واللقاءات الخاصة أنظر في بياض عينيه فأقرأ حكاية لم تنته، في عينيه حب للآخرين لا حدود له، في عينيه بحر من المحبة استوعب الناس والأزمنة والحقب المتعاقبة، الذي يعرف العسكر عن قرب يدرك أن له قلباً يتسع لكل الأجناس، هكذا هم أهل التاريخ يوائمون بين الناس والزمن ويفرطون في حب الآخرين بلا مرجعيات جغرافية أو عرقية أو ثقافية، أهل التاريخ فيهم ولع غامر بالأنثروبولوجيا الثقافية للإنسان فلا (يمايزون) في المشاعر الإنسانية مع الآخرين لذا تجد الحب عندهم يفيض بلا رقيب، وهذا ما حدث مع عبدالله العسكر عندما انتشر خبر وفاته تناقلته وسائل الإعلام و والتواصل الاجتماعي بسرعة تترحم وتذكره بكل محبة وحنينيه فأصبح الخبر شعلة لا تنطفي.
الذي يحب الناس ولا يسعى إلى إيذائهم بالكلمة والعبارة والمغالطة التاريخية كما كان العسكر رشيقاً في عبارته أنيقاً في انتقاء الكلمة عميقاً في نظرته للصراعات تسمو روحه فوق الصغائر في روايات التاريخ يبقى كالوميض الساطع في السماء، هذا الرصيد من الحياد الإيجابي وهذه الحصانات الثقافية والاجتماعية التي يتمتع بها العسكر جعلته في صورة الباحث الجاد الذي يعمل على التحليل ويقارب الروايات مع الربط والعمق المعرفي -جعلت- كتبه وأبحاثه العديدة مصدر ثقة واطمئنان.
لدينا شخصيات مثقفة ترحل فجأة عنا ولديهم حكايات علمية وثقافية لم تكتمل ويأخذنا الحماس لإكمالها لكننا لا ننفذ، فالسلافة وهي خلاصة الحدث لا يكملها إلا صاحبها، لذا من المناسب أن تتولى إحدى الجهات العلمية في جمع أعمال د. عبدالله العسكر في مجموعة كاملة، وأن تتولى إحدى أجهزتنا العلمية تدوين أعمال الباحثين وهم بيننا ليكملوا أبحاثهم قبل أن يرحلوا.
- التفاصيل
- التفاصيل
- قضايا وأراء
د. أحمد الفراج
لا أحد يستطيع منافسة الأمريكيين، عندما يتعلق الأمر بالعمل التنظيمي، والمهنية، والاحتراف الإعلامي، وأمريكا تستخدم سلاح الإعلام بكل كفاءة، فهو النسخة الناعمة للسلاح النووي، وليس غريباً أنّ العالم أجمع يتابع مقالات وتقارير كبريات وسائل الإعلام الأمريكية، كقنوات سي ان ان، واي بي سي، وسي بي اس، وصحفاً راقية، مثل الواشنطن تايمز، والواشنطن بوست، ونيويورك تايمز، وغيرها، فعندما تحشد هذه الوسائل مع أو ضد أي قضية، أو زعيم، فإنها تستطيع حرف مسار جميع وسائل إعلام العالم، والرأي العام، لتتبنّى وجهة نظرها، وتذكر ما فعلته وسائل الإعلام الأمريكية، عندما قررت أمريكا ضرب العراق واحتلاله، وكذلك موقفها من الثورات العربية، فهي أول من أطلق عليها اسم «الربيع العربي»!!، وتبع ذلك موقف الغرب السياسي، الداعم لهذه الثورات!.
لعبة الإعلام الأمريكي الاحترافية باستطاعتها أن تحشد الرأي العام وراء مرشح رئاسي، أو تدمر مستقبله، بكل سهوله، فقد استطاعت هذه الوسائل، وباحترافية عالية، أن تزف شخصاً مثل جورج بوش الابن لزعامة العالم، وهو الذي لم يكن يحلم بأكثر من منصب حاكم ولاية تكساس، المعقل التاريخي لآل بوش، وحتى والدة بوش الابن، السيدة باربرا بوش، لم تكن تعتقد أنّ ابنها مؤهل للرئاسة، إذ صرحت أنّ ابنها الآخر، جيب بوش، هو الأكثر تأهيلاً للرئاسة، وغنيٌّ عن القول إن بوش الابن بالكاد تم قبوله في جامعة ييل العريقة، بوساطة من والده، ثم بالكاد تخرج منها بتقدير مقبول، وهذه حقائق موثقة، ولكن المؤسسة العميقة، ووسائل إعلامها، صعدت به للرئاسة، ولفترتين متتاليتين .
وسائل الإعلام الأمريكية، التي صعدت بالرئيس بوش الابن، ثم بالرئيس باراك أوباما، هي ذاتها التي خسفت بسياسيين من عيار ثقيل، ودمرت مستقبلهم السياسي، لأسباب لا يعلمها إلا الراسخون في علم الدول العميقة، ومن أبرز هؤلاء، عضو مجلس الشيوخ البارز، قاري هارت، في انتخابات 1988، وقبله والتر مونديل، في انتخابات 1984، وبعدهما رون بول، في عدة انتخابات رئاسية، والسياسي الشهير من أصل عربي، رولف نادر، وهاورد دين، وغيرهم ممن لم تكن مشكلتهم في الكفاءة العملية والتأهيل، بل في تضاد بعض مواقفهم مع الدولة العميقة في الإمبراطورية الأمريكية.
لقد أبرزت وسائل الإعلام الأمريكية أعظم ما لديها، في مؤتمر الحزب الديمقراطي الأخير، لترشيح هيلاري كلينتون، وقبل ذلك، في مؤتمر الحزب الجمهوري، لترشيح دونالد ترمب، فقد كان كل شيء مرتباً بطريقة احترافية، لدرجة أنه لا يمكن لغير الخبير إلا أن يظن أن الأمر عفوي، وفي أمريكا، لا يوجد شيء اسمه «عفوي»، فكل حركة للخطيب، وكل كلمة، وإشارة، وتوقف، وابتسامة، تم ترتيبها، والتدريب عليها، من قِبل أعتى خبراء العلاقات العامة، وحتى حركة الكاميرات، وانتقالها من الخطيب للجمهور، واختيار اللقطات، وتوقيتها، كله أمر مرتب، وبالتالي تصبح مثل هذه المناسبات شيقة، وجاذبة، ومؤثرة.
الآن، وسائل الإعلام الأمريكية المحترفة قدمت المرشحين لرئاسة الإمبراطورية الأمريكية، الجمهوري دونالد ترمب، والديمقراطية هيلاري كلينتون، والجمهور الأمريكي شاهدهما في أبهى حلة، فمن يا ترى سيختار الشعب الأمريكي؟!، وأنت، عزيزي القارئ، من ستختار، إذا كنت قد شاهدت مؤتمري الحزبين الرئيسيين، الجمهوري والديمقراطي؟!.
- التفاصيل
- التفاصيل
- قضايا وأراء
د.عبد الرحمن الحبيب
كم شخصاً قال لك إن دعاة التشدد ضد الأجانب في الغرب معذورون أمام الهجمات الإرهابية في بلادهم؟ أشهر دعاة التشدد ضد الأجانب ترامب المرشح الجمهوري الذي ينوح ويصرخ من هجمات الإرهابيين الأجانب في أمريكا رغم أنها حادثة واحدة فقط حصلت الشهر الماضي.
كيف استطاع ترامب إثارة الرعب؟ هناك إحصاءات وهناك قصة.. القصة تشكل علاقة وجدانية مع الآخرين، بينما الأرقام جافة بلا عاطفة، حسب نظرية الذهن. قصة ترامب هي «الإرهاب في مدننا يهدد نمط حياتنا، والمهاجرون غير الشرعيين يقتلون رجال الشرطة ويزيدون معدلات الجريمة والبطالة.» قصة مرعبة، لكن الإحصاءات تكشف زيفها فالمعدل العام للجرائم شهد هبوطاً قياسياً تاريخياً في أمريكا؛ ومعدل البطالة انخفض قياسياً إلى 5.5% (لوسنهوب، بي بي سي).
لكن لماذا نعتقد أن الجرائم تزداد في أغلب البلدان رغم أن الإحصاءات تقول عكس ذلك؟ إنها الكاميرا التي صارت بأيدي الناس.. فالحادثة التي تحصل سابقاً دون تصوير كان يعلن عنها في الأخبار المحلية ليوم أو يومين وتنتهي، أما الآن فتصور حية مباشرة ومؤثرة يتناقلها الملايين ويتناولها الإعلام فتؤثر في الأذهان مما يولد انطباعاً بأن معدل الجريمة يزداد.
الحدث في الإعلام هو قتل شخص بإطلاق النار عليه، وليس عدد الضحايا بسبب الحوادث. الخبر الأول أكثر إثارة لتفكيرنا العاطفي من الثاني حسب نظرية الذهن، رغم أن الثاني أهم كثيراً حسب نظرية المعلومات؛ ورغم أننا ندرك عقلياً أن ثمة ضحايا كثراً في الخبر الثاني إلا أننا لا نراهم، فالأشياء التي لا نراها قد تعتبرها أذهاننا غير موجودة..
خذ مثلاً لدينا بالمملكة العديد الذين يذهبون ضحية حوادث السير وسببها السرعة والتهور ويعلن عنها بالأرقام، وهي أضعاف مضاعفة لضحايا الحوادث الجنائية والإرهابية.. لكن طبيعة الإعلام يركز على الأخيرة.. فالخبر الثاني أكثر إثارة لتفكيرنا العاطفي خاصة إذا كان مصوراً. في إحدى تجارب عالم النفس بول سلوفك قام بطلب التبرع من مجموعتين؛ الأولى مع صورة لطفل نحيل تنزف عينيه دماً من مالاوي، والثانية مع نشرة إحصائية عن المجاعة في مالاوي متضمنة معلومة بثلاثة ملايين طفل مالاوي يعانون المجاعة. معدل التبرع بالأولى كان ضعف الثانية. حسب نظرية المعلومات فإن الثانية تعطي حجم المجاعة في المالاوي بينما الأولى صورة لفرد لا تعكس حجم المأساة، لكن حسب نظرية الذهن فإن صور الأشخاص تثير خيالاتنا وأفكارنا في كيفية شعور الآخرين أكثر من الأرقام.
لذا فإن غينغرتش، حليف ترامب، اعتبر الإحصاءات غير مهمة في لعبة السياسة مثل المشاعر، قائلاً: «الأمريكيون العاديون لا يعتقدون أن معدل الجريمة منخفض، ولا يعتقدون أنهم أكثر أمناً.. الإحصاءات ربما تكون صحيحة، لكن هذا لا يمثل الناس. الناس مذعورون».
على نقيض ترامب أعلنت ميركل في ألمانيا: «إننا لن نتخلى عن موقفنا المرحب باللاجئين، وإن الحوادث التي وقعت سنتعامل معها بمسؤولية وإجراءات حذرة لكنها لن تؤثر على الحقوق والحريات..». تعلن ترحيبها باللاجئين بعد أربع حوادث نفذها مهاجرون في بلادها خلال أسبوع واحد.. إنها تمثل الجانب العقلاني في التعامل مع حوادث الإرهاب.. لكنها تواجه ضغوطاً من اليمين المتطرف الذي رغم صغر حجمه إلا أنه يحاول إثارة الرعب بين الناس.
حينما يكون الناس قلقين فإنهم يستخدمون قضية واحدة مؤثرة كبديل عن الخبرة، حسبما ذكرت شانا غاداريان، مؤلفة كتاب «السياسات القلقة». وتقول إيميلي ثورسن، أستاذة العلوم السياسية بجامعة بوسطن: «الأشخاص ليسوا جيدين للغاية في تقدير المخاطر، فهم يخافون من فيروس إيبولا [البعيد عنهم] أكثر من خوفهم من أشياء قد تقتلهم بالفعل مثل الكحوليات، فالأشياء تبدو أكثر خطورة حينما تكون أكثر وضوحاً».
هذا لا يعني أن نطلب من الإعلاميين والساسة العقلاء أن يركزوا على الأرقام النافعة والمعلومات التقريرية، وينسوا القصص؛ فالعقل البشري -حسب نظرية الذهن- يبدأ عادة باستخدام القصص لتفسير الأحداث والعالم والأشياء من حولنا قبل أن يبدأ في التفكير العلمي أو المنظم. لذا الأساطير بدأت قبل الفلسفة والعلم. ومن هنا يرى بريندان نيهان، أستاذ العلوم السياسية في كلية دارتموث، أن تصور أن يسير الناس ورؤوسهم ممتلئة بالإحصاءات أمر غير منطقي.
فما هو المنطقي؟ فلتسمع القصة، لكن عليك أن تعرف من هو المرسل، ما الذي يكشفه ويخفيه فيها؟ ماذا يريد وما هي مصالحه؟ الإعلامي يريد الإثارة، والسياسي يريد استمالة الناس لخططه.. والناس ستقرر. في تجربة لغاداريان على الناخبين الذين شاهدوا إعلانات سياسية لجعلهم قلقين بشأن الهجرة، ثم قرؤوا بيانات لمرشحين متصورين، وجدت أن السياسيين الذين تحدثوا عن خطورة الموقف فقط حازوا على ثقة أقل، مقارنة بالآخرين الذين اقترحوا حلولاً للمشكلة.
رغم القصص المرعبة لترامب فإن الاستطلاعات تظهر أنه متأخر عن كلينتون التي تسرد قصتها عنه بأن «الرجل الذي يمكن استدراجه بتغريدة لا يمكن أن يكون محل ثقة بالأسلحة النووية».. فهل سيمل الناس من القلق المفتعل أو ربما تعتاد عليه ويفشل قادة التشدد؟ الإجابة النسبية حتى الآن تقول إن ترامب سيخسر ما لم تحدث مفاجآت.
- التفاصيل
- التفاصيل
- قضايا وأراء
عبدالعزيز السماري
كانت آخر أيام الشيوعي العربي السابق والإسلامي المعاصر أشبه بمرثيات رجل عجوز خسر أصدقاءه، وبعض من عائلته وأمواله في حروب غير متكافئة، كان شبابه حافلاً بمغامرات القتال في جبهات الكفاح ضد الاستعمار في الدول المجاورة، وكان يحمل في يده اليمنى كلاشينكوف روسي الصنع، وفي يده اليسرى تعليمات كارل ماركس..
لأسباب لا أفهمها كان يؤمن عن قناعة مطلقة أن النصر قادم للمناضلين، وأن الكفاح ضد القوى الإمبريالية سيؤدي في نهاية الأمر إلى هيمنة العدالة على العالم، وإلى وصول العمال إلى كراسي الحكم في العالم، ثم إجبار القوى الإقطاعية على تسليم ممتلكاتهم و توزيعها بمساواة على العمال الكادحين، لكن وجه الغرابة أنه لم يكن عاملاً، ولم يكدح طوال حياته في الحقل أو المصنع، ككثير من شيوعي العرب..
كان عام النكسة بداية التحول بعد أن اكتشف أن الشيوعية والماركسية نبتة غريبة على الأرض الطيبة، فقد خرجت في بيئة يحكمها الإقطاع والمصانع والاحتكار، وكان خلفها فكر طبقي وظلم اجتماعي، ولهذا السبب لم تجد تلك النبتة بيئتها في الأرض العربية، والذي كان تحكمه لقرون عديدة القبيلة والدين، ولم يدخل بعد في عصر الصناعة، وكانت الزراعة في بعض الأقطار مرتبطة بجريان الأنهار..
استهوته كثيراً المقولة الشهيرة (لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها)، ومن تلك اللحظة بدأ يتخلى عن كارل ماركس ونظرياته في صراع الطبقات، ويسترجع بطولات المسلمين الأوائل، الذي انتصروا على القوى العظمى بأسلحتهم البدائية، فقد كان إيمانهم أقوى، وكانت الملائكة تنزل لتحارب معهم ضد خصومهم الكفار.
كان واثقاً من النصر، وانتقد كثيراً الجالسين على أرصفة الأحلام من دعاة الإسلام، وأن عليهم أن يدركوا أن التاريخ ليس قاعة انتظار، وأن الإسلام لم يفتح بلاد الإفرنجة بصناديق الاقتراع...
كان يشعر أن تلك اللحظة قد اقتربت، وكان في حالة أقرب للنشوة، وهو يستمع إلى خطبة مسجلة لزعيم القاعدة أسامة بن لادن في عام 1998م، والتي أعلن فيها بدء الحرب الدينية ضد الغرب الكافر، وأنهم لمنتصرون في جهادهم ضد الكفار أينما حلوا، كان دائما ما يصفهم بالمجاهدين، الذي سيعيدون النصر المظفر لأمة الإسلام.
لم يكن الشيوعي السابق والإسلامي الجهادي الجديد بذلك المتدين الذي يحرص على بعثرة اللحية أو حف الشوارب، أو فتاوى تحريم طقطقة الأصابع أو صبغ الشعر بالسواد، فروح المناضل لم تختف من قسمات وجهه، وشنب ستالين لم يتعرض للقص امتثالاً للأمر النبوي، لكن مفرداته تغيرت، ووصل إلى درجة منظر أول في الصراع بين الغرب والجهاديين بقيادة شيخهم وإمامهم وجنودهم المجهولين..
لم تكن النتيجة أفضل من سابقتها، فقد حل الدمار في الأرض العربية، لأن الزمن يختلف، والإنسان أيضاً يختلف عن عصور المسلمين الأوائل، و أن الأمر برمته له علاقة بنظرية التطور والإبداع الإنساني، التي رفضها العقل السلفي الماضوي، واعتنقها العقل البشري في الغرب منذ سقوط غرناطة، فحدثت تحولات عظمى في تاريخ الإنسانية..، وكان العرب الخاسر الأكبر..في هذا الزمن!
أدرك الشيوعي السابق والإسلامي الجهادي المعاصر ذلك متأخراً، فالمعركة مع الغرب لم تخلف إلا الهلاك والموت، وربما أدرك أيضاً أن التخلف الحضاري سببه الجهل والأمية والعنصرية وأيضاً النرجسية غير المبررة، وقد حارب العرب من خلال مختلف الأيديولجيات القومية والشيوعية والدينية، وخسروا، لكنهم لم يحاربوا بعد من خلال الحرية والعقل والإصلاح السياسي والتنمية الاقتصادية..
قدم الشيخ الطاعن في السن مراجعات في غاية الندم لأبنائه وأتباعه، واعترف لهم أنه أخطأ الطريق مرتين، وأن ثورة العمال لم تنجح لأن الجوع أنهك العمال في ميادين القتال، فخارت قواهم أمام العدو الثري والمتطور..، وأن الجهاد الإسلامي بالأسلحة البدائية وتفخيخ الأجساد لم يأت بنتيجة لأن الله عز وجل لم يرسل إليهم جنوداً من السماء، وربما لأنهم لم يكونوا على قدر من التمكين،..
مهما اختلفنا أو اتفقنا على أمور كثيرة في هيمنة الغرب، لابد من إدراك حقيقة مهمة جداً أن إطلاق العقل من القيود ساهم في إحكام سيطرتهم على العالم، كذلك ساعدت أبوابهم المفتوحة للمبدعين في الانفتاح على العالم، ثم ربط مصالح الدول والأفراد بالخزينة الغربية، والأهم من ذلك أن الطريق إلى النصر الحضاري يبدأ أولاً من إصلاح العقول في نظرتها للأشياء بقدر كبير من العقلانية والمعرفة والموضوعية، والله المستعان..
- التفاصيل
- التفاصيل
- قضايا وأراء
د. جاسر الحربش
بيركا ضاحية سويدية تبعد عشرين ميلا تقريبا عن العاصمة ستوكهولم. في القرن التاسع عشر عثر الآثاريون السويديون فيها على مدافن لأسلافهم الفايكنج. أولئك الأسلاف اعتادوا دفن الممتلكات الثمينة مع المتوفى عندما يكون (كان) شخصية هامة. في أحد القبور وجدوا رفاتا لامرأة تختلف في الطول وتفاصيل العظام وفي بقايا الشعر عن الأموات الآخرين. كان الأمر مثيرا للانتباه، والأشد إثارة وجود خاتم بجانب بقايا يدها اليمنى عليه فص من حجر ثمين غير معروف في تلك البلاد عليه نقش بكتابة عربية. تم حفظ الرفات واللقى التي معه في المتحف السويدي الوطني وخيم النسيان على المكان بسبب الحروب الأوروبية المتعاقبة.
قبل سنوات قليلة أجرى الآثاريون السويديون مسحا للمخازن في متحفهم الوطني ودرسوا رفات المرأة الغريبة، وسموها امرأة أو سيدة بيركا الغريبة. اكتشفوا أن النقش على حجر الخاتم باللغة العربية ويقول: «ربي الله» بالخط الكوفي ودل تحليل الحمض النووي على أن سيدة بيركا ذات أصول شرق أوسطية وعلى الأرجح امرأة عربية. للدقة في نقل الخبر الذي قرأته في صحيفة أجنبية هذه الملاحظة: «تمت ترجمة النص على الخاتم في السويد إلى الله» . أعتقد شخصيا بأن الصحيح هو ربي الله، وأن الخطأ في الترجمة كان بسبب طول الذراع القائم لحرف الراء بالخط الكوفي. انتهت الملاحظة.
امرأة عربية مسلمة ماتت ودفنت في أصقاع إسكندنافيا قبل ألف سنة وبيدها خاتم منقوش عليه لفظ الجلالة؟. كيف وصلت تلك المرأة إلى بيركا في السويد ولماذا بقيت وماتت ودفنت هناك؟. كان واضحا من طريقة الدفن ومن اللقى مع الرفات أن سيدة بيركا تمتعت بالاحترام والجاه عند الفايكينج ودفنت مثلما كان السادة والوجهاء عندهم يدفنون. تحولت غريبة بيركا إلى موضوع دراسات متعددة، في التاريخ والجغرافيا والتجارة والمواصلات والعلاقات المحتملة في تلك الأزمنة الغابرة بين الدولة العباسية في العراق وشمال أوروبا المتوحش آنذاك. أما كيف وصلت غريبة بيركا العربية إلى هناك وبقيت وماتت ودفنت، فذلك مما تحول إلى تخمينات وافتراضات لا تخلو من الرومانسية المشوبة بالحزن على غربة تلك العربية في ثلوج الشمال بعيدا عن الأهل والجغرافيا واللغة.
البعض افترض أنها ربما كانت امرأة جميلة وقعت في غرام تاجر من أهل الشمال وهربت معه، وآخرون يفترضون أنها ربما كانت جارية اشتراها سويدي من سوق النخاسة في بغداد آنذاك مقابل الجلود والفراء التي كان الفايكينج يقايضون بها، والبعض يرى بكل بساطة أنها امرأة عربية نهبها غزاة الفايكينج من أطراف الدولة العباسية كما كانوا يفعلون في أوروبا وشمال الشرق الأوسط.
القليلون فقط ركزوا على الخاتم والفص والنقش، ثم اكتشفوا لاحقا من وصف الآثاريين القديم للمدافن في أواخر القرن التاسع عشر أن سيدة بيركا كانت مسجاة نحو الجنوب، ربما باتجاه القبلة نحو مكة. الفايكينج كانوا يؤمنون آنذاك بآلهة الشمال عندهم، أودين وتور ويسجون موتاهم نحو الشمال.
تأثرت كثيرا عندما قرأت قصة غريبة بيركا في مجلة أجنبية وترحمت عليها واستغفرت لها. ثم بدأت العواصف العاطفية والتاريخية تلف في رأسي عن تلك العربية الغريبة فقلت أكتب عنها هذا المقال لتعود عربية بيركا إلى ذاكرة أهلها الأصليين.
- التفاصيل
- التفاصيل
- قضايا وأراء
قرأنا في هذه الجريدة الأسبوع الماضي أن الطالبات المتقدمات للقبول في جامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن في الرياض، عشن يوماً عصيباً حينما تجمعن للتقديم اليدوي في مبنى عمادة القبول والتسجيل بعد فشل النظام الإلكتروني، ما أدى إلى وقوع تدافع بين الطالبات وحالات إغماء بسبب حرارة الأجواء. ولم تفلح أكثر من أربعة آلاف طالبة في تسليم ملفاتهن إلى الجامعة، إذ نفت الجامعة وجود قبول يدوي، وشددت على عدم صحة ذلك عبر حسابها في مواقع التواصل الاجتماعي.
وفي محاولة من الجامعة للتخلص من تجمع الطالبات، أوهمت بوجود حريق في المبنى، الأمر الذي يستوجب إخلاء والخروج من الجامعة وانتهاء التسجيل. (هكذا أنقل عن هذه الجريدة).
على الجانب الآخر، لم يكن الحال أفضل لطلبة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، تجمعوا لإنهاء إجراءات قبولهم في مقر الجامعة، ما أدى إلى ازدحام في مرافق الجامعة وأمام مبنى عمادة القبول والتسجيل.
ويهز الوجدان أن تنتقل أقوال صحافتنا إلى إغماءات. ولا نعهد في عالم اليوم أن طلبة أو طالبات يُغمى عليهم وهم يحاولون الحصول على قبول دراسى.
وكغيري من الناس عامتهم وخاصتهم لن أدعي معرفتي بوسائل "فك الاختناقات" لكنني طامع في عقول استطاعت فك الاختناقات في الموانئ في سنين خلَتْ، وفك اختناقات شبكات الهاتف الأرضي أيام الندرة والطفرة! وفك اختناقات الإسمنت والرمل والبحص أيام فورة الحراك الإنشائي والعمران. أفلا تتفتق أذهان مسؤولي الجامعة المذكورة عن فكرة تقود إلى "حل اختناقات الأوادم". لا بد أن يستنبطوا من الوسائل ما يجعل كل طالبة طموحة في الجامعة المذكورة تحصل على المقعد أو التخصص الذي تهواه بسهولة ويسر، أو على الأقل بدون "إغماءات".
ثم لماذا لا نؤقلم العلم مع الحاجة، ونُقنع الطالبات بذلك.. ومتأكد أن بيننا من هو أو هي صاحبة رؤية تستطيع المساهمة في تفريج هذا الهم المزمن. وأرى أن من بين وسائل فك الاختناقات التحصيلية جعل الوظائف المدنية في بلادنا بمعزل عن الدرجة العلمية، كما تفعل كل بلاد الدنيا. وعندنا الطلاب يركضون على التخصص الأسرع قبولاً في وظائف القطاع العام.. ومنذ زمن بعيد توقف العالم عن جعل الدرجات العلمية، والعليا مضماراً يركض فيه من أراد حياة الراحة والدعة في القطاع العام. الشهادة الجامعة – إلى عهد قريب – كانت بمثابة بوليصة تأمين وظيفة.. والذي نرجوه من جامعة نورة هو أن يملكوا غير تلك الأساليب العتيقة في استقبال الطلبات، حتى لا يخوفهن غول "فاقد الشيء لا يُعطيه".
- التفاصيل
- التفاصيل
- قضايا وأراء
كم شكونا من الإعلام الخارجي (المتربّص!) ولطالما تجادلنا حول إصرار الخصوم على قولبتنا أمام الرأي العام العالمي في صورة ذهنيّة سلبيّة. ربما يكون في هذه الإسقاطات شيء من الصحّة ولكن الصحيح أن هذه بعض من ثمار تقصيرنا في تسويق أجمل ما لدينا. لقد كنّا في عصر ما قبل الإنترنت نقرأ ونسمع قصصا عن تصرفات بعض الحمقى ومحدثي النعمة في عواصم السياحة العالميّة ولكن التأثير آنذاك كان محدودا ولا يلبث أن يُنسى. أما اليوم فقد تغيّر الحال في عالم التواصل الاجتماعي إلى وضع خطير يستحق المراجعة.
وهذا الوضع (الأخلاقي) ثماره المرّة على المشهد الإلكتروني اليوم تكاثرت بعد أن وضعنا بين أيدي بعض المراهقين وقليلي التربية وسائل تواصل عالميّة ولم نربهم كي يحسنوا استغلالها. استرعى انتباهي أول الأمر مقطع مصوّر وصلني وفيه شاب لم يحظ بنصيب من التربية وهو يحاور فتاة غربيّة بكل ما في قاموس السفاهة وفي آخر المقطع يدعوها بكلمات فجّة للإسلام الذي لم يمتثله فقرّرت أن أستكشف هذا العالم بما فيه ومن فيه.
راجعت بعض قوائم الحسابات والأسماء الأكثر شهرة وزيارة في بعض تطبيقات التواصل فماذا كانت النتيجة؟ وجدت على تطبيق نجما "أهبل" يتحرش بالأطفال، وعلى ذات التطبيق بزغ مراهق واشتهر وهو يظهر أسناناً لم تعرف العناية الصحيّة والطبيّة يتعاطى التدخين ببذاءة وغباء ويتحدّث بعربيّة مكسرة وإنجليزيّة مرقّعة مع فتاة أميركيّة تجاهد مع متابعيها الذين استجلبهم سلوك هذا "الكائن" القادم من خارج نور اللباقة واللياقة. وإن استعرضت برامج التواصل ستجد كما وجدت قطعانا من المراهقات ممن نزعن براقع الحياء ولبسن "وقاحة" التحدي يتغنجن ببلاهة أو يتراقصن بميوعة وخفة ذوق وملبس رغبة في نجوميّة ثمنها في واقع الإعلام الجديد اليوم هو المزيد من بذيء القول والعمل والمجاهرة بالفضيحة في غياب الأسرة المسؤولة.
الإعلام الجديد هو فرصتنا التاريخيّة (الوحيدة) كي نحاور العالم ونقدّم أنفسنا بما يليق بنا ونقطع الطريق على وسطاء الشر الذين طالما قدّمونا في صور الشهوانيين المتخلفين والإرهابيين. ولكن ما يصنعه هؤلاء التائهون في شعاب التقنية سيضيع كل جهد.
أعلم بأننا مثل كل المجتمعات وأعلم بأن لدينا شوارع خلفيّة تخرج منها أصوات تثير الغبار وتكشف المستور من تقصيرنا ولكن الحال صار مثار سؤال وعجب. ومما يحزن أن الإشكالات لم تتوقف على مشاغبات وقلّة حياء مراهقين ونزق شباب فلقد رأيت مقاطع كهول ونساء ورجال بأجسام بغال يستظرفون فيما بينهم ببذاءة وقلّة ذوق وينقلونه للإعلام الجديد فينتقل لبرامج الحوارات العالميّة صورة راسخة عن المجتمع والدين والحضارة.
ليست المشكلة هنا في حريّة الاتصال والتعبير فقد ضمنها الإعلام الجديد للجميع، المشكلة أنّنا أصبحنا ديناً ودنيا أمام امتحان حضاري لا سابق له. وما يصنعه بعضنا بصورتنا لا يزول أثره بالاتفاقيات الرسميّة ولا يمكن محوه من ذاكرة الشعوب والحواسيب بمذكرات تفاهم.
هذا الركام أصبح وسيصبح جزءاً أصيلاً في مرجعيات تشكيل الصورة الذهنيّة عنّا وهي صورة نحن من يصنعها بأيدينا. وما يدهشك أكثر هو أن هؤلاء المشتهرين بترويج الوقاحة يجدون قدراً من التصفيق والتهليل والاستضافات الإعلاميّة ليعاد تصديرهم رموزاً وقدوات لأجيال لا تعلم أين الطريق!
قال ومضى:
(لا تحاور) الأحمق بالمنطق (ولا تواجه) الخصم بالعاطفة.
- التفاصيل
- التفاصيل
- قضايا وأراء
فن الشلة أوما يعرف بالشيلة أخذ مساحة كبيرة في الساحة الشعبية وتزايد فيه عدد المنشدين وعدد استديوهات التسجيل التي يقوم عليها فنيون مبدعون في الإنتاج الصوتي والمرئي ولقد ساهم ذلك في وجود ساحة وسوق رائجة للشيلات حتى أنه لا يخلو فرح او مناسبة خاصة من وجود شيلة باسم الحفل. ولهذه القفزة في مجال الشيلات ايجابيات كثيرة منها إعادة الموروث الشعبي بقالب جديد وتوثيق القصائد القديمة وتداولها بين الأجيال. والشلة وسيلة فاعلة وسريعة لإيصال القصيدة وشاعرها الى المتلقي.
وقد عرفت الشلات منذ القدم فقد تغنت بها الأصوات على ظهور الإبل وحولها عندما تكون في مفلاها وفي أعمال البناء وأعمال الزراعة وعندما يؤديها صوت شجي وبشكل يضمن وزن القصيدة وسماع مفرداتها بشكل واضح فإنها تشكل عامل جذب للسماع والتشجيع على العمل وذهاب تعبه ولقد خلدت الشيلات العديد من القصائد القديمة حيث تداولتها الأجيال لأن لها روح الطرب الشعري.
ولقد أخذت الشيلة في الآونة الأخيرة مكانها ضمن الموروث الشعبي بشكل كبير لوجود جمهور كبير لها حتى أن بعض الشعراء يقدم الابيات الأولى من قصيدته على شكل شيلة الأولى ثم يبدأ في الإلقاء بشكل عادي وذلك يشكل عامل جذب وشد للمتلقي.
كما اصبحت الشيلات بصمة مميزة للاحتفالات والمناسبات العامة حيث ترتبط في ذهن المتلقي بالحدث فور سماعه لها وخصوصاً في ميزانيات الإبل والصوت الذي تؤدى به الشيلة مشتق من الموروث وغالباً ما تكون بلحن مؤثر عندما تحكي القصيدة عن معاناة وجدانية أو لحظات فراق.
وإذا كانت الشيلة لها هذا الدور في خدمة القصيدة والشاعر لماذا لا تأخذ اهتماماً أكثر وتعطى مجالاً أرحب في الدراسة وفي مسابقات الأدب الشعبي وأذكر أن بعض القصائد يرددها الصغير والكبير لجودتها أولاً وادراجها للمتلقي في قالب الشيلة .
كما استغلت الشيلة للقصائد الارشادية وقصائد الدعوة والنصح في المنابر الدعوية لإدراك القائمين عليها تأثيرها على المتلقي وقبول القصيدة في قالب الشيلة عندما تؤدى بشكل يلامس احساس المستمع.
وقد ساهمت شركات التسجيلات الصوتية والإنتاج الصوتي في اخراجها بشكل مميز بحيث اصبحت في متناول المتلقي وأكثر سهولة في الاستماع والسؤال الذي يطرح نفسه هل ستجد الشيلات من يضعها على أسس مدروسة وتحديد مصادرها وألوانها وعلاقتها ببحور الشعر؟.
- التفاصيل